الأرمن.. الضوء يكتب نفسه بأكثر من طريقة
حيثما حلّ الأرمني في مدن المنفى، يمر كمن يجر خلفه بلاداً كاملة من زجاج شفاف، يضع حدوده حيث يعلق صورة جد قديم، أو يفتح ورشة لتصليح الوقت، كأن الزمن آلة تحتاج إلى يد خبيرة كي لا تفلت من معصمها. الحجر الأرمني يتذكر وقع خطى لم تعد، لأنهم قرروا منذ فجر مملكة أورارتو في القرن التاسع قبل الميلاد أن السكن في السهول افتقار إلى الخيال، فصعدوا إلى الهضبة الأرمنية حيث الهواء بارد والمنطق أكثر برودة. وضعوا حجر الأساس لهواية وطنية تتمثل في بناء كنائس حجرية فوق منحدرات تجعل حتى الريح تفقد اتجاهها.

في عام 301 تقدموا نحو الإيمان بخطوة مبكرة، فكانت أرمينيا أول دولة تعتنق المسيحية رسمياً. الصليب صار جزءاً من هندسة الجسد، والروح تعلّمت أن تمشي بثقلها الخاص. ثم بعد نحو قرن من الزمان صاغ ميسروب ماشتوتس أبجدية شبيهة بكائن حي، حروفها خطافات دقيقة تصطاد المعنى من تيار النسيان، وتبني حول الصوت سوراً لا يُرى. هذا الحصن اللغوي لم تستطع أي إمبراطورية اقتحامه، رغم نجاحها في اقتحام الجغرافيا الأرمنية مراراً.
منذ ذلك الوقت تشكّل توازن دقيق بين التعبد والصنعة، بين الركوع على حجر بارد، وإمساك أداة دقيقة تصلح خللاً صغيراً في ماكينة الحياة. برعوا في فن البقاء رغم أن الجغرافيا وضعتهم في ممر العابرين. الأرمني لم ينتظر ثبات الأرض، فشدّ الذاكرة إلى كتفه ومشى. الوطن صار قابلاً للطي، يُحمل في مفتاح صغير يستدعي باباً لم يعد قائماً.

عام 1915 قرر الباشوات أن يغسلوا وجه الأناضول من ملامحه الأرمنية، تلك الشامة التي أرادوا استئصالها بلا تخدير. سيق البشر في طوابير جنائزية نحو هاون الصحراء السورية، حيث الرمل ابتلع الصرخات قبل أن تصل إلى السماء. بقيت اللغة تمشي وحدها، وبقيت المفاتيح في الجيوب تلمع كأدوات استدعاء.
في مصر، كان للأرمن حضور قديم يمتد إلى ما قبل المذابح. منذ العصر الفاطمي، توافدوا هرباً من السلاجقة، فجددوا أسوار القاهرة، كأن يداً أرمنية رسمت مداخل المدينة. وفي العصر المملوكي، برز قادة عسكريون أرمن، ثم بعد مذابح 1915 لجأ الآلاف فصارت أحياء بكاملها أرمنية. لكن بعد منتصف القرن العشرين، هاجر معظمهم من أعداد كانت تقترب من المئة ألف إلى أقل من عشرة آلاف اليوم، كأن النيل احتضن حجراً من القوقاز فذاب فيه دون أن يفقد طعمه.

أما في بلاد الشام والعراق، فكان الأرمن كمن يخيط جرحاً بخيط لا يرى. في سوريا ولبنان أسسوا أبرشيات ومدناً كاملة، لهم أحزاب ومدارس ومطابع، كأن الكلمة هي الوطن حين تضيق الجغرافيا. في العراق أقاموا كنائس قديمة وأول مطبعة، فكان الحبر أرضاً تثبت قدماً لم تعد تلمس الأرض. لكن العقود الأخيرة نزفت أعدادهم وفُجّرت كنائسهم. ومع ذلك لا يزال لهم كنيستهم ورئيس أساقفتهم يوقد شمعة في عاصفة لا تنوي التوقف.
حين سقطت الجغرافيا تمسك الأرمني بالحرفة. في حلب وبيروت والقاهرة وبغداد، صار الصائغ والمصور والخياط والميكانيكي، كمن قرر أن يمتلك العالم عبر خدمته لا عبر حكمه. في كل مدينة شيدوا كنيسة تغسل تعب الأيام، ومدرسة تحقن الأبجدية في دماء الصغار، ونادياً رياضياً يلهي الجراح القديمة، ومطبخاً تفوح منه رائحة البسطرمة كرسائل مشفرة من قرى اختفت عن الخرائط.
أنجب هذا الشعب مبدعين قرروا الانتقام من التاريخ بالجمال. رسم إيفازوفسكي آلاف اللوحات للبحر كأنه يحاول إغراق كل من حاولوا تهجير شعبه في موجة زيتية واحدة. حوّل كوميتاس الأنين الشعبي إلى سيمفونيات تجعل المستمع يشعر بالذنب دون أن يعرف السبب. ذهب ويليام سارويان إلى أمريكا ليكتب قصصاً تجعل القارئ يظن أن العالم كله مجرد قرية أرمنية كبيرة ضلت طريقها. قدم سيرجي باراجانوف فيلم "لون الرمان 1969" الذي يحتاج المشاهد إلى دكتوراه في الرموز ليفهم أن الرمانة التي تنزف هي قلب أرمني يحاول شرح مأساة القرن في كادر واحد صامت.

في حلب التي أنجبت جزءاً من هذا الإبداع، كان الامتحان قاسياً. ففي الحرب السورية تعرض حيهم في حلب للقذائف، ودُمرت كنائسهم وانخفض عددهم من مئة وخمسين ألفاً إلى خمسة عشر ألفاً. لكن الأرمني يعرف أن الجبل لا يحتاج إلى جواز سفر، وأن الاسم حين يُنقش على الحجر يظل يقاوم محو الخرائط. سر ديمومتهم أنهم كالألماس صلبين بما يكفي لجرح الحديد، وشفافين بما يكفي لاستقبال الضوء.
بين الشروق والغروب يتقنون فن تحويل النكبة إلى لوحة والدموع إلى وقود للغناء. سر هذه السيرة في ذلك التوازن النادر. حضور يشبه الملح، يذوب ليمنح الأشياء طعماً، ويترك على الجرح حرارة تُذكّر به. هكذا يمضي الأرمني كضوء يتسلل من شقوق التاريخ، يكتب نفسه على مهل في القاهرة وبغداد وبيروت وحلب ودمشق، في كل ورشة صياغة ومدرسة ومطبعة وكنيسة. يقرأ كل مرة بطريقة جديدة، كأن الضوء لا يعرف كيف يموت.
