تحييد دُور العبادة والتعليم والإعلام… ضرورة لحماية المجتمع
في المجتمعات التي تعصف بها الأزمات وتتعدد فيها الانقسامات، لا يبقى أمام الناس سوى التمسك بالمساحات المشتركة التي تحمي ما تبقى من نسيجهم الاجتماعي. ومن بين أهم هذه المساحات: دُور العبادة، ومؤسسات التعليم، ووسائل الإعلام العامة. هذه المنابر لم تُخلق لتكون أدوات صراع، بل ركائز استقرار، ومصادر وعي، وجسور تواصل بين مختلف فئات المجتمع. غير أن الخطر يبدأ حين تُنتزع من وظيفتها الجامعة وتُدفع قسرًا إلى ميادين الاستقطاب.
فالمسجد، في جوهر رسالته، ليس ساحة لتصفية الحسابات ولا منصة لتعبئة الناس لصالح طرف دون آخر، بل بيت يجتمع فيه المختلفون على قيم مشتركة. وعندما يُزج به في الصراع، فإنه لا يفقد حياده فحسب، بل يُسهم في شرعنة الانقسام، ويمنح الخلاف طابعًا أكثر حدة وخطورة، لأن ما يُقال فيه يكتسب سلطة رمزية تمتد إلى الضمير الجمعي.
وكذلك الجامعة والمدرسة؛ فهما ليستا فضاءين لإعادة إنتاج القناعات الجاهزة، بل بيئتان لتشكيل العقل النقدي. وعندما تتحولان إلى أدوات توجيه أو اصطفاف، لا تقف الخسارة عند تراجع جودة التعليم، بل تمتد إلى إنتاج أجيال أقل قدرة على التفكير المستقل، وأكثر قابلية للانجرار خلف الخطاب الأحادي، بما يضعف المجتمع على المدى البعيد.
أما الإعلام العام، فحين يتخلى عن دوره كناقل للمعلومة والحقيقة ويتحول إلى موجِّه، فإنه لا يخسر ثقة الجمهور فقط، بل يفتح المجال أمام بدائل أقل مهنية وأكثر انحيازًا لملء الفراغ. وفي بيئة تعاني أصلًا من هشاشة الثقة، يصبح فقدان المصداقية عاملًا مضاعفًا لتعميق الانقسام وتكريس الشك العام.
إن تسييس هذه المنابر لا يفسد رسالتها فحسب، بل يخلق حلقة مفرغة: مؤسسات منحازة تُنتج مجتمعًا منقسمًا، ومجتمع منقسم يُعيد بدوره إنتاج مؤسسات أكثر انحيازًا. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ حيث تتآكل المساحات المشتركة تدريجيًا، ويغدو الاتفاق أصعب، والاختلاف أكثر حدّة.
في المقابل، فإن تحييد هذه المؤسسات يفتح الباب أمام استعادة التوازن. فحين يشعر المواطن أن المسجد لا يُقصيه، وأن المدرسة لا تفرض عليه، وأن الإعلام لا يُضلله، تبدأ الثقة بالعودة تدريجيًا، ويصبح الحوار ممكنًا، والتعايش أكثر واقعية. الحياد هنا ليس موقفًا سلبيًا، بل شرطًا أساسيًا لحماية المجتمع من الانزلاق نحو مزيد من التشظي.
إن حماية هذه المنابر من التوظيف الضيق ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية وعي عام وإرادة تحترم قدسية الدور الذي تؤديه. فالمجتمعات لا تنهار فقط بفعل الصراعات، بل أيضًا حين تفقد مؤسساتها قدرتها على أن تكون للجميع.
وحين تبقى هذه المنابر على مسافة واحدة من الجميع، فإنها تستعيد معناها الحقيقي: منابر للوعي، ومساحات للحق، وأصوات تعبر عن المجتمع كله دون استثناء. عندها فقط يمكن بناء أرضية مشتركة، لا تُدار فوقها الخلافات فحسب، بل تُحل أيضًا، لأن المجتمعات لا تُبنى بالهيمنة، بل بالشراكة والحياد والعدالة.
