الغرائز "الوطنية" تحكم -تعكم اليمن (الوطن السائب يعلم القتل، والوطنية السائبة تعلم احتراف الحرب)

"لقد جعلونا نحترب أسوأ من قطيع الذئاب، الكراهية في كل مكان". (ميخائيل شولوخوف -الدون الهادئ)
**
إلى أطفال اليمن ونسائه
الغرائزية المنفلتة، المفخخة بالفوضى والعدمية، تطيش وتتفجر وتسحق كل شيء في يمن اليوم حيًا كان أم جمادًا، ولا تدري، لماذا نقتل ونتقاتل؟
ما نعرفه اليوم وأمس مما يحدث من المعارك البينية، هو إشباع غرائز "الجرجوف" الأسطوري الذي للأسف نحن جزء منه، وليس فقط مجرد كائن خرافي متربع على عرش الحكايات والوجدان الشعبي، نعم إنه الوحش الجاثم في داخلنا يقوي ويستقوي أضعافًا مضاعفة في لجة الحروب "من طاقة لطاقة". وحش، طاهشِ، ناهشِ، يبتلع كل شيء أمامه من بشر وشجر وحجر، في الريف والمدن، باسم الجهاد، ولرفع اسم الله والإسلام والوطن والثورة والحق والفتح والفضيلة والشرف والهوية الإيمانية، وكل المقدسات.
والنتيجة؟

هذا الخراب المستطير من عبثية الحرب اليومية التي تقتات على أجسادنا وتفاصيل عمرنا المنهوب والمسكوب عبثًا في الجغرافيا والذاكرة، ولا من مغير في حمأة صناعة العدو والعدو المضاد الذين يتكاثرون في المقايل والجبهات والميديا، فمن استقوى بإلهه الصغير والكبير وبعرقه "الآري النقي" وأسلافه، وسلاحه وزوامله وآياته الكبيرة وقصار السور، غلب وانتصر، فالله معه لأنه الحق ولا سواه.
ومع انعدام الدولة حتى في أضعف صورها، يحضر كل "الهؤلاء" المسوخ الساحقة الماحقة في كل آن!
ما الذي يفعله الإنسان اليمني، خصوصًا النساء والأطفال، عند كل قتل ونزوح وحصار وجوع وعطش وانعدام حبة الدواء؟
يتنفس اليمني بالشكوى واللجوء إلى الله، وأساطين المشايخ والفقهاء والخرافات، ليعصم دمه وعمله وأولاده وحاضره ومستقبله -إن استطاع سبيلًا- وحتى هذا الهروب الخائف يستثير غرائز وحوش الحرب الجائعة، لتتدافع مستشرسة كحارسة وحامية للعقائد والمقدسات، لتفتش في ضميره ومعتقده وحركته وأنفاسه (هل يصلي مسربلًا أم ضامًا، أم مقتشعًا، وعلى جانب هذا الشق أو ذاك، أما الحرب على النساء فهي الفرجة العصابية المريضة)!

لتصدر أحكامها بغرائز الدم: يستحق القتل! وإلى جهنم وبئس المصير.
في هذه الحروب المتوارثة، التي تحكمها الغرائز، وتغذيها حسابات الأطراف الداخلية والخارجية المتحاربة بنا وعلينا، إن وصل عمر اليمني الـ50، ترى جسده الهزيل قد عُلم بخمسين حربًا وفتنة ومقتلة.
في كل حرب عشناها وشهدناها نفرز بعضنا بعضًا بالموس الإلهي "الشاعط"، فتواصل الغرائز الناطقة "أن القتل لنا عادة"، ولا بد من إزاحة واستئصال الكائنات "الصراصير" المهددة والمتعاملة مع العدوان، والمتربصة بالوطن والشرفاء، تهمتها أنها ليست كائنات جهادية، وديدنها البحث عن الأمان والسلام والتنوع والتعايش، نعم إنهم كائنات رخوة، لا تقدس "من أحب الحياة عاش ذليلًا"، فهم "أشباه رجال"، وليسوا "رجال الرجال"، "مكالف"، عورات، عجائز، ناشطون (ناشتين -ناشتات) ويهتفون، بـ"لا للحرب" ويؤيدون "السلام" و"الحرية"، سيف "القرآن الناطق"، قال كلمته: اقتل، ثم اقتل، ثم اقتل... إنه صوت الحق، النصر فلا ولن يأتي من أشباه الرجال السلميين، لغة المكالف والضعفاء.

يحدث هذا في اليمن "المرتوق" بالنار، المغلول والمُغلق بآلهات المليشيات وتخصيبها بأدوات الكهف، بشعار الموت الأبدي الضاج، "الإيمان يمان، والحكمة يمانية"، ليجعلوا الشعب اليمني بركانًا يتفجر في نسيجه وتفاصيل حياته، يتغول على ما يجده أمامه -أبسط مثال- المشتري يقتل البائع على مائة ريال وأنقص، وطفل "الحقاوة" المُبندق، المُزومل، المعلول المسلول المجاهد، والمقاتل ضد العدوان، "المُخدر بالقات والهيروين وشماطير الآلهات السائبة من جنرالات وقادة وفقهاء ومشايخ"، يصوب بندقه نحو الطبيبة وأستاذ الجامعة والمعلمة، حتى العائلة والمرأة والكلب والقط والزرع والنملة، وإن لم يجد ما يتسلى به يحول تسلياته "نصعًا" على الجدار والطريق والسماء والكتاب والقلم، برميل القمامة، وأي شيء يجده أمامه، فراغ مُهلك ليس بالجوع فقط، بل بالجهل والفراغ والعزلة والمقيل السام، وانعدام الفنون والمسرح والسينما والموسيقى والرقص وكل ينابيع الثقافة والفنون، إنه الموت بكل تشكيلاته.
**
وأنت ترى جموع الأطفال في شوارع العاصمة الكبيرة، في "التحرير" والمدن الأخرى (تتمنى الموت قبل أن ترى تلك المشاهد القاسية) أولئك المجاميع من الأطفال "جهاد البزغة"، يقودون شاصاتهم المدججة بكل أنواع الأسلحة يتوسطها مضاد الطيران والمعدل 12/7، وحراسة من "العكفة" وزواملهم الصاخبة والضحكات الضاجة والمنفلتة أيضًا في هستيريا ككائنات لا بشرية (شاهدوا ترندات الجبهات والمقايل).

ترى كائنات انتُزعت منها ملامح الطفولة واستبدلت بـ"جُليد ليس أبو حمار" بل جُليد أبو طاهش/ غول، وحوش مجمعة من معامل خاصة برائحة الموت الجهادي، كائنات مجمعة من "جراجيف" الحزاوي بمصانع تنزع عنها كساء الطفولة وبراءتها، لتحويلها إلى جعب متفجرة بأجساد هزيلة، تراهم بين الجموع يبطحون ذاك، ويلعنون آخر، ويطيشون بنصائح "الفزعة الجهادية".
"قالت الحرب: هذا مبتداها"!
اليوم أضحى البلد أكثر من أي وقت مضى غابة لا تتصارع فيها الثيران وحدها، بل تتناحر بهمجية وحوش، قطعان منفلتة في مواجهة شعب مسحوق كتب عليه أن يتدثر بالأحمر ويغرق فيه في كل آن وأوان.
اليوم، ونحن نرى أسود الجبهات والنصر قريب، وقل جاء الحق وزهق الباطل، والوعد الإلهي، وآية بدر تتجدد في يمن الأوس والخزرج، و"تم الدعس"، من أطفال ما دون 12 عامًا، ومعهم بقية القطعان الهائجة من الشباب، لا تجد فرقًا بين أجسادهم الهزيلة وبين الدبابات و"الشاصات" الجامحة والمدججة بالبشر وكل أنواع السلاح وصراخ الموت من أناشيد وشيلات ورقصات الموت، على ما يبدو يجرعونهم مع القات والنفير والفزعات مواد كيمائية لتخصيب القتل بأكثر فتكًا، وبصريات التمثيل، وتتسابق على نشرها الفضائيات: (صور الأسرى من الأطفال والكبار، كيف تم قتلهم ببشاعة منتشين، إنها جرائم حرب، باسم المقاومة)، السادية تتضخم لتحول المتحاربين إلى "جعب جهادية" صماء تأتمر بالقائد الذي -أيضًا- يحارب بالوكالة مع هذا الطرف أو ذاك، أكان طرفًا داخليًا -شرعيًا، أو خارجيًا من دول شقيقة وجوار وغيرهم.
إنهم يحصدون منتصرين بطلقات "الله أكبر"، فيحصدون ألقاب البطولة: الحامي والحارس للعقيدة والعرض والأرض والشرف، وو، فيالق تدار بلعبة ريموت كنترول الطائفية، اقتلوهم فهم: مجوس، رافضة، زيود وفرس، والطرف الآخر إنهم نواصب وشوافع و"شاشقي وشنديلك، وملالة "شاملكك روحي"، في هذه الحروب القذرة تخالطت كل العروق الحية والمنقرضة والمحنطة جميعها تغتلي في جعب الغرائز والغرائز المضادة في ساحات الوغى "الوعد المنتظر"، و"دق طبل المعركة"، "حان وقت الاجتثاث"، و"قالت الحرب هذا مبتداها"! الشعب المغلول بالجعب المتفجرة في البيت والأحواش والمدارس والمقاهي، والمساجد ومقامات الأولياء تتفجر، لا يسلم من انفجاراتها أي كائن من كان.
في الأخير
مليشيات "شذر مذر" وكل حروبها كـ"عصيد في جمنة"، استشرست أكثر مع 21 سبتمبر 2014، واليوم 2026 انفلتت وأصبحت "عصيد" في جعبة -قنبلة، برميل متفجر، ولغم في الطرقات والحقول، إنها "عصيد الغرائز" تفيض أكثر في كل شبر من اليمن، بما فيها الأرياف الأشد بؤسًا وفقرًا وقهرًا، إنها في الأيام السبتمبرية والأكتوبرية 2026، تنشطر إلى ذرات، تسحق وتمحق كل شيء في طريقها وفي فكرها، ولاوعيها أيضًا.
لذا، فلتوقف هذه الحرب تحت كل الرايات، وأي مقدس حتى لو جاءت من السماء، فاستمراريتها تعني المزيد من تخصيب هذه المفاعيل "يوارنيوم الغرائز" بدعمها بالأيديولوجي الديني، السياسي والطائفي، والمذهبي، الذي تسكبه حكومات وسلطنات داخلية وخارجية، معامل التخصيب في الأجهزة الأمنية التابعة "للحوث -فاشي"، ومليشيات المقاومات التي تشبه "حبوب مجذوب"، لكنها حبوب رصاص.
لا محيص من دولة، ودولة قوية تحصننا من هذه الذأبنة الطبيعية والمصنعة والمخصبة بكل أدوات الجوع المزمن: السلطة والغنيمة، "إما أحكمكم وإما أقتلكم"، نعم دولة توقف مسيرة الجعب المنفلتة وتضاداتها من مَسيرات ومُسيرات تتضاد في النسبة، لكنها من فكر وهدف واحد.
دولة تحمينا من هذا الافتراس -الديناميت الديني والسياسي والجهادي والمقاوماتي... الخ من الأيقونية الحربية المقدسة، دولة تعيد طفولتنا ورجولتنا وأنوثتنا السوية من ابتذال (الرجولة والأنوثة)، وتحمي أطفالنا من وقود حروبهم المستدامة وغسيل الأدمغة، دولة تنقذنا من تغول مفخخات: "رجاجيل الشرف"، و"رجال الرجال"، وشرف القبيلة ووثائقهم "الوطنية" ومع "من قلب المطحن طحن" القبيلة بمشايخها والأعيان و"عيبهم الأسود" وكل الألوان.

دولة تبعد عنا حمى الشرف والعرض والدين المسيس والمسجدة والوطنية، وابتذالاتهم الأشد رخصًا، من تسبيحاتهم واستغفاراتهم واستخاراتهم واحتسابهم الذهانية بدم أطفالنا الذين يحصدون بوسام الجهاد والشهادة و"ولو سال دم الكل للركب"، دولة وطنية جامعة تحمينا من خطوطهم الحمراء، من كل "قرآن ناطق"، من "النصر أو الشهادة"، من كل الجبهات ورياض الشهداء، من موروث ما قبل الدولة للقبائل، "من قال حقي غلب"، و"في دولة القرد، قل للقرد يا سيدي"، من "الجهاد حتى قيام الساعة"، من وطنياتهم وخياناتهم، من استذئاب الثورة وثوراتهم المضادة وتصحيح مساراتها، نعم دوووولة تنقذنا من غول كل الثوابت والأضداد، وتناقض التناقض.
فـ"حيّ على السلام" في كل آن وأوان، و"لطالما حثني جدي على العزف يوميًا، لتبقى الأنغام تسري في جسدي"، رواية المدينة -دين كونتز.
وإلا كيف تشوفوووووا؟



