تعز بين إشارات الانفتاح الدولي وتحديات الواقع المحلي
لم تعد الزيارات المكثفة التي أجراها باتريك سيمونيه، سفير بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، خلال الأيام القليلة الماضية إلى عدد من مديريات محافظة تعز الواقعة ضمن سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً،مجرد تحركات عادية في سياق العمل الدبلوماسي، بل بدت كإشارة تفتح أمام المدينة فرصاً واعدة للنهوض والاستفادة من برامج التنمية والمساعدات الدولية التي تقدمها منظمات إقليمية ودولية واسعة.
غير أن هذه الإشارة تمثل في جوهرها فرصة مهمة أمام مدينة تعز لإعادة بناء مسارها المدني والتنموي، رغم ما يرافقها من خطابات تحريضية تُبث عبر بعض المنابر الدينية والمنصات الرقمية، التي تستهدف أنشطة المنظمات المدنية من خلال محاضرات وخطب متفرقة في أوساط المدينة. ومع ذلك، فإن الحضور الدولي والترحيب الرسمي يعكسان اتجاهاً يمكن البناء عليه لتعزيز الانفتاح، وتوسيع فرص التنمية، وتقوية حضور المجتمع المدني بما يخدم استقرار المدينة وتعافيها.
ومن مديرية جبل حبشي والمعافر وغيرها من المديريات التي شهدت زيارة المبعوث باتريك سيمونيه وصولاً إلى أروقة المؤسسات الفاعلة، بما فيها مؤسسات مثل "شباب سبأ" وغيرها، ارتسمت ملامح مدينة تتوق إلى بيئة آمنة وفعالة للعمل المدني، تجسدت في لقاءات مباشرة وحوارات مفتوحة مع سفير بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن. إلا أن هذه الحيوية المدنية لا تزال تصطدم بضعف الخدمات واستمرار مظاهر الفوضى التي تُثقل كاهل المدينة وتعيق تعافيها الاقتصادي والمدني.
لقد عكست هذه التحركات مفارقة حادة تلخص جانباً من مأساة تعز؛ فبينما كان سفير بعثة الاتحاد الأوروبي يتحدث عن "تمكين المرأة والشباب"، كانت منابر محلية ومنصات رقمية تحشد خطاباً مضاداً، يصوّر هذا التمكين بوصفه خروجاً عن الثوابت. وقد تجلى ذلك في حملات تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي، قادها بعض رجال الدين، انتقدوا فيها مشاركة عدد من نساء تعز في لقاء جمعهن بسفير بعثة الاتحاد الأوروبي، واصفين ذلك بأنه "منافٍ للأخلاق"، في محاولة لترهيب المجتمع وشيطنة أي حضور مدني.
وفي هذا السياق، تمثل هذه الزيارات المدنية اختباراً حقيقياً للسلطة المحلية في تعز، التي يُفترض أن تترجم هذا الحضور الدولي إلى خطوات ملموسة على أرض الواقع، عبر تحسين الخدمات الأساسية، ورفع كفاءة الأداء الإداري، وتعزيز بيئة العمل المدني بشكل عام، بما يواكب تطلعات المجتمع ويستجيب لمتطلبات المرحلة.
في المقابل، لا يزال المواطن في تعز ينطلق من همومه اليومية المرتبطة بالخدمات الأساسية، واضعاً مسألة تحسين الأداء الحكومي ومكافحة الفساد في صدارة مطالبه. فالحضور الدولي والاهتمام المدني لن يكون لهما أثر ملموس ما لم ينعكسا على واقع الناس عبر استقرار الخدمات، وتعزيز الشفافية، واتخاذ خطوات جدية لإصلاح الاختلالات داخل مؤسسات السلطة المحلية، بما يلبّي الحد الأدنى من تطلعات السكان.
وبين هذه المطالب الملحّة وسنوات الصمود التي خاضتها المدينة، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة تُنهي حالة الجمود وتضع تعز على مسار التعافي الحقيقي. فاستمرار القصور في الأداء وتغوّل الفساد لا يهددان الحاضر فحسب، بل يقوّضان أي فرصة لبناء مستقبل مستقر. وعليه، فإن اختبار المرحلة لم يعد في حجم الزيارات أو الخطابات، بل في قدرة السلطة المحلية على تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة، تستعيد ثقة المواطنين وتؤسس لمدينة قادرة على النهوض من جديد. وما لم يحدث ذلك، ستظل الفجوة بين الخطاب والواقع تتسع أكثر مع تقدم الوقت.
