الخميس 7 مايو 2026
  • الرئيسية
  • اليمن والفيدرالية.. لماذا؟ وكيف؟! (3- 3)

اليمن والفيدرالية.. لماذا؟ وكيف؟! (3- 3)

في هندسة النظام الفيدرالي المنشود:
(الفيدرالية وسيلة لتوزيع السلطات داخل الدولة، لا أداة لتقاسم الدولة).
عند الشروع في تصميم النظام الاتحادي (الفيدرالي) للدولة اليمنية المنشودة، ينبغي أن يظل حاضرًا على الدوام الهدف الجوهري للتحول إلى النظام الفيدرالي، وهو "حل مشكلة تمركز السلطة، والاستبداد بها". وأن تتم هندسة هذا النظام بما يحقق هذا الهدف، وبما يسهم في ذات الوقت في تعزيز الاندماج الاجتماعي، وتعميق الشعور بالانتماء الوطني، وترسيخ الوحدة الوطنية، وتجسيد مبدأ المواطنة، وضمان تحقيق مصالح اليمنيين كافة. وألا يؤدي هذا التحوّل إلى تفكيك الدولة، أو إنتاج كيانات متنافرة تمهّد للتقسيم. فالفيدرالية آلية لتوزيع السلطات، وتحقيق التوازن داخل الدولة، وليست أداة لتقاسم جغرافيتها.


والسبيل إلى تحقيق ذلك يبدأ من تأسيس بنية دستورية وقانونية متماسكة، تقوم على أربعة مرتكزات رئيسية:
أولًا: إرساء قواعد عادلة لتوزيع الثروة الوطنية، تردم فجوات التنمية بين الأقاليم، وتكفل فرصًا متكافئة للنمو الاقتصادي.
ثانيًا: تكريس مبدأ المواطنة، وضمان الحماية من أي تمييز مبني على الانتماء الجغرافي أو الإقليمي؛ من خلال كفالة حق كل مواطن في التنقل بين الأقاليم، والإقامة والعمل والاستثمار، وتكافؤ الفرص في تولي الوظائف العامة، وممارسة حقوقه السياسية في أي إقليم، وصولًا إلى أرفع المناصب دون أي تمييز.
ثالثًا: تحصين الهوية الوطنية الجامعة وتعزيزها، عبر سياسات تعليمية وإعلامية وثقافية واعية، تكرّس الانتماء لليمن الكبير، وتواجه نزعات التعصب السلالي أو المذهبي أو الجهوي. مع حظر إنشاء الأحزاب السياسية على أسس طائفية أو مذهبية أو جهوية.
رابعًا: بناء إطار مؤسسي لنظام ديمقراطي، يجسّد المشاركة الشعبية، والحكم الرشيد، ويكفل احترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون.
وينبغي التأكيد على أن النظام الفيدرالي ينبغي أن يُمثِّل قيمة مضافة لحقوق المواطنين، وألا ينتقص منها، ومظلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، لا أداة لتفتيت الدولة، وخلق كيانات منكفئة على نفسها، ومنعزلة عن بعضها، أو متصارعة فيما بينها.

متطلبات التحول إلى الفيدرالية:

في السياقات الطبيعية يتطلب الانتقال من الدولة البسيطة إلى الفيدرالية ترتيبات قانونية وإدارية ومؤسسية متكاملة، تُمهّد لهذا الانتقال. أما في الوضع اليمني الراهن فإن الأولوية، هي لاستعادة الدولة ذاتها، وإعادة بنائها أولًا، قبل الخوض في ترتيبات الفيدرالية.
فلا يمكن الانتقال إلى نظام فيدرالي في ظل دولة منهارة أو هشة، بل تكون المهمة الأولى هي إيجاد الدولة المتماسكة الحاضنة لهذا التحول. فالفيدرالية ليست طريقًا لإنشاء دولة من العدم، بل آلية لتنظيم دولة قائمة.
وبقدر ما تقوم الدولة الفيدرالية على تمكين الأقاليم من إدارة شؤونها، فإنها تفترض -قبل ذلك- وجود سلطة فيدرالية قوية، قادرة على حماية كيان الدولة، والمحافظة على وحدتها، وصيانة سيادتها الوطنية، والاضطلاع بمهامها الفيدرالية بكفاءة.
ومن ثم، ليس من الممكن الشروع في ترتيبات لإقامة الدولة الفيدرالية في ظل الأوضاع الراهنة. إذ لن تفضي هذه الترتيبات إلا إلى تكريس الأوضاع المختلة القائمة، وإضفاء المشروعية عليها.
وبناءً على ذلك تبرز الحاجة إلى مرحلة انتقالية لا تقل مدتها عن خمس سنوات، يُعاد خلالها بناء الدولة، وإنجاز المهام التأسيسية للانتقال إلى النظام الفيدرالي، وأبرز هذه المهام:
1. إعادة بناء مؤسسات الدولة كافة: المدنية والعسكرية والأمنيةً، وفق الأسس الوطنية والمهنية، التي أقرها مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ونظمتها مسوّدة الدستور الاتحادي، بالتوازي مع إصلاح منظومة القضاء، وتعزيز استقلالها وكفاءتها.
2. إعادة تأهيل البنية التحتية التي طالها الدمار.
3. ترسيخ الأمن والاستقرار، كشرط سابق لأي تحول سياسي.
4. معالجة التشوهات التي أصابت الوعي المجتمعي بسبب ممارسات سلطة الانقلاب، وآثار النزعات الانفصالية، وخطاب الكراهية البائس الذي رافقها، وإعادة الاعتبار لِقِيَم التعايش.
5. تمكين السلطات المحلية، من خلال منح المحافظات صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها، بما يعزز اللامركزية، ويؤسس تدريجيًا لِبُنيَة وبيئة اتحادية قادمة.
6. تعبئة الموارد والطاقات الوطنية لإطلاق تنمية وطنية شاملة، وفق رؤية استراتيجية واضحة.
وتنتهي المرحلة الانتقالية بالاستفتاء على الدستور الفيدرالي، بعد استيفاء الاستحقاقات الدستورية اللازمة لذلك.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الحكمة السياسية تقتضي التّحسُّب من احتمالات تعثر إنجاز بعض مهام المرحلة الانتقالية، وهو ما قد يستدعي تبنّي مسارات مرِنة وواقعية للانتقال التدريجي إلى الفيدرالية، ومن بين هذه الخيارات، اعتماد صيغة دستورية تمنح المحافظات صلاحيات موسعة أكثر، بوصفها أقاليم فعلية، ضمن إطار زمني محدد لهذه التجربة، يمتد لثلاث أو أربع دورات انتخابية؛ تمهيدًا للانتقال الكامل إلى النظام الفيدرالي، أو النظر في الإبقاء على هذه الصيغة، فيما لو تبيّن جدواها، وأن بإمكانها تحقيق الأهداف المنشودة.
ختامًا، إن الفيدرالية ربما تكون فرصة تاريخية أخيرة لإعادة تأسيس الدولة اليمنية على أسس عادلة ومستدامة. غير أن نجاحها مرهون بتوافر الشروط الموضوعية اللازمة، من حسن الترتيب والإعداد، وتصميم نموذج فيدرالي يستجيب لخصوصية الواقع اليمني، ويحقق الغاية من التحول إلى الفيدرالية، إلى جانب توفّر إرادة سياسية صادقة وجادة، تتجاوز أخطاء الماضي، وتعي أن إهدار هذه الفرصة -كما حدث مع تجربة الوحدة الاندماجية- قد يُعرّض الكيان الوطني لمخاطر وجودية تهدد بقاء الدولة ووحدتها.