كرة القدم توحد اليمنيين
بعد غياب قسري دام نحو أربعة عشر عامًا، عادت عجلة بطولة الدوري اليمني لكرة القدم للدوران من جديد، في لحظة تتجاوز كونها حدثًا رياضيًا، لتتحول إلى رسالة أمل عميقة في وطننا الذي أنهكته الحرب وتجاذبات الانقسام السياسي.
هذا الاستئناف ليس مجرد عودة لنشاط كرة القدم، بل هو استعادة لجزء من الحياة الطبيعية التي افتقدها اليمنيون لسنوات، فالملاعب التي غابت عنها الجماهير، والأندية وحتى الاتحادات الرياضية وقبلهم اللاعبون والحكام والإداريون الذين عانوا من نتائج الأزمات التي تمر بها البلاد، من هذا المنطلق سيجد الجميع اليوم فرصة جديدة لإحياء الشغف وبث الروح في الجسد الرياضي من جديد.
في ظل واقع سياسي معقد وانقسام جغرافي ومؤسساتي مرير، تأتي الرياضة كفرصة ثمينة لاتزال قادرة على جمع اليمنيين تحت راية واحدة. فحين تنطلق صافرة المباراة تختفي خطوط التماس السياسية، وتعلو فيها الروح الرياضية الجميلة.
لقد أثبتت التجارب الكثيرة أن الرياضة عمومًا وكرة القدم خصوصًا تمتلك قدرة فريدة على جمع القلوب وتخفيف حدة الصراعات، ونحن في اليمن بأمس الحاجة إلى هذه القوة الناعمة، ويمثل انطلاق الدوري اليمني بنظام الكل في الكل ذهابًا وإيابًا منصة لتعزيز التلاحم وبناء جسور الثقة بين مختلف مكونات المجتمع، قبل أن يكون مجرد منافسة كروية تحدد الفائز من الخاسر.
كما أن عودة الدوري تمثل رسالة تحدٍّ واضحة لكل الظروف الصعبة، وتأكيدًا على أن الرياضة قادرة على تعزيز روح السلام رغم كل التحديات، وهي أيضًا فرصة لإعادة بناء المنظومة الرياضية بما يسهم في تمثيل اليمن بصورة مشرفة على المستويات الإقليمية والدولية.
انطلاق البطولة ليس مجرد حدث عابر، فالمتابع للحدث الكروي اليمني في هذه النسخة يتعجب من طغيان الشغف الكروي على كل المستويات، فللقارئ الكريم أن يتخيل أن فريق أهلي صنعاء يسافر لمدة تتجاوز اليومين إلى المكلا، ويجتاز كل النقاط العسكرية للأطراف المتحاربة وسط ترحاب من الجميع، في حين تنطلق حافلة نادي السد بمأرب متوجهة إلى العاصمة صنعاء وسط تصفيق وترحاب من كل الأطر الرياضية الرسمية والشعبية، وفي المقابل يلعب ابن عدن مصطفى حرسي مع نادي العروبة الصنعاني، فيما يشارك صالح الخولاني ضمن صفوف نادي المكلا، والأمثلة كثيرة سواء على مستوى اللاعبين أو الحكام أو المدربين.
من خلال هذه الأمثلة السريعة ننظر بروح التفاؤل، وليبقى الأمل معقودًا على أن تكون هذه العودة بداية لمرحلة جديدة ليس فقط في الرياضة، بل في استعادة روح اليمن الواحد، فكما تجمع الكرة بين أقدام اللاعبين، يمكن أن تجمع القلوب أيضًا، وتعيد رسم صورة وطن يتسع للجميع.
