الخميس 7 مايو 2026
  • الرئيسية
  • كيف أصبح الانتهازيون سادة المشهد في اليمن

كيف أصبح الانتهازيون سادة المشهد في اليمن

هناك مفارقة مؤلمة باتت واضحة في المجتمع اليمني اليوم، وهي أن من تربى في أسرة تقوم على الأخلاق والمبادئ واحترام الناس وتقدير العلم، غالبًا ما يجد نفسه عاجزًا عن تجاوز الآخرين أو انتزاع ما ليس من حقه لأنه يحمل داخله قيودًا أخلاقية تمنعه من التعدي أو الاستغلال أو القفز فوق القيم التي نشأ عليها، ولذلك يبقى أكثر ترددًا في اتخاذ بعض القرارات أو الدخول في صراعات لا تنسجم مع ضميره وتربيته، حتى لو كان الثمن ضياع حقه أو تراجعه في الحياة العامة.

وفي المقابل يظهر أشخاص آخرون تربوا أيضًا داخل بيئات تتحدث عن الأخلاق والمبادئ، لكنهم مع مرور الوقت تحولوا إلى نماذج انتهازية لا ترى في القيم سوى شعارات تستخدم عند الحاجة، بينما يمارسون في الواقع سلوكًا قائمًا على الاستغلال والوقاحة، وتجاوز الآخرين دون أي شعور بالحرج أو المسؤولية، وهؤلاء غالبًا ما يمتلكون قدرة كبيرة على الوصول إلى المناصب والمكاسب، لأنهم لا يترددون في استخدام أية وسيلة مهما كانت قاسية أو غير عادلة.
لقد أسهمت الحرب في اليمن في تعميق هذا الخلل بشكل كبير، فسنوات الصراع والانهيار والفوضى أضعفت مكانة القيم الاجتماعية التقليدية، ودفعت بكثير من الناس إلى الاعتقاد أن النجاح لا يتحقق إلا عبر النفوذ والانتهازية والقدرة على تجاوز الآخرين. ومع غياب الدولة وهيبة القانون تراجعت معايير الكفاءة والأخلاق لصالح معايير القوة والمصلحة الشخصية والقدرة على المناورة والخداع.
ومع هذا التحول المؤلم أصبح كثير من أصحاب الأخلاق الحقيقية يشعرون بالغربة داخل مجتمعهم، فهم يرون أن احترام الناس والصدق والالتزام بالقيم لم تعد صفات تمنح صاحبها التقدير، بل ربما تحولت في نظر البعض إلى نقاط ضعف يستغلها الآخرون، بينما يتم تقديم الشخص الوقح والانتهازي على أنه قوي وناجح وقادر على فرض نفسه حتى وإن كان وصوله قائمًا على الظلم أو استغلال ظروف الحرب والانقسام.
إن أخطر ما خلفته الحرب ليس فقط الدمار الاقتصادي والسياسي، بل أيضًا هذا التشوه العميق في ميزان القيم داخل المجتمع اليمني، حيث أصبح المشهد العام في كثير من الأحيان بيد الأشخاص الأكثر قدرة على التلون والاستفادة من الفوضى، بينما تراجع أصحاب الكفاءة والأخلاق إلى الخلف، ومع استمرار هذا الواقع فإن المجتمع قد يخسر أهم ما كان يميزه عبر تاريخه، وهو احترام القيم والحياء الاجتماعي والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.