الخميس 7 مايو 2026

الصحافة النسوية في اليمن المعاصر

تعد الصحافة النسوية أحد أهم الروافد الثقافية والفكرية التي أسهمت في تشكيل المشهد الثقافي والاجتماعي في اليمن المعاصر، بل يمكن القول إنها مثلت واحدة من أبرز تجلياته وتعبيراته الفكرية والإعلامية، بما لعبته من دور في إثراء الوعي الثقافي، وتوجيه الرأي العام، وإثارة الأسئلة المرتبطة بقضايا المرأة ومكانتها في المجتمع.

كما شكلت الصحافة اليمنية، بمختلف أنواعها واتجاهاتها، الحاضنة الأساسية للكتابة النسوية بمختلف تجلياتها، حيث تزامنت البدايات المنتظمة للكتابة النسوية مع بدايات صدور الصحافة في اليمن الحديث، وإن وجدت قبل ذلك بعض المحاولات المتفرقة في شكل قصائد أو قصص أو نصوص مبعثرة في بطون الكتب والصحف القادمة من المحيط العربي. فلم تخل صحيفة يمنية، أو صحيفة عربية تصل إلى اليمن، من مادة ذات نفس نسوي، سواء كتبتها امرأة أو تناولها كاتب من زاوية تدافع عن قضايا المرأة أو تلامس همومها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م، أخذت الصحافة النسوية في اليمن منحى أكثر وضوحا وحضورا، خصوصا في عدن وصنعاء، وإن كانت قد سبقتها بعض المطويات النسوية المحدودة في جنوب اليمن زمن الاستعمار البريطاني. كما زخرت الصحافة اليمنية عموما بتناولات متعددة لقضايا المرأة، والنسوية هنا لا تعني فقط ما تكتبه النساء، بل كل كتابة تتبنى قضايا المرأة وتدافع عن حقوقها، سواء كتبها رجل أم امرأة.
ورغم هيمنة الثقافة الذكورية، وما رافقها من انتقاص لدور المرأة وتهميش لقضاياها، إلى جانب انتشار الأمية والجهل في المجتمع اليمني آنذاك، فإن المشهد الثقافي لم يخل من إرهاصات تنويرية مبكرة بشرت بولادة وعي جديد، كان للصحافة النسوية دور بارز في التعبير عنه. فقد بدأت بعض الصحف اليمنية، خاصة الصادرة في عدن، بنشر مواد صحفية تهتم بشؤون المرأة وتعليمها وحقوقها الاجتماعية، لتغدو تلك الصحافة مع الوقت لسان حال المرأة اليمنية، والمعبر الثقافي والإعلامي عن تطلعاتها وهمومها.
وبالعودة إلى نماذج متعددة من الصحافة النسوية اليمنية، نجد أن معظم الصحف اليمنية، على اختلاف اتجاهاتها، لم تخل من تناول قضايا المرأة، سواء في الجوانب التعليمية أو الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية. كما ظهرت صحف ومجلات تخصصت بشكل شبه كامل في قضايا المرأة، وتبنت خطابا نسويا واضحا جعل من قضية المرأة محورا مركزيا في معالجتها الصحفية.
وقد بدأت الكتابة النسوية في اليمن بصورة محتشمة، يغلب عليها التلميح والخطاب الإصلاحي الهادئ، قبل أن تتطور تدريجيا إلى خطاب أكثر جرأة ووضوحا، يناقش قضايا المرأة بوصفها قضية مجتمعية وإنسانية عامة، وليست مجرد شأن خاص بالنساء. ومن هنا برزت أسئلة عديدة حملتها الصحافة النسوية اليمنية، من قبيل: كيف عبرت تلك الصحافة عن قضايا المرأة؟ وكيف كانت صدى لمعاناتها وطموحاتها؟ وما طبيعة القضايا التي ركزت عليها؟ وإلى أي مدى أسهمت في تحسين واقع المرأة اليمنية أو التأثير في الوعي المجتمعي تجاهها؟
ومن أبرز النماذج المبكرة في هذا السياق صحيفة فتاة الجزيرة الصادرة في عدن عام 1940م، والتي تعد أول صحيفة أهلية يمنية اهتمت بصورة ضمنية بقضايا المرأة، سواء من خلال اسمها أو عبر المواد والزوايا التي خصصتها لشؤون المرأة العدنية. كما برزت صحيفة فتاة شمسان التي تبنت بصورة أكثر وضوحا قضايا المرأة خلال فترة الاستعمار البريطاني، وركزت على حق المرأة في التعليم ومشاركتها الاجتماعية. كذلك ظهرت مجلة أروى برئاسة تحرير أروى محمد قائد سيف، ومجلة نساء اليمن اللتان حملتا هموم المرأة اليمنية، وسعتا إلى التعبير عن قضاياها في مختلف أرجاء اليمن.
وفي مراحل لاحقة ظهرت صحف نسوية عديدة في صنعاء وعدن وتعز وغيرها من المدن اليمنية، مثل صحيفة المرأة وصحيفة حواء وصحيفة آدم وحواء وغيرها من الإصدارات التي تبنت قضايا المرأة، وكرست جزءا كبيرا من خطابها لمعالجة همومها الاجتماعية والثقافية والحقوقية، وهو ما يجعل تاريخ الصحافة النسوية في اليمن حقلا واسعا يحتاج إلى دراسات علمية متخصصة تتناول تطوره وتحولاته وتأثيره.
إن المتأمل في هذه الصحف يلحظ أن أهمية الصحافة النسوية لا تكمن فقط في تناولها لقضايا المرأة، بل في كونها أرخت بصورة أو بأخرى للمرأة اليمنية الحديثة، ووثقت تحولات حضورها الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما سعت إلى إبراز مكانة المرأة ودورها في الحياة العامة، وربطت بين تطور المجتمع وتحرر المرأة وتعليمها وتمكينها.
وقد ركزت الصحافة النسوية اليمنية على عدد من القضايا والمحاور الأساسية، من أبرزها الدفاع عن حق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، والتوعية بحقوقها الاجتماعية، ومناقشة قضايا الزواج المبكر والأمية والتهميش، فضلا عن السعي إلى تثقيف المرأة بما يواكب تطورات العصر ومتغيراته.
وفي المقابل، عانت هذه الصحافة في كثير من المراحل من الإقصاء والتضييق، خاصة في ظل تصاعد الخطابات المحافظة وهيمنة الثقافة الذكورية الرافضة لمبدأ المساواة أو الاعتراف الكامل بحقوق المرأة. ومع ذلك ظلت الصحافة النسوية حاضرة بوصفها صوتا ثقافيا وإعلاميا يعبر عن طموحات المرأة اليمنية، ويحاول انتزاع مساحة لها داخل المجال العام.
وعلى أية حال، فقد مثلت الصحافة النسوية في اليمن المعاصر سياقا ثقافيا وإعلاميا نابضا بالحيوية والتحديث، وشكلت رافدا مهما من روافد الفكر والثقافة، بما حظيت به من اهتمام رسمي ومجتمعي، وما لعبته من دور في تحريك الوعي بقضايا المرأة. ولا يزال هذا الحقل الصحفي والثقافي بحاجة إلى دراسات علمية رصينة ومتأنية تكشف أبعاده التاريخية والفكرية والاجتماعية، وتعيد الاعتبار لدوره في تشكيل الوعي اليمني الحديث.