الإثنين 12 أكتوبر 2026

سامي غالب والنداء.. الرؤية والموقف

أولاً: العلاقة الشخصية والعاطفية بـ "النداء"

في نهايات عام 1981م وبدايات عام 1982م، نشأت بيني وبين صحيفة "النداء"—الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني—علاقةٌ سياسية وكتابية وعاطفية محدودة. وكانت الصحيفة حينها إحدى أكثر المطبوعات شهرةً وانتشاراً في الساحة اللبنانية، إلى جانب صحيفتي "الهدف" و"الحرية" الفلسطينيتين، وصحيفتي "النهار" و"السفير".

جريدة النداء اللبنانية يونيو 1982
جريدة النداء اللبنانية يونيو 1982
من هنا تجسدت علاقتي الشخصية والسياسية باسم "النداء" الصحيفة؛ حيث بدأتُ بكتابة الأخبار والتعليقات السياسية والتقارير الإخبارية القصيرة التي تتناول وقائع الصراع الحربي والسياسي القائم بين الجبهة الوطنية الديمقراطية ونظام علي عبدالله صالح. وكنت أنشر تلك المواد بأسماء مستعارة أو دون أسماء، تحت عناوين من قبيل: "مراسل صحفي من اليمن - من صنعاء"، أو "تحليل إخباري من اليمن"، وأحياناً باسم: محمد عبدالواسع سرحان، تخليداً لاسم الضابط الوطني الذي أعدمه محمد خميس في ساحة ميدان التحرير، بعد أن قلع إحدى عينيه من شدة التعذيب.
تزامن ذلك مع العنف والبطش الشديدين اللذين مارسهما نظام علي عبدالله صالح؛ حيث طالت الاعتقالات المئات من الكُتّاب والمثقفين والسياسيين المعارضين في معظم المدن الرئيسية شمال البلاد، بل وبلغت الوحشية أوجها بتفجير المنازل في العديد من القرى، واعتقال الأطفال، وتسميم الآبار، وإحراق أسرٍ، بل أسر بكاملها، كما حدث مع عائلة آل الورد (قبول الورد وجميع أفراد أسرتها)، وإخراج وجبات/ مجاميع بشرية من السجون للإعدام بدون محاكمات، ومنها معتقلون من زنازين سجن "دار البشائر"، ومن سجن "القلعة"، بما فيه إعدام سجناء موعودين بالإفراج عنهم، ومنهم الرائد شائف عبدالقوي العبسي، ومحمد مشرح الذي كان ينتظر الإفراج فكان الإعدام مصيرهما، إلى جانب إعدام الضابط الثوري عبدالله الوهبي، والمناضل المقاوم مصطفى البرازاني (اسم حركي). وفي تلك الحقبة العصيبة، كانت صحف "النداء"، و"الهدف"، و"الحرية"، و"السفير" هي المنابر الصحافية والإعلامية المفتوحة لنشر آراء ومواقف المعارضة والجبهة الوطنية الديمقراطية وإيصال صوتها للعالم.
وعندما أعلن الصحفي الصديق الأستاذ سامي غالب إصدار صحيفته باسم "النداء"، استُحضِرت تلك الذكريات في الذهن والذاكرة بجلائها؛ إذ بدت "نداء سامي"—بصفتها صحيفة أهلية مستقلة—وكأنها في ذهني الامتداد اليمني لرسالة تلك الصحيفة اللبنانية ودورها، لا سيما من حيث الرؤية السياسية والموقف الوطني الديمقراطي.
لقد تمكنت الصُّحُيفَتان—"النداء" اللبنانية الحزبية و"النداء" اليمنية الأهلية المستقلة الخاصة—من أن تكونا بحق لسان حال صوت من لا صوت له، والمدافع الصلب عن العدالة والديمقراطية وحرية الكلمة والصحافة... ونقطة على السطر.
صحيفة النداء اليمنية
صحيفة النداء اليمنية

ثانياً: سامي و"نداء" الحرية.

سامي غالب، صحفيٌّ مهنيٌّ محترف، هو بحقٍّ إضافةٌ للكتابة الصحفية ذات الرسالة والموقف.
منذ أن بدأتُ متابعةَ إرهاصات قلمه الأولى قبل سنوات طويلة، استشففتُ بزوغ حراكٍ فكري وسياسي وصحفي واعد، تجسّد لاحقاً في ممارسة صحفية وكتابية إبداعية يُحرّكها عقلٌ منير وفكرٌ مستنير.
يكتبُ الأستاذ سامي ويصوغُ مواقفه بعيداً عن أطر الأيديولوجيا الضيقة، وبمنأى عن الحزبية العصبية الرثة؛ مُحلقاً بكتابته السياسية والصحفية في سماء الفكر الوطني الصادق، لتلامس عمق الواقع وما يكتنزه من تحديات ومعوقات.
إنها كتابةٌ تُعيد إلى الذهن والوجدان روحَ اندفاعة ثورة 26 سبتمبر 1962م، وتألقَ ثورة 14 أكتوبر 1963م، وتطلعاتِ ثورة الشباب في فبراير 2011م، ولكن في قالب فكري وسياسي وصحفي إبداعي ومُجدد.
سامي غالب.. عقلٌ سياسي وصحفي منفتحٌ على كل اتجاهات الفكر والرأي، يقف في صف دعم حرية الرأي والتعبير، يُعبّر عما يريد بلغةٍ مكثفة واقتصادٍ متقنٍ في اللغة وفي الألفاظ، فيصل إلى هدفه بأسلوبٍ مباشر وسريع.
ولطالما كانت صحيفته (النداء) الإلكترونية —كما كانت الورقية من قبل— منبراً مفتوحاً للجميع، بشرطٍ واحد وهو: "الكتابة الفاعلة والمنتجة".
سامي غالب
سامي غالب
"النداء" الورقية اليمنية التي كانت، و"النداء" الإلكترونية التي صارت منبراً ومنصة للفكر والرأي الحر، هي دعوة سياسية كفاحية مدنية ديمقراطية، لاستعادة روح الضمير الغائب، ولجعل الغائب، أو المغيب قهراً حاضراً ومستمراً ومنتجاً في القول وفي الفعل.. منبراً منتجاً للكلمة والكتابة/ المعنى.
النداء، الصحيفة الإلكترونية اليوم، إذا استعرنا تعريف أو توصيف أبا حيان التوحيدي للكتاب؛ فهي "الزميلة والأنيسة في الوحدة، والصاحبة والرفيقة في الغربة، والنور في الظلمة"، وما أشد الظلمة، والوحدة، والغربة التي نعيشها اليوم في بلادنا التي لم تعد بلاداً، واليوم النداء الإلكترونية، وصحيفة الثوري الإلكترونية، ينطبق عليهما ذلك التوصيف والتعريف لأبي حيان التوحيدي.
وبهذا المعنى، سامي غالب ليس مجرد صحفي مهني محترف، بل هو مثقف وسياسي صاحب قضية ورؤية (رسالة).
ففي الوقت الذي أوقفت فيه الأحزاب والتنظيمات السياسية إصدار صحفها الورقية، بما فيها الصحيفة الإلكترونية—ليس لأسباب مالية، فما أكثر المال لديها- بل لأسباب سياسية؛ إذ ماذا ستقول قيادات الأحزاب في صفحات صحفها لجماهيرها وللناس المسحوقة والمقهورة في كل الوطن، لفك شفرة هذا الواقع الصعب وفي مواجهة التحديات، لاستعادة أولاً السيادة، والقرار السياسي الوطني المستقل، لأنهما: أي السيادة، والقرار المستقل، هما المقدمة العملية لاستعادة الدولة؟ وهو ثانياً.
في هذا الظرف العصيب، يذهب المثقف والسياسي سامي غالب لإصدار صحيفة "النداء" الإلكترونية، التي التَفَّ حولها أغلب الصحفيين والكتاب والأدباء والمثقفين دون أي دعم مالي من أي جهة كانت، بل بإرادة صلبة وجهد ذاتي خاص؛ ما يعني ضرورة دعم هذا التوجه في استمرار إصدار الصحيفة من الجميع، لأن من يقف خلف هذا المشروع هو إرادة شخص/ فرد، وليس حزباً أو مؤسسة من مؤسسات الدولة.
إن المثقف، أو الكاتب الحقيقي صاحب القضية (العضوي)، ليس هو المتمنطق "الجملة الثورية الطفولية" في غطائها النظري التجريدي، بل ذلك المبدع صاحب الكتابة التي تجمع بين البساطة والسلاسة والعمق.. الكتابة التي تدخل إلى التفاصيل الصغيرة لتكتشف الطريق السهل لحل المشكلة القائمة، هنا أو هناك، بلغة صحافية وفكرية راقية، والسبب أنه يدخل إلى الكتابة بحثاً عن الحقيقة الموضوعية المجردة، وليس بحثاً عن نفسه ومصالحه الصغيرة، وكثير من التفاصيل الصغيرة والبسطية في الكتابة عند سامي غالب تقول لنا وتقودنا إلى هذا المعنى، وهو البحث عن الحقيقة، دون فائض ادعاء.
ختاماً؛ قد لا أكون التقيتُ بالأستاذ الصحفي سامي غالب بصورةٍ شخصية ومباشرة سوى مرتين أو ثلاثٍ على الأكثر، غير أنني ألتقيه دوماً من خلال كل ما يكتبه ويصل إليّ، ومن خلال الهموم والأهداف والمصالح العامة المشتركة، وهذا وحده كافٍ لتكون المعرفة به عميقة، فما أكثر الصداقات العابرة في هذا الزمن البائس، والفاقد للمعنى.
سامي غالب من الأسماء الذين حين تقرأ لهم ما يكتبون تشعر أنه يكتب بلسانك وباسمك، والأهم أنك تشعر بأنك تعرفه منذ زمان طويل، كصديق.

له أزكى التحايا وخالص الأمنيات.