حين يتحول بيت الله إلى مُصلى للإنتحار..!
في قلب مدينة مأرب، وبينما كانت السكينة تتهيأ لتغمر الأرواح مع غروب شمس يوم الاثنين، الحادي عشر من مايو عام ألفين وستة وعشرين، انكسر جدار الصمت بصرخة نار لا تشبه أي صراخ عرفته المدينة من قبل.

إن إقدام الشاب "عبدالواحد علي حسن" على إضرام النار في جسده داخل أروقة جامع البقماء، وفي اللحظة الحميمية التي تلي صلاة المغرب، ليس مجرد حادثة انتحار عابرة يمكن أرشفتها في سجلات "المرض النفسي" الصماء وطيّها ببرود إداري واجتماعي.
إن هذا الفعل الاحتجاجي العنيف يتجاوز التفسيرات السطحية ليغوص في تشخيص أزمة كيان إنساني كامل، حيث تتحول الأجساد إلى خرائط حية تعبر عن انسداد الأفق، وغياب الدولة، وتواري الروابط الاجتماعية خلف غبار المعارك الطويلة.
تضعنا كاميرات المراقبة داخل المسجد أمام مشهد يفوق قدرة العقل على الاستيعاب؛ حيث يقف الشاب وسط حشد من المصلين، ليتحول في ثانية واحدة من إنسان يبحث عن السكينة إلى "كتلة لهب" مستعرة، مما أحدث حالة من الهلع الوجودي بين الكبار والصغار الذين فروا في كل اتجاه، بينما حاول آخرون بيأس مواجهة النار بملابسهم في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وهنا يبرز السؤال الأكثر رعباً وإلحاحاً: لماذا اختار عبدالواحد الجامع تحديداً ليكون مسرحاً لنهايته الفاجعة؟
إن اختيار المسجد ليس مجرد بحث عن "مكان آمن" للموت، بل هو اختيار لمؤسسة رمزية كبرى تتجاوز حدود مأرب واليمن؛ فالمسجد هو المحفل الذي تجتمع فيه الأمة، وهو المنبر الذي تصل أصداؤه إلى كل مسلم على وجه الأرض.
يبدو أن عبدالواحد، في ذروة يأسه، لم يعد يكتفي بإيصال صرخته إلى السلطات المحلية أو الأطراف المتحاربة التي استنزفت حياته، بل أراد أن يجعل من جسده المحترق "شهادة إدانة" يراها كل من يطأ قدماه مسجداً في اليمن، بل وكل مسلم في أصقاع المعمورة.
إنه يريد أن يخبر كل مصلٍّ يرفع يديه للسماء، بأن هناك نفوساً لم تعد تجد في "بيوت الله" سوى المكان الأخير لإعلان فجيعتها، وكأن النار التي اشتعلت في محراب البقماء هي رسالة احتجاج موجهة إلى الضمير الإسلامي الجمعي الذي صمت طويلاً عن معاناة اليمنيين.
إنها رغبة دفينة في "تأميم الألم" وجعله قضية عالمية؛ فالمسجد هو الملاذ الذي لا يُغلق بابه، واختياره يعني أن عبدالواحد أراد لمأساته أن تُقرأ بلغة الصلاة، وأن تُسجل في سجلات القداسة لتؤرق كل من يدعي الوصل بالقيم الدينية بينما يترك أخاه الإنسان فريسة للجوع والقهر.
تتعدد الاحتمالات والدوافع التي قادت هذا الشاب نحو هذا الخيار، لكن حصرها في توصيف "الحالة النفسية" هو هروب أخلاقي من مواجهة الحقيقة الاجتماعية والسياسية المرة التي يعيشها اليمني اليوم.
فالانهيار النفسي في بيئة محكومة بالصراعات والفقر ليس عارضاً طبياً معزولاً، بل هو نتاج مباشر لعملية "استنزاف وجودي" مستمرة، تمارسها الحياة اليومية ضد إنسان جُرد من كل أدوات الصمود والكرامة.
إن الغياب الطويل لهيبة الدولة، وفشل السلطات الشرعية في استعادة حضورها المؤسسي والخدمي والمعنوي، خلق فجوة هائلة سكنها اليأس والشعور العميق بالخذلان لدى جيل كامل يرى مستقبله يحترق قبل أن يبدأ.
السلطة في المفهوم العميق ليست مجرد أجهزة أمنية تحصي الحوادث وتصنف الضحايا، بل هي الراعي الذي يفترض به تأمين الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وحماية المواطن من التحلل تحت وطأة العوز والضياع.
إن تكرار هذه الحوادث الصادمة في مأرب يضع السلطة أمام مسؤولية تاريخية لا يمكن التنصل منها؛ فما حدث اليوم هو صدى مروع لما جرى في سبتمبر من العام ألفين وخمسة وعشرين، حين أقدم النقيب "عبدالله بدير" على إحراق نفسه أمام المستشفى الميداني بالمدينة.
لقد كانت حادثة النقيب بدير صرخة احتجاج ضد الجوع وانقطاع الراتب لعدة أشهر، وهي الحادثة التي لم تكن لتحدث لو وجدت دولة تحترم عرق جنودها وتصون كرامة من يحمي حياضها.
كل يوم يتأخر فيه مشروع استعادة الدولة الحقيقية، وتغيب فيه العدالة التوزيعية، تزداد في المقابل فاتورة المآسي الفردية التي تنفجر كالقنابل الموقوتة في وجوهنا جميعاً، محولةً الساحات والمساجد إلى مسارح للاحتجاج بالجسد.
هذا الغياب المؤسسي لم يمزق العقد الاجتماعي والسياسي فحسب، بل أدى إلى تآكل الروابط الإنسانية والعلاقات الاجتماعية بين الناس، حيث صار كل فرد يكابد معركته الخاصة في معزل عن الآخر، وغرق الجميع في ثقافة "النجاة الفردية".
ضعف التكافل الاجتماعي وتراجع قيم الاحتواء الحقيقي جعل من الإنسان كتلة ألم صامتة، تنزوي في زاوية التفكير بالخلاص العنيف دون أن يشعر بمرارتها أحد حتى لحظة الانفجار الكبير.
إن اختيار المسجد يعني أن الرسالة لم تعد موجهة لحاكم أو فصيل، بل لكل إنسان مؤمن؛ هي دعوة لتأمل هذا الخراب الذي لم يترك لليمني شيئاً إلا واستنزفه، حتى صار الموت حرقاً في "بيت الله" أهون من العيش في "بيوت البشر" المظلمة.
الناس في اليمن اليوم لا يموتون فقط في الجبهات والميادين، بل يموتون خلف الأبواب المغلقة بجلطات وذبحات صدرية يغذيها القهر والكتمان، أو بقرارات انتحارية يائسة تعلن نهاية القدرة على الاحتمال.
إننا أمام "مقصلة خفية" تلتهم أعمار الشباب، وقودها الفقر والخذلان وضياع اليقين بمستقبل لا يحمل سوى مزيد من الانكسارات.
على السلطات الشرعية والمحلية أن تدرك بأن السكوت عن تدهور الأوضاع المعيشية هو دفع مباشر للمواطنين نحو حافة الهاوية، وأن إهمال الجوانب النفسية والاجتماعية في زمن الحرب هو جريمة صامتة.
كما أن على المجتمع بأسره أن يعيد إحياء قيم الرفق والدفء الإنساني، فالكلمة الطيبة اليوم قد تكون هي الحائل الوحيد بين إنسان مكسور وبين قرار الرحيل الأخير.
إن توثيق هذه التفاصيل والوقوف أمام دلالاتها الاستقصائية هو جزء من مواجهة الخراب، ومحاولة لترميم ما تبقى من إنسانيتنا التي يهددها هذا الانطفاء الكبير.
الحياة في هذا الواقع صارت قصيرة جداً ومثقلة بالأوجاع، ومسؤولية النجاة الجماعية باتت تتطلب استعادة مفهوم الدولة الحامية أولاً، واستعادة الإنسان لدفئه وتكاتفه مع أخيه الإنسان ثانياً.
لقد آن الأوان لكي يفهم الجميع أن ترك الحالات اليائسة لمواجهة مصيرها وحدها، يجعلنا جميعاً شركاء في كتابة فصول هذه المأساة الطويلة.
فلنكن أكثر رحمة ببعضنا، ولنسمع صرخة "البقماء" كجرس إنذار أخير قبل أن يبتلع الرماد ما تبقى من أحلام هذا الجيل المكلوم.
إن النار التي اشتعلت في جسد عبدالواحد اليوم لم تكن تحرقه وحده، بل كانت تحرق معها أوهام الاستقرار الكاذب، وتكشف عري المؤسسات التي فشلت في حماية الروح الإنسانية.
يجب أن تتحول هذه الدماء والآلام إلى قوة دافعة للتغيير الحقيقي، وللضغط من أجل استعادة الدولة التي توفر الخبز والكرامة والأمان لكل مواطن دون استثناء.
إن صمت السلطات عن تقديم تفسيرات حقيقية وحلول جذرية لهذه الظواهر هو مباركة ضمنية لاستمرارها، وهو ما لا يجب أن يقبله أي ضمير حي.
ختاماً، إن الوجع اليمني صار أكبر من الكلمات، ولكن كتابته هي محاولة أخيرة لرفض القبح واستعادة الجمال المفقود في أرواحنا المنهكة.
رحم الله كل من ضاقت به الأرض بما رحبت، وألهمنا جميعاً القدرة على أن نكون لبعضنا البعض وطناً حين تضيع الأوطان.
