ترامب وديمقراطية أمريكا!
"لم أكن أعتقد أن هذه الوظيفة خطيرة إلى هذا الحد".. رونالد ترامب، مخاطبًا حرسه الخاص عند سماعهم إطلاق الرصاص يوم 25/4/2026، فقاموا بإبعاده من القاعة المستهدفة.
من غرائب الديمقراطية الأمريكية على سبيل المثال وليس الحصر، أنها أوصلت إلى "اليت الأبيض" أعظم رؤسائها (إبراهام لينكولن)، ومن كبار مثقفيهم (جون كيندي)، وممثلًا سينمائيًا شبه فاشل (رونالد ريجان)، وفقيرًا مُعدمًا (بيل كلينتون)، وشبه أمي (بوش الابن).
وبقدر نجاح الأول في الحفاظ على وحدة أمريكا وتحرير عبيدها، ونجاح الآخر بوقف حرب عالمية ثالثة كانت على الأبواب، ونجاح الثالث في إنهاء الحرب الباردة وما كان يسمى "الاتحاد السوفيتي"، ونجاح الرابع في تحقيق اقتصاد مزدهر بعد كساد! بقدر فشل الخامس بسبب دخوله في مغامرات أهمها الحرب ضد "العراق" واحتلاله، وصولًا الى تسليمه لإيران الفارسية، وبسبب تلك المغامرات أو أهمها ظلت أمريكا ولاتزال وستظل تعاني من ذلك.
والغريب، رغم عدم وجود غريب في أمريكا حتى الشيطان! أن المرأة الأمريكية رغم وصولها إلى أعلى سلطة، ورغم أن الدستور الأمريكي أعطاها ما أعطى للرجل من حقوق وواجبات، ورغم ما وصل إليه الشعب الأمريكي من تقدم وثقافة وعطاء، إلا أن هذا الشعب ذاته لايزال غير مرحب بوصول امرأة إلى البيت الأبيض؟ وما حدث لـ"هيلاري كلينتون" و"كامالا هاريس" مجرد دليل لما أقوله هنا!
ما قمت بذكره آنفًا، وهو الشاهد لهذه الدردشة، أن الرئيس السابع والأربعين (رونالد ترامب) منذ ولايته الأولى ولايزال بولايته الثانية، من أعقد وأغرب الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه، ومن خلال صفات استثنائية تميزه عمّن عداه ممن سبقه، فهو مصاب بهوس الظهور، وسارق أضواء بحق! كونه كمًّا هائلًا من التناقضات المتراكمة، وسلسلة من المتعارضات المتشابكة، وخليطًا من المفارقات الغريبة، ومزيجًا من المتضادات العجيبة.. يجيد أحيانًا المزج بين المتناقضات، ويتقن المزاوجة بين المتضادات! أحيانًا ينشر الرعب، وأحيانًا ينشر الاطمئنان.. لتنتظر بعض الدول رُعبه وأخرى العكس، ترتجف البورصات والأسهم من مجرد كلمة منه! ولأنه كذلك، لا غرابة أن يجد بعض رجاله صعوبة بالعمل معه، ليجد بعضهم بأمره وبعضهم بقناعاتهم الطريق إلى بوابة الخروج من إدارته! وإن كانت فترته الثانية لاتزال أقل من فترته الأولى حينما طرد 14 مسؤولًا كبيرًا من إدارته، أهمهم وزيرا الخارجية والداخلية! فيا للعجب!
يجيد صناعة الخصوم والحلفاء، ليضع له تبعًا لذلك أعداء كُثُرًا وأنصارًا قلة، بخاصة في مبالغته بحبه وكرهه معًا! مما أدى إلى انقسام العالم، بل وانقسام الشعب الأمريكي نفسه حوله.
يحرص على الظهور بصورة غير مصدقة لولا أنها الحقيقة.. وصوَرُهُ وظهورها عنده أهم مما عداها! وما ذلك إلا لأن انتصاره إنما يعلنه عبر الصورة، ولو كان انتصارًا وهميًا، وهو كذلك!
هذا هو حاكم "القرية الكونية اليوم"، فهو غريب الأطوار فعلًا لا يشبه أي رئيس أمريكي قبله، إنه "ترامب" المزاجي! المُعجَب بنفسه إلى درجة اعتقاده أنه هو وحده جدير بقيادة "أمريكا" بكل ما ومن تمثِّل دون سواه، مع أنه غالبًا لا يعرف عيوبه، وإلى درجة أن ما يستحسنه من نفسه هو نفس ما يستقبحه من غيره!
"ومن جهلت نفسه قدره/ رأى غيره منه ما لا يرى!"
إنه بكل إيجاز يصعب تصديقه غالبًا، بل تكذيبه أحيانًا! رغم أنه:
"لا ينجز الميعاد في يومه/ ولا يَعي ما قال في أمسه!"
ولا جديد بما يتسم به من هكذا صفات، كونه مجرد تاجر عقارات، ومالك كازينوهات، وراعي حفلات بعض المصارعات الحرة... الخ! ولذا: لا غرابة أن يقدم نفسه عبر بعض القنوات التلفزيونية الأمريكية أحيانًا بصفته رجل أعمال وليس رئيسًا لأهم وأكبر دولة في العالم اقتصاديًا وعسكريًا وتقنيًا!
ولم يكن صادقًا حينما قال ما قال كما قد ذكرت ذلك في مقدمة هذه الدردشة! لأن ما حدث مساء يوم 25 أبريل الماضي بفندق "هيلتون" بالعاصمة واشنطن، خلال حفل عشاء لمراسلي البيت الأبيض، لايزال الغموض يكتنفه، بخاصة عند قيام "ترامب" نفسه بنشر الفيديوهات بعد الحادثة وظهوره منبطحًا على الأرض!
وأيًّا ما حدث، فقد يعطي ذلك بعض الدلالة على عدم رضا الشعب الأمريكي عن رئيسه! وهو كذلك.
كل ما قد ذكرته آنفًا يدفعنا هنا إلى ما آل إليه الوضع بينه باعتباره رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وبين النظام الإيراني!
لقد وعد الشعب الأمريكي، بخاصة عند بداية الحرب يوم 28 فبراير الماضي، بإزالة النظام الإيراني العفن! لكن تردده وربما لأهداف شبه غامضة! لذلك دور في ما آلت إليه الحرب دون إزالة النظام!
فرغم ما حققت الحرب وما تمخض عنها، فإن عدم انتهاء النظام الإيراني يظل هو ما يؤرق "ترامب"، حسب الظاهر، وما يؤرق غيره!
ولذا نجده يستخدم ما يتسم به من تناقضات بهذا الشأن! ومن ذلك قوله:
"دمرنا أسلحة إيران النووية و90% من صواريخها!".. "لم يعد لدى إيران أية قوة عسكرية!".. "لم تعد تشكل إيران ذلك التهديد والإرهاب الذي كانت تمثله!".. "الحصار البحري على إيران قوي وفعَّال!".. "إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا!".. "القيادة الإيرانية مفككة وهم في حيرة من أمرهم، وهناك خلافات كبيرة بينهم!".
فإذا كان قد دمر أسلحة إيران النووية، حسب قوله، لماذا يؤكد مرة بعد أخرى أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا؟! وإذا كانت إيران لم يعد لديها أية قوة عسكرية، حسب تعبيره، فما الداعي للتطلع إلى إعادة الأعمال العسكرية ضدها؟! وإذا كانت القيادة الإيرانية مفككة، حسب تعبيره، لماذا لم يستغل هذه الفرصة الذهبية في القيام بتغيير النظام! وهو قادر إن أراد فعلًا؟!
ثم، يبلغ "ترامب" يوم الأول من مايو، الكونغرس رسميًا أنه يعتبر الحرب مع إيران منتهية! الخ، عجبًا حقًا!
وأيًّا كانت أهداف "ترامب" من تصريحاته المتناقضة، والتي بعضها تأتي تغطية لعجزه عن تغيير النظام الذي هو الدافع الأول للحرب ضد إيران، فإن الإيرانيين يحسنون استغلال ذلك جيدًا! بخاصة مع إجادتهم التلاعب بالتصريحات واستخدام "الصبر" و"التقية" بذلك! بما في ذلك طريقة التطلع للمفاوضات والاستعداد لذلك و.. و.. و.. الخ.
إن على "ترامب" أن يعي جيدًا أن النظام الإيراني، رغم الاختراق غير المسبوق لأرض وسماء وبحر إيران، مع حجم مساحتها، واستهداف أهم قادتها، ومن أول أيام الحرب! واستنزاف البنية العسكرية والأمنية والاقتصادية، وهدم البنية التحتية وغيرها.. بجانب استمرار أمريكا وإسرائيل في إذلال ما تبقى من النظام.. كل ذلك وغيره الذي يدفع الشعب الإيراني العريق الثمن وحده، لا يهم النظام الإيراني البتة بقدر ما يهمه بقاء النظام نفسه! وهذا هو التحدي الأهم لترامب.
فرغم انتصار "ترامب" المنقوص، فإن إزالة النظام -أبا "إيفانكا"- ظل ولايزال ضرورة لا تحتمل التأخير، وأخشى القول إن إزالة النظام الإيراني قد تستدعي شروطًا أهمها روح التاريخ والتحلي بمسؤولية القيادة للمواجهة، وتلك بعض أهم ما يفتقر إليه "ترامب".. فبقاء النظام الإيراني، وعدم اهتمامه أثناء الحرب بما ظل بعض حلفائه يتلقون الهجمات الإيرانية على مدار الساعة، بل وعدم قيام بعض أهم قواعد بلاده العسكرية بأي دور، والتي ينفق عليها سنويًا ملايين الدولارات! لتستعين تلك الدول الخليجية الحليفة بقدراتها الخاصة، وهو الأصوَب!
أقول هذه الجوانب، وفي مقدمتها عدم القدرة أو بالأحرى عدم الرغبة "الترامبية" بإزالة النظام الإيراني، أيًا كانت انتصاراته الأخرى، إضافة إلى ما باتت بعض تصرفاته تشكل بعضًا من الخطورة على وطنه، بخاصة تناقضاته العجيبة، فإن الشعب الأمريكي الذي ظل يجبر بعض رؤسائه على التنحي لأسباب أهمها عدم احترام إرادة الشعب، رغم أن أخطاءهم أقل بكثير من أخطاء وتجاوزات وتناقضات "ترامب"، فإن تنحي "ترامب" لا بد آتٍ، وقبل نهاية فترته الثانية.. أو على أي وجهٍ كان في طريقة مغادرته للبيت الأبيض.. وهذا هو ما أردتُ قوله هنا.
