اليمن والفيدرالية.. لماذا؟ وكيف؟!(2- 3)
في مسألة عدد الأقاليم:
عندما طُرحت لأول مرة فكرة إعادة تقسيم الدولة إلى أقاليم (مخاليف) في وثيقة العهد والاتفاق عام 1994م، كان الهدف – بحسب ما جاء في الوثيقة – هو: (دمج البلاد دمجاً كاملاً تختفي فيه كافة مظاهر التشطير، وترسّخ الوحدة، وفق أسس علمية تراعي المعايير السكانية والجغرافية، ومجمل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والخدمية للسكان، بما يمكّن من تحقيق تنمية متوازنة).
وبناءً على ذلك اقترحت الوثيقة إعادة تقسيم الدولة إلى ما بين أربعة وسبعة مخاليف.
غير أن التقسيم الذي أقرّته لجنة الأقاليم، المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني الشامل (الأقاليم الستة)، لم يراعي تلك المعايير، بل أعاد ـ على نحو ما ـ إنتاج ملامح التشطير السابقة، مع ملامح جغرافية مذهبية مضافة.
ومع هذه المآخذ على مشروع لجنة الأقاليم، إلا أن ميزته أنه اكتسب مكانة معتبرة، كونه جاء ثمرة لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، وحظي بقبول شعبي لافت. ثم أنه ما يزال قابلا للمراجعة والتطوير، بما يسمح بمعالجة اختلالاته، وتعزيز فرص التوافق عليه.
وفي المقابل ما زال البعض يطرح - بإصرار - خيار الإقليمين، وفق حدود الشطرين قبل 22 مايو 1990، رغم ما ينطوي عليه هذا الخيار من مخاطر وإشكالات سياسية وفنِّية كبيرة، ورغم إجماع خبراء الفيدرالية على أن الفيدرالية من إقليمين نموذج فاشل، ومجرد خطوة نحو التقسيم. فأغلب النماذج من هذا النوع فشلت، وما استمر منها هي نماذج هشة مهدَّدة بالانفراط. (انظر جورج أندرسون: مقدمة عن الفيدرالية، ورونالد ل. واتس: الأنظمة الفيدرالية، ونيكول توبر فاين: ما عدد الأقاليم التي ينبغي للدولة الفيدرالية أن تشملها؟..).
ومن أبرز الاختلالات البنيوية المرتبطة بخيار الإقليمين:
أولاً: الانسداد المزمن في عملية اتخاذ القرار: في الفيدراليات الثنائية، تميل بنية الهيئات التنفيذية إلى الانقسام إلى كتلتين متقابلتين، تتجسد فيها حالة من الندية الدائمة، فتتحول عملية صنع القرار إلى صراع إرادات، يفضي إما إلى تعطيل العمل المؤسسي أو إلى استنزافه في مساومات مرهقة وتوازنات عقيمة تتعطل معها المصالح العامة.
ويزداد المشهد تعقيدًا في السلطة التشريعية؛ فعند اتخاذ القرارات في المجلس التشريعي الممثل للأقاليم (مجلس الاتحاد) حيث التمثيل المتساوي للإقليمين؛ يتبلور رأيان متكافئان بدون مرجح، وتتعثر آلية حسم القرار. وينسحب هذا الوضع على القرارات التي يشترك مجلسا البرلمان في إصدارها. وتدخل العملية السياسية والتشريعية في دوامة من المفاوضات العقيمة تؤخّر إصدار القرار أو تعطله، وتصاب السلطة التشريعية بالشلل. ومع تكرار هذه الحالة، تتراكم الازمات، وتتعطل المصالح، ويتكرّس الانقسام، ويتآكل الشعور بالوحدة، ويغدو البحث عن مخرج ـ ولو عبر التفكيك ـ خياراً مطروحاً.
ثانياً: الشعور الدائم بعدم الرضا في كلا الإقليمين: سبب ذلك أنه في الفيدراليات الثنائية، سيوجد في الغالب إقليم أكبر من الآخر من حيث عدد السكان. ونتيجة لذلك سيحظى هذا الإقليم الأكبر بتمثيل أوسع في المجلس التشريعي القائم على التمثيل السكاني (مجلس النواب) ما يمكِّنه من تمرير القرارات بالأغلبية، ومع تكرار هذا النمط من التصويت، يتولّد لدى الإقليم الأصغر شعور متزايد بالغبن والتهميش. وفي المقابل، يتيح التمثيل المتساوي للإقليمين في المجلس الممثل للأقاليم (مجلس الاتحاد) للإقليم الأصغر قدرة على تعطيل القرارات، أو المساومة على القرارات الصادرة عن المجلس الآخر. وهذا الوضع يولّد لدى الإقليم الأكبر إحساساً بالإحباط وبالابتزاز. وهذه المتوالية من الشعور بالغبن والابتزاز المتبادل، تكرِّس الانقسام، وتؤسس لانفصال نفسي ينتهي بتقويض الثقة في النظام الاتحادي الفيدرالي ذاته، ومن ثم التفكير بتفكيك الدولة.
وبناءً على ذلك واستناداً إلى الخبرة التاريخية المتراكمة في الاتحادات الفيدرالية الثنائية، فإن هذا الشكل من الاتحادات محكوم عليه بالفشل منذ البداية، ولن يكون هذا الاتحاد سوى مقدمة للتفكك والتمزق، ولكن بعد أن تكون قد أقيمت وتراكمت حواجز نفسية وسياسية تعقّد أي محاولة لاحقة لإعادة الوحدة.
وعلاوة على ذلك فإن الفيدرالية على أساس إقليمين لا تعالج أصل المشكلة، المتمثلة في تركيز السلطة والاستبداد بها، إذ يمكن إعادة انتاجها داخل كل إقليم على حدة.
وفي الواقع اليمني الراهن، في ظل التعبئة الجهوية المتصاعدة، وما حفلت به من خطاب كراهية واضح، فإن إقامة دولة من إقليمين على أساس الوضع قبل مايو 1990 لن يؤدي إلا إلى تكريس الانقسام، وتحويله إلى واقع دائم، وترسيخ هويات جهوية مصطنعة، لا اساس لها.
أما خيار الأقاليم الثلاثة، فلا يبتعد كثيراً عن مأزق الإقليمين، إذ قد ينشأ نمط تصويتي متكرر لتحالف إقليمين في مواجهة الإقليم الثالث، تنشأ عنه مخاطر خيار الإقليمين ذاتها.
وبالطبع سيختلف الأمر عندما يكون عدد الأقاليم خمسة فأكثر، حيث ستتغير آليات اتخاذ القرار، وتفرض تعددية الأقاليم نشوء تحالفات متغيرة ومرنة، وفق القضايا التي يتم مناقشتها، تتجاوز الاصطفافات الجهوية الجامدة، بما يمنع حدوث حالة انسداد في اتخاذ القرار أو شعور بالغبن أو الابتزاز، وبما يعزز فرص الاستقرار، بعيداً عن ثنائية "الرأسين المتقابلين".
...............
التالي: في هندسة النظام الفيدرالي المنشود.
