الإثنين 11 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الخطاب الوعظي.. بين تزهيد الفقراء وتبرير بذخ السلطة

الخطاب الوعظي.. بين تزهيد الفقراء وتبرير بذخ السلطة

يحتل الوعظ مساحة مركزية في بنية الخطاب الديني، ليس فقط بوصفه أحد أهم تجليات الدعوة الإسلامية، بل باعتباره الوظيفة الأخلاقية الأبرز التي ارتبطت بفكرة تهذيب الإنسان وإتمام مكارم الأخلاق.


غير أن الخطاب الوعظي، في كثير من تجلياته، يغلب عليه نزوع واضح نحو التزهيد في الحياة، وإماتة اللذة، والنظر إلى متع الدنيا بوصفها شبهة روحية أو نقصًا إيمانيًا، مع إحالة التعويض الحقيقي إلى عالم الآخرة وثوابها المؤجل.
هذا الطرح المفعم بالميتافيزيقا والمثالية التنزيهية لم ينشأ من فراغ، ولم يكن مجرد ترف فكري أو ممارسة خطابية بقصد التخدير الوعظي وحسب، بل انطلق -في جوهره- من إيمان عميق بصدق النصوص الدينية ويقينياتها المطلقة لدى المؤمنين بها، باعتبارها حقائق نهائية لا يطالها الشك.
ومع ذلك، فإن الخطاب الوعظي، خصوصًا في بعده السياسي، لم يخل من إشكالات عميقة وإبهامات وظيفية فتحت باب النقد والمراجعة، وفي مقدمتها ازدواجية المعايير بين ما يطلب من العامة وما يباح للسلطة، وبين ما يفرض على الفقراء من زهد وصبر وقناعة، وما يمنح للحكام وحاشياتهم من ترف وبذخ يجري تبريره وتأويله دينيًا.
لقد مورست هذه الازدواجية، بصور متفاوتة، منذ المراحل المبكرة من التاريخ الإسلامي، حين تحول الوعظ أحيانًا إلى أداة لتطويع الجماهير وتخدير إرادتها، عبر الدعوة إلى الصبر والطاعة وتحريم الخروج على الحاكم، بوصف أي اعتراض فتنة وشقًا لعصا الطاعة، في الوقت الذي كانت فيه السلطة تمارس امتيازاتها باسم الدين نفسه.
ولا غرابة، تبعًا لذلك، أن تدعي مختلف الفرق والتيارات الإسلامية -سنية كانت أم شيعية- امتلاك الحقيقة الدينية والتمثيل الحصري للهدي القرآني والسيرة النبوية، مع توظيف ذلك لتسويغ مشاريعها السياسية وأجنداتها الخاصة.
فما مدى مصداقية الخطاب الوعظي حين يتحول إلى أداة انتقائية تخاطب الفقراء بلغة الزهد، بينما تبرر للأغنياء والحكام أسباب الرفاه والامتياز؟
وما الذي يمكن أن يسمى خطابًا يطالب البسطاء بالقناعة والصبر، ثم يقدم الفوارق الاجتماعية الحادة بوصفها قضاء مقدورًا ومشيئة إلهية لا يجوز الاعتراض عليها؟
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب ديني صادق، وإلى علماء ربانيين ينتصرون لقيم العدل والكرامة والحق، ويتمثلون نهج الرسول الكريم بعيدًا عن الرياء والتوظيف السياسي والمتاجرة بالدين.