الدكتور محمد عبد الودود.. الحكيم الذي روّض "العدم" وبنى منارة "الحالمة"
في حضرةِ النبلاء، يتوقفُ الزمنُ عن الركض، وتغدو الكلماتُ جسراً للعبور نحو ذاكرةٍ نقية. هكذا أشعرُ اليوم وأنا أحظى بلقاءاتٍ ممتعة تتكررُ مع واحدٍ من أنبلِ من أنجبتهم الأرض، لقاءٌ يجمعُ دفءَ القاهرة بشموخِ "الأعبوس" وعراقةِ "تعز". الحديثُ معه ذو شجون، بل هو الأشجنُ حين تجدُ نفسك مُساقاً للاستماعِ إليه بكل كيانك؛ وهي فرصةٌ أظفرُ فيها بكنوزٍ من القيم، وغزارةٍ في المعرفة، ورأيٍ سديد صهرتهُ معاناةُ الماضي وإفرازاتُ الحاضر الرديء.

ما يفتنك في الدكتور محمد عبد الودود ليس فقط عمقُ الرؤية، بل تلك البسمة السماوية التي لا تفارقُ تقاطيعَ وجهه، بسمةٌ تمنحُ حديثه بُعداً آخراً من الأنسِ والجمال، وتجعلُ الكلماتِ تنسابُ إلى الروح بشفافيةٍ تهزُّ الكيان بمصداقيتها.
محطة الوفاء: مركز القلب.. معجزةٌ من رحم النار
بدأ الدكتور حديثه من تعز، مدينته التي أودعها ربيعَ عمره، مسلطاً الضوء على مركز القلب والأوعية الدموية. تلك القصة التي تُصنف كنجاحٍ عربيٍ استثنائيٍ وُلد من تحت الرماد، وفي ظلِ حربٍ شعواء أنهكت كل شيء إلا الإرادة. ومن رحم هذه المعاناة، انبثق المركزُ ليصبح صرحاً يُجري أعقد العمليات، ومنها أول عملية مركبة (قلب مفتوح وزراعة كلى) على مستوى اليمن والعالم العربي، وأخيرا؛ تحقيق فريق طبي يمني إنجازًا غير مسبوق، تمثل في نجاح أول ثلاث عمليات زراعة كبد داخل اليمن، في خطوة تُعد تحولًا نوعيًا في مسار الطب التخصصي والجراحات الدقيقة في البلاد.
أشار الحكيم بمرارةٍ ممزوجةٍ بالفخر إلى هذا الجيل الشاب الذي يُجاهد في ظلِ انعدامِ الخدمات وغيابِ دعمِ الدولة، محققاً مستحيلاً طبياً في وقتٍ أصبح فيه العلاجُ في الخارج حُلماً بعيد المنال. وبينما كان يُشيد بهؤلاء الشباب، لم تخلُ نبرته من غصةٍ وهو يقارنُ بين بُناةِ الأمل وبين طفيلياتِ البشر الذين ينهبون مقدراتِ وطنٍ منكوب.
فلسفة المقارنة: بين "المُتاح" و"العـدم"
لخّص الدكتور عبد الودود التجربة التاريخية لتعز، تلك المَدينة المَدَنية بطبعها، بجملةٍ مكثفةٍ تختزلُ عبقريته وريادته: " نجاحُ اليوم في ظلِ إمكاناتٍ ميسرة ومتاحة.. ونجاحُ الأمس في ظلِ صِفرية الإمكانيات". بهذا التجرد، لم يقلل من جهد الجيل الحالي الذي يستعين بالمانحين، ورؤوس الأموال الوطنية، وبرامج "الطبيب الزائر" والشراكات الدولية؛ بل أراد أن يعيدنا إلى جذور الحكاية.. إلى زمنه هو.
محطة الزمن الغابر: حين كان "البالطو" الأبيض هو الحصن الوحيد
عاد بي الدكتور إلى مطلع الستينيات، عقب تخرجه وعودته إلى تعز، حين كان عدد الأطباء في المدينة يُعدُّ على أصابع اليد الواحدة، مضافاً إليها إصبعٌ أو اثنان. كانت تلك مرحلة "الانبعاث الطبي" لتعز التي خرجت من عزلة الإمامة المظلمة لتبدأ التأسيس لمفهوم المؤسسة الصحية. يروي بأسىً يفيضُ نبلاً: "لم نكن نملك شيئاً من مقومات الطب الحديث؛ لا مختبرات تعيننا على التشخيص، ولا إمكانيات لنقل الدم، وحتى إن وُجد المتبرع، فأين الوسائط؟ وأين القدرة على فحص الفصائل والتحقق منها؟".
في ذلك الزمن، كان الطبيبُ يواجه الموتَ بسلاحه الوحيد: سماعته، وبالطوه الأبيض، ودفتر وصفاتٍ غالباً ما كان يظلُّ حبراً على ورق لعدم توفر الدواء في المخازن الخاوية. كان الجهدُ بشرياً خالصاً، يعتمدُ على حدسِ الطبيب، وإخلاصه، وصبره في بيئةٍ تفتقرُ لأبسط أساسيات الحياة.
مستشفى الثورة: قلعةُ "الحالمة" وحكايةُ البعثِ من الركام
لم يكن حديثُ الدكتور عبد الودود عن الماضي مجرد سردٍ لذكرياتٍ عابرة، بل كان استحضاراً لملحمةِ بناءٍ خاضها في "مستشفى الثورة" بتعز، ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد "هديةٍ صينية" لليمن، بل كان "مشروعَ حياة" لمدينةٍ كانت وما زالت تُحاربُ بضراوةٍ لأنها اختارت طريقَ التمدن والريادة.
لقد كان مستشفى الثورة، أو "المستشفى الصيني" كما يحلو للأقدمين تسميته، يمثلُ في وجدان الدكتور عبد الودود أكثر من منشأة طبية ؛ كان هو "الجمهورية" في صورتها الخدمية الأسمى، والردَّ العملي على كل محاولات التجهيل والتهميش التي فُرضت على تعز من قبل قوى الظلام في الهضبة التي طالما استكثرت على هذه المدينة مدنيتها وتفوق كادرها الذي بات يشكل عصبَ الإدارة والفكر في اليمن قاطبة.
حين تولى الدكتور عبد الودود إدارة مستشفى الثورة، لم تكن المهمة إدارية بالمعنى التقليدي، بل كانت "جهاداً مؤسسياً" حقيقياً. في ظلِّ شحةِ الموارد التي وصفها بـ "الصفرية"، كان عليه أن يديرَ عجلةَ هذا الصرح بذكاءٍ يفوقُ المتاح. كان المستشفى تحت قيادته يمثلُ نموذجاً للانضباط؛ حيث حوّل الإمكانات الصينية المتواضعة آنذاك إلى طاقةٍ علاجيةٍ جبارة. ففي حين لم تكن الصيدليات تمتلكُ الدواء، ابتكر نظاماً لإدارة المتاح بمرونةٍ عالية. ومع غياب المختبرات المتطورة، اعتمد على صرامة التشخيص السريري ودقة الرقابة. لقد أدار المستشفى بعقلية "رجل الدولة" الذي يعلمُ أن مستشفى الثورة هو خطُّ الدفاع الأول عن كرامة الإنسان اليمني.
أسهب الدكتور في الحديث عن البعثات الصينية، وكيف استطاع بتناغمه معهم أن يجعل من تعز مركزاً لاستقطاب المرضى من كافة أنحاء اليمن. كان المستشفى في عهده خلية نحلٍ لا تهدأ، وكان هو "المايسترو" الذي يضبطُ إيقاعَ العمل بين كادرٍ محليٍ ناشئ يملؤه الطموح، وبين بعثاتٍ أجنبيةٍ ترى في إخلاصه دافعاً لبذل أقصى الجهد. لقد كان المستشفى في عهده "جامعةً ميدانية" تخرج منها الرعيلُ الثاني والثالث من كبار الجراحين. وبفضل صرامته ونزاهته، صمد المستشفى أمام كل العواصف السياسية.
من "سور الصين" إلى "قلعة القاهرة": فلسفةُ الطبِ الجوّال
وبعد ساعتين ونصف من حديثه المتواصل، عكف على محطة تجربة فريدة رآها مميزة، وهي رحلاته إلى الصين. لم تكن علاقته بالمستشفى الصيني مجرد إدارة، بل امتداد لشغفٍ معرفيٍ قاده في رحلاتٍ تاريخية إلى قلب الصين؛ تارةً في أوج حقبة "ماو تسي تونغ"، وتارةً في مراحل التطور اللاحقة. هناك، شاهد "الحكيم" كيف يمكن للإرادة الإنسانية أن تكسر قيد الجغرافيا وتتجاوز شحة الإمكانات.
يروي الدكتور عبد الودود بانبهارٍ لا يخبو، عن تلك التجربة الفريدة في الأرياف الصينية النائية؛ حيث كان الصينيون يجرون عمليات "القلب المفتوح" والجراحات المعقدة في مناطق معزولة لا تملكُ ترف المستشفيات الثابتة. كانت "الفرق الطبية الطيارة" تصل إلى أقاصي القرى، تنصبُ معداتٍ مؤقتة، وتهيئ كادراً بشرياً متمكناً يحملُ مبضع الجراح وروح الفدائي. لقد كانت تلك المشاهدات هي "الشرارة" التي صهرت رؤيته الإدارية ؛ فآمن بأن الطب هو "إنسانٌ متمكن" و"تجهيزٌ ذكي" و"إرادةٌ لا تلين". ومن هنا ندرك لماذا كان يرى في نجاحات "تعز" القديمة "تحت الصفر" إعجازاً يضاهي أرقى النظم العالمية؛ لأنه تعلم من الصينيين أن عظمة الشعوب تتجلى في قدرتها على تطويع العدم لخدمة الحياة.
الخاتمة: وفاءٌ لمدينةٍ لا تنحني
ختم الدكتور حديثه بنبرةٍ غلبتها العاطفة، مؤكداً أن ما حققه في مستشفى الثورة لم يكن ليتم لولا روح "تعز" نفسها؛ تلك الروح التي ترفضُ الاستسلام، وتعتبرُ العلمَ والعملَ سلاحها الوحيد في وجه قوى الشدِّ العكسي والحقدِ التاريخي.
إن الدكتور محمد عبد الودود، وهو يقلبُ صفحاتِ ذكرياته، لا يفتخرُ بالمناصب الوزارية بقدر افتخاره بابتسامةِ مريضٍ عولج في "الثورة" حين كان الموتُ هو الخيار الوحيد. إنه الفارسُ الذي لم يترجل، والحكيمُ الذي أثبت أن الإدارة هي "إيمانٌ" بقضية، وإخلاصٌ لمدينةٍ أبت إلا أن تكونَ هي القلبَ النابض لليمن، مهما بلغت شدةُ النار من حولها.
