حين تتحول القضية إلى صورة زعيم
بدأ الحراك الجنوبي كحالة شعبية غاضبة يقودها متقاعدون وعسكريون وحزبيون وناشطون، وكانت رموزه يومها أسماء بحجم ناصر النوبة وحسن باعوم. لم يكن الجنوب يومها أسير صورة زعيم، ولا معلقًا بصوت يأتي عبر الهاتف من خارج الحدود، بل كانت القضية أكبر من الأشخاص وأكثر اتساعًا من أي اسم.
لكن مع دخول علي سالم البيض إلى خط الحراك من بوابة منزل طارق الفضلي في زنجبار بمحافظة أبين في9 مايو 2009، جرى تحويل المسار بالكامل. فبدلًا من التعدد السياسي، فُرضت “شرعية البيض” كمرجعية فوق الجميع، وتحول هدف التحرير والاستقلال من مشروع سياسي قابل للنقاش إلى عقيدة سياسية لا يُسمح بالاقتراب منها أو حتى مساءلة أدواتها.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخلاف السياسي يُناقش بوصفه اختلافًا في الرؤى، بل صار يُقدَّم كخيانة للقضية وتفريط بدماء الجنوبيين.
اليوم، وبعد سنوات طويلة، يبدو أن الجنوب لم يغادر الدائرة ذاتها، بل استبدل فقط أسماء اللاعبين.
فمع صعود عيدروس الزبيدي وهيمنة المجلس الانتقالي الجنوبي على المشهد، أُعيد إنتاج النموذج نفسه بصورة أكثر وضوحًا. تغيرت الصور المرفوعة، وتبدلت الهتافات، لكن الفكرة بقيت كما هي: صناعة شرعية مرتبطة بشخص، وتحويله إلى معيار للوطنية الجنوبية.
حتى تفاصيل المشهد تكاد تكون نسخة طبق الأصل؛ جماهير تُعبَّأ عاطفيًا، أناشيد وصور وشعارات، بينما تُدفع القضية مرة أخرى إلى مربع التقديس السياسي بدل بناء مشروع وطني حقيقي.
المؤلم أن الجنوب الذي خرج يومًا ضد الإقصاء، يعيد إنتاج الإقصاء نفسه. والشارع الذي طالب بالشراكة، يُعاد تشكيله على قاعدة الطاعة السياسية والاصطفاف خلف الفرد.
التجارب لا تتغير حين تتغير الأسماء فقط، بل حين تتغير العقلية التي تدير المشهد.
أما حين يبقى الزعيم هو القضية، وتتحول الجماهير إلى مجرد جمهور للتصفيق، فإن النهاية غالبًا تكون معروفة سلفًا: إعادة تدوير الفشل، تحت رايات جديدة.
