السبت 9 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عن يوم الصحافة العالمي.. الصحافة اليمنية بين الولادة والحصار

عن يوم الصحافة العالمي.. الصحافة اليمنية بين الولادة والحصار

عندما كنت طفلًا عمره لا يتجاوز عشر سنوات، سألت ذات يوم والدي -رحمة الله عليه- عن عمله عندما كان عمره مثل عمري، فأجاب بأنه كان قد غادر قريته في عزلة الشعوبة قضاء الحجرية لواء تعز عام 1960م، وكان معه ثلاثة من أبناء عزلته، واستقر به المقام في مدينة عدن في حارة الهاشمي في مدينة من مدن عدن المستعمرة البريطانية آنذاك، وتحديدًا في منطقة الشيخ عثمان، وعند وصوله إلى هذه المدينة عمل في بيع الصحف، وأهم الصحف التي كان يقوم ببيعها في عدن صحيفة "الأيام" وصحيفة "صوت اليمن" و"فتاة شمسان"، وصحف أخرى بعضها كانت تصدر باللغة الإنجليزية، وأنا في ذلك السن الذي سألت فيه والدي عن عمله لم أكن أعرف الصحيفة ولا الصحف، فسألته وما هي الصحيفة؟ فقال هي عبارة عن صفحات مطبوعة طباعة جيدة ومخرجة إخراجًا جيدًا، وبين سطور تلك الصفحات أخبار خارجية وأخبار محلية وأخبار رياضية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وهناك صحف متخصصة بالفن والأدب والشعر وغيرها من التخصصات.

ومن خلال حديث أبي -رحمة الله عليه- تعرفت على كبار المشتغلين بالصحافة في مدينة عدن، مثل محمد علي باشراحيل ولقمان وعبدالله عبدالوهاب نعمان، وكثير ممن كانت هذه الصحف قد سمحت لهم بالنشر، وأبرزهم الشاعر محمد سعيد جرادة ومحمد أحمد نعمان وعبدالرحمن نعمان وسعيد الجريك وعبدالله باذيب وعبدالله عبدالمجيد الأصنج والأستاذ النعمان الأب والقاضي محمد محمود الزبيري، فقد كانت عدن في تلك الفترة جوهرة الشرق، ومنها انطلقت كل الأشياء التي لها علاقة بالحداثة والتحديث، فمن هذه المدينة كانت انطلاقة الأحزاب والصحف والمجلات والأندية الأدبية والرياضية والاجتماعية، ومنها بدأ البث التلفزيوني في أوقات مبكرة، وسبقت عدن عواصم كثير من الدول العربية في حضور أدوات العصرنة، ولا ننكر أن كل ما ذكر كان بسبب وقوع المدينة في قبضة الاستعمار البريطاني الذي كان قد نقل الصحافة وغيرها من أدوات الحداثة، ونقل إلى هذه المدينة كل أسباب التحضر، وهو ما جعل مواطني الشمال اليمني ينظرون إليها نظرة مختلفة عن نظرتهم لمدن الشمال التي كانت غارقة في التخلف بسبب سياسات حكامه التي أغلقت البلاد، ومنعت كل وسائل وأساليب التطور من الدخول إلى مدن المملكة المتوكلية اليمنية، وإن وجدت بعض هذه الأساليب والأدوات، إلا أنها استُخدمت في إطار ضيق يرتبط ارتباطًا مباشرًا بسياسة الأسرة الحاكمة، ومفصلة على قدر هذه الأسرة التي حولت الصحف إلى إصدارات فصلية أو سنوية، وكل ما ينشر فيها أخبار الأمطار في ألوية مدن الشمال، ونشر أخبار العيد المسمى بعيد النصر، وحين تواردت الأخبار إلى صنعاء عن قيام السلطات البريطانية في عدن باعتقال عدد من الصحفيين في عدن، وعلى رأسهم الأستاذ عبدالله باذيب، طلبت منه السلطات في الشمال أن يتجه إلى تعز، ومن هناك أصدر باذيب صحيفة "الطليعة"، ومن تعز هاجمت هذه الصحيفة سياسة الاستعمار البريطاني في الجنوب.
وفي كل الأحوال كانت الصحافة قد دخلت اليمن في زمن الاحتلال التركي لليمن، حيث كانت تلك الصحافة مرتبطة بالأتراك وجيشهم في اليمن، وأبرز تلك الصحف صحيفة "صنعاء" وصحيفة "حوليات يمانية"، والتي كانت عبارة عن صحيفة يومية توثق الأحداث في مناطق اليمن، وهي ما يشبه اليوم الجريدة الرسمية التابعة للدولة. وجاءت فترة استلام بيت حميد الدين في اليمن الشمالي، ولم تكن الصحافة تضاهي زخم الصحافة في عدن. وفي العهد المتوكلي صدرت صحيفة واحدة اسمها صحيفة "الإيمان"، وكانت مرتبطة بالقصر ارتباطًا مباشرًا، ولم تكن بنفس مستوى صحف عدن المدينة القابعة في قبضة المستعمر البريطاني، والتي كانت تتميز بكثير من المميزات، وتتمتع بحرية أوسع من الحرية التي تتميز بها الصحيفة الوحيدة التي تصدر في الشمال اليمني.
وبعد قيام الثورة اليمنية في صنعاء أوائل الستينيات، صدرت كثير من الصحف التي كان أبرزها "الثورة" و"الجمهورية"، والتي كانت في بدايتها مرتبطة بمصر والجيش المصري في اليمن، وكانت هاتان الصحيفتان مثلهما مثل بقية الصحف الصادرة في الدول العربية، والتي تدور في فلك الأنظمة العربية الحاكمة آنذاك، وظلت على هذا الحال حتى جاءت الوحدة اليمنية بداية التسعينيات، فظهرت عدد من الصحف المستقلة والحزبية، وظهرت في تلك الفترة تقاليد مختلفة نوعًا ما عن التقاليد التي عاشتها الصحافة والصحف في الفترة الماضية في اليمن شمالًا وجنوبًا، وكانت الصحف الأكثر انتشارًا في الفترة من 1990 إلى 1994م، هي صحف "صوت العمال" و"المستقبل" و"الحدث"، وصحف حكومية أهمها صحيفة "الوحدة"، إلى جانب الصحف الحزبية القادمة من عدن مثل صحيفة "الثوري"، والقادمة من صنعاء مثل صحيفة "الميثاق". وعندما انفجرت الحرب في اليمن عام 1994م أغلقت أشهر صحف تلك المرحلة انتشارًا، وهي صحيفة "صوت العمال"، وتحول القارئ باتجاه صحف الأحزاب التي ظلت تصدر في صنعاء، وأبرزها "الوحدوي" و"الشورى" و"الحق" و"الإحياء" و"الجماهير" و"التصحيح" و"الثوري". وكانت صحيفة "الشورى" أحسن حالًا من بقية الصحف في تلك الفترة، والسبب انتقال الصحفيين الذين كانوا يعملون في صحيفة "صوت العمال" للعمل فيها، وكانت "الوحدوي" خلال فترة رئاسة تحريرها التي كانت بيد الأستاذ أحمد طربوش سعيد، وإلى جانبه عدد من الصحفيين البارزين أمثال الأستاذ سامي غالب وعدد كبير ممن لا أتذكرهم، وكانت أغلب الصحف الحزبية تبرز في تلك الفترة ببروز رؤساء تحريرها، حيث كانت "الثوري" برزت في فترة رئاسة الأستاذ خالد سلمان، وكانت صحيفة "الأمة" برزت في فترة رئاسة الصحفي الأستاذ عبدالكريم الخيواني، وفي الجانب الآخر كانت صحيفة "الشورى" برزت في فترة رئاسة الصحفي عبدالله سعد، وفي فترات عبدالسميع محمد، وخلال فترة رئاسة الصحفي أحمد المداني.
وبرزت في نهاية التسعينيات صحف جديدة أبرزها "الأسبوع" و"الوسط"، وهاتان الصحيفتان عمل رؤساء تحريرهما لفترة طويلة في صحيفة "الوحدوي" التابعة للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وكانت "الأسبوع" أعلنت التوقف مبكرًا، وكانت من أفضل الصحف المستقلة برئاسة رئيس تحريرها الأستاذ حسن العديني، وواصلت مشوار "الأسبوع" صحيفة "الوسط" برئاسة الصحفي جمال عامر الذي جعل من هذه الصحيفة منبرًا حرًا لجميع الأصوات، وكانت "الوسط" من أفضل صحف تلك المرحلة، وجاءت على إثرها صحف جديدة كانت بنفس قوة الصحف المذكورة، وهي صحيفة "الشارع" في فترة نائف حسان ونبيل سبيع، وصحيفة "النداء" التي أسسها الأستاذ سامي غالب، والتي سلكت مسلكًا مغايرًا لبقية الصحف اليمنية الصادرة في تلك المرحلة، إذ تبنت هذه الصحيفة المسائل الحقوقية والإنسانية وأولتها اهتماماتها، كما كان لها دور بارز في تناول قضايا الإخفاء القسري لأول مرة في تاريخ الصحافة اليمنية.
ولا أنسى أن أذكر صحيفة "صوت المدينة" الصادرة في مدينة تعز، والتي أسسها الصحفي فكري قاسم. وفي المقال القادم سنتناول عددًا من إصدارات فترات ما بعد الوحدة اليمنية وفترة ما بعد حرب 1994م وفترة بداية الألفية حتى مجيء ثورات الربيع العربي.
ولنا لقاء.