الثلاثاء 12 مايو 2026

محمد قحطان..

ظهيرة يوم قائظ، مُثقل بالقلق، كأن الهواء نفسه كان يستشعر ما يزحف نحونا من قادم موحش، زُرنا الأستاذ محمد قحطان في منزله، وهو رهن الإقامة الجبرية؛ أنا واثنان من قيادة التنظيم. وربما كُنا آخر زائريه، قبل ساعات من تغييبه قسراً.

محمد قحطان

تفاجأ بزيارتنا، اغرورقت عيناه بالدمع، وتحشرجت الكلمات في حلقه، معبِّرا عن امتنانه بمشاعر تهز القلب. لم تكن بالكلمات وحدها، بل بكل ما فيه. لحظة صمت سبقت حديثنا، كانت أبلغ من أي كلام، بدا كأن الزمن كله قد انكمش، وآلته تختصر ذكريات سنوات طويلة من رفقة اللقاء المشترك، بأحلامها، ومعاركها، وخيباتها؛ في ثانية واحدة، مشبعة بالمشاعر.

كان لقاءً قصيراً، لم تحضر السياسة فيه إلا على الهامش، لأن شيئاً ما، أعمق من السياسة، كان يُخيّم على المكان، وكأن اللاوعي يستشعر الفاجعة القادمة، ويقرأ المستقبل قبل وقوعه، ويقرع أذهاننا في نفس الوقت بذكريات حلم كان يظللنا، ويمد أشرعته ومجاديفه لينقذنا، لكننا ويا للأسف، لم نأبه به، ولم نحسن الإصغاء إليه، ومضينا بأخطائنا، وضيق أفقنا، وأنانيتنا، وتخلفنا، في اتجاه آخر، تقاذفتنا أمواجه بعيداً عن الشاطئ.

لم يكن محمد قحطان مجرد قائد سياسي في حزب، بل كان مشروعاً وطنياً واسع الأفق، يتجاوز ضيق الانتماء، إلى رحابة المشروع الوطني الكبير. كان- بحق- جسراً عَبَرت عليه فكرة الشراكة الوطنية واضحة إلى داخل الإصلاح، وأحد الأعمدة التي قامت عليها تجربة اللقاء المشترك، تلك اللحظة السياسية النادرة التي مثّلت أنضج وأثرى تجليات العمل الوطني اليمني المعاصر.

كان من أشجع وأنبل العقول التي آمنت بالشراكة الوطنية، وبالدولة المدنية، إيماناً صادقاً، دون مخاتلة أو تذاكٍ أو مخادعة، بخلاف تيار آخر مأزوم، غريب عن روح العصر، وعاجز عن فهم شروط الحياة فيه. ولم تكن معاناته مع هذا التيار خافية، وإن ظلت صامتة.

لا أدري ما الذي ربحته جماعة الحوثي من تغييب محمد قحطان كل هذه السنوات، لكني أُدرك يقيناً حجم الخسارة التي مُني بها الوطن بغيابه.

كما لا أستطيع فهم هذا العجز الطويل، أو هذا التقاعس الموجع، من الإصلاح والسلطة الموصوفة بالشرعية عن انتزاع حريته، ولماذا لم يكن حظه مثل بقية القادة أو الأبناء، ممّن شملتهم صفقات الإفراج؟ لماذا ظل محمد قحطان وحده رهين هذا المصير الغامض، وتترك أسرته تنزف وتتجرع آلام هذا الجرح المفتوح؟

أسئلة موجعة لا نجد لها إجابة، ونُغالب أنفسنا كي لا نستسلم لتصورات ذهنية بدائية لم نعرفها ولا نطيق حتى مجرد التفكير فيها.

أسأل الله الفرج القريب للأستاذ الكبير محمد قحطان، وأن يرده إلى أهله ودوره الوطني سالماً، فمازال مكانه في العمل الوطني شاغراً.