السبت 10 أكتوبر 2026

نظرة مكثفة بشأن الكتابة التاريخية

هَل سَألتَ نَفسَكَ: كيف يكتب المُؤرِّخُون التَّاريخ؟ وما هي الطَّرَيقة التي يَحتَذُونها؛ ليكتبوه؟
الأمر أسهل مِمَّا قد تَتَصوَّر..

قبل أن نَستهلَّ الحَديثَ عن ذلك، عَليكَ أن تَعرِفَ أنَّ التَّاريخ هو فعل أو صنع الإنسان في الزَّمان والمكان.

وَمَنْ يكتب التاريخ هو الإنسان أيضًا؛ غَيرَ أنَّ جورج أورويل يقول: «إنَّ من يَكتبُ التاريخ هو المنتصر».

إنَّ مَنْ يشتغل بعلم التاريخ، وينذر نَفسهُ؛ للبحث فيه، والكتابة لمجرياته، وحوادثه، وأعلامه، يقوم بجمع كُلَّ المعلومات المتوفرة حول الموضوع الذي يريد الكتابة عنه، والتَّحقق منه، إلا أنّ المؤرخ -وبخلافنا- لا يأخذ قِصَصَ التاريخ وحوادثه من بُطُون الكُتُب؛ إنَّهُ يرجع إلى الإرشيفات، ويستنطق محتوياتها.

يبحث المؤرخ في وثائق هذا الإرشيفات، ويستنطق شواهدها التي قد تكون: رَسَائل محفوظة، مُذكِّرَات، وثائق دولة، مُذكِّرات صَحفيَّة، إحصاءات اقتصادية لحقبة تاريخية معينة.

لكن يلوح لنا هُنَا سُؤالٌ ثاَنٍ: مَاذا لو كان المؤرخ يبحث عن ثقافة شعب لفترة مُعيَّنَة من التاريخ، وَلَيسَ لَهَا سِجِلَّات مَكتوبة؟

فمَا العَمَل إذًا؟

هُنَا يستنطق المؤرخ الآثار، أو بقايا، أو لُقًى إنسانية كقطع الفخار، أو المباني، ويستنتج منها ما يظهر له بعد فحصه.

وَهُنَا يُطلَق على المؤرخ «عالم آثار» أيضًا.

عندما يحصل المؤرخ على كُلِّ البيانات الممكنة التي بحثها وَحقَّقَ فيها؛ عليه تحديد البيانات المُهِمَّة وتوضيحها وإعطاءها التَّفسير المناسب وِفقًا للتيارات المختلفة المُستخدَمَة لكتابة التَّارِيخ.

إنَّ مَنْ يتصدى لتأرخة فترة زمنية ما في نطاق جغرافي كبير ومتسع، تَتّعدَّدَ فيه الدِّيانات والمذاهب الدينية، والتَّيارات السياسية، وتتنوع فيه الإثنيات (الأعراق)، والثقافات المختلفة= عليه أن يكون أكثرَ يَقظةً وتَحرِيًّا وَيقظةً واستقلالاً، لمَا يَسوقه من أحداث قد تتضارب رواياتها؛ بسب تنوع الأغراض، واختلاف المقاصد والمذاهب.

فعليه أن يُوازِنَ بين الآراء المختلفة، وَيُقَارنَ بَينَ المصادر المتعددة، ويخرج برأي ونتيجة أقرب ما تكون إلى حقيقة الحدث الذي يكتب عنه.

إنَّ إعمال مِبضَع النَّقد للتاريخ، وحوادثه، وأعلامه ورموزه، يحمي التاريخ من تزيد الكذابين، وأباطيل الوضَّاعين، وقد عقد ابن خلدون في «مقدمته» فَصلاً مُهِمًّا لهذه المسألة، وناقش بعض القضايا والحوادث التاريخية وَفنَّدَها وأظهر زيفها، وَكَتبَ قبله أيضًا التاَّج السُّبكي في مقدمة كتابه الشهير «طبقات الشافعية الكبرى» عن شروط المُؤرِّخ.

إنّ من أهمِّ ما يتعين على المؤرخ أن يتحلى بالاستقامة العلمية، والبراءة من التحيز؛ والغرض القادح في النزاهة؛ أمَّا دعاوى الموضوعية؛ فهي أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة. لأنَّ الذَّات لا تنفصل -في الغَالِب- عن الموضوع الذي تبحث فيه، وتكتب بخصوصه؛ فإنك قد تجد مؤرخين من منازع شتى، ومذاهب دينية وسياسية يؤرخون لواقعة تاريخية معينة، أو لعلم من الأعلام، وتراهم -مع ذلك-يختلفون اختلافًا بِيِّنًا فِيمَا بينهم؛ وما ذاك إلا لتحكُّم العواطف ببعضهم، وغلبة التعصب المذهبي أو السياسي الذي يعكس نفسه على كتاباتهم التاريخية.

إنَّ التاريخ من الأهمية بمكان، ولو لم يكن إلا استدلال أعظم مصدر إلهي وتشريعي به؛ وهو القرآن الكريم؛ لكفى به شَرفًا في علو مكانته بين سائر العلوم. فَإنَّ اليهود والنصاري حين ادعوا أنَّ إبراهيم -عليه السلام- كَانَ يهوديًا أو نصرانيًا؛ رَدَّ عليهم الكتاب العزيز بالتاريخ، قَائلا لهم: (يا أهل الكتاب لِمَ تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؛ أفلا تعقلون). [آل عمران: 65].

ويذكر المؤرِّخُون أنَّ اليهود زوروا كِتابًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ادعوا فيه أنَّهُ أسقطَ الجزية عن أهل خيبر، وَعُرِضَ الكتاب على محدث بغداد ومؤرخها أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي؛ فحكم بزيفه. وَلَمَّا سُئِلَ عن حجته التي حَكمَ بموجبها، قال لهم: إنَّ فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان؛ وهو لم يسلم إلا عام الفتح في السنة العاشرة للهجرة، وخيبر كانت سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وقد استشهد يوم الخندق.

وفي هذا ما ينبئ بأهمية علم التاريخ، ومكانته، وعظيم فوائده العلمية والعملية في حياة الشعوب، والمجتمعات، والدول.

وَخِتامًا..

علينا أن نَعرِفَ أنَّ المؤرخ حِينَ يُعطي تفسيره لِحقيقةٍ تاريخية مَا، فإنَّهُ يعطي تفسيره وَحدَهُ فقط؛ إذ من المحتمل أنَّ تكون هناك وجهة نظر أخرى تختلف عن التفسير الذي أعطاه.