المشيخة مسؤولية لا امتياز
وإن كنتُ أنتمي إلى واحدٍ من أكبر بيوت الزعامة القبلية، فإنني لم أُطلق على نفسي يومًا صفة نقيبٍ قبلي أو شيخٍ، احترامًا لعِظَم المسؤولية وقدسية التمثيل. نعم، أنا مواطنٌ يمني، وقَبَليٌّ أعتز بانتمائي لوطني الجامع، وأفخر بانتمائي إلى القبيلة الوطنية بما تمثّله من قيمٍ أصيلة؛ من شهامةٍ وتراحمٍ وتكافلٍ ونُصرةٍ للحق، واحترامٍ للدستور والقانون، وما تختزنه من موروثٍ اجتماعيٍّ ومدنيٍّ ودينيٍّ راسخ.
لكنني، في الوقت ذاته، لستُ مع توريث المشيخة أو النيقبة بوصفها امتيازًا عائليًا أو لقبًا يُمنح بحكم الإرث، ما لم يكن ذلك نابعًا من اختيار القبيلة الحرّ، عبر التوافق أو الانتخاب، بحيث يكون الشيخ أو النقيب ممثلًا حقيقيًا لقبيلته، ومسؤولًا أمامها، ويعمل لمصلحتها لا لمصلحة غيرها.
إن انتخاب الشيخ من داخل القبيلة، وتسميته بإرادتها، هو الضمان الحقيقي لتحصين البيت القبلي من الارتهان والاختراق، وهو ما يجعل الشيخ مرتبطًا بأهله وقضاياهم، يستمد شرعيته منهم ويعود إليهم في قراره وموقفه. أما حين تُصنع المشيخات خارج الحدود، أو تُفرض بأدوات النفوذ والمال والارتهان، فإن القبيلة تخسر استقلالها، ويتحول الشيخ إلى ممثلٍ لمصالح من صنعه لا لمصالح من يفترض أنه يمثلهم.
ومن هنا بدأت كثير من الاختلالات التي أصابت البنية القبلية والوطنية بعد الثورة؛ إذ باتت بعض المشايخ والنقباء يصنعون من الخارج، لا من داخل المجتمع القبلي نفسه. ومن يطلب لنفسه الموقع عبر الارتهان، يفقد حريته أولًا، ثم تفقد القبيلة صوتها وقرارها، ومع خسارة القبيلة يخسر الوطن بأكمله. وما وصلنا إليه اليوم من انقساماتٍ وضعفٍ وارتهان، شاهدٌ واضح على خطورة تغييب الإرادة الحرة للقبائل ومصادرة قرارها.
أما أنا، فقد كنت نائبًا برلمانيًا انتخبتني قبيلتي ومنطقتي ممثلًا عنها، وحملت هذه المسؤولية باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا. كما عملت سفيرًا في السلك الدبلوماسي لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، مؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تكون بالألقاب، بل بالعمل الصادق والانتماء الحرّ الذي لا يُشترى ولا يُستورد.
۔ برلماني وسفير سابق
