المواطن اليمني بين ذولا وذولاك...
وأنا أستعرض وسائل التواصل الاجتماعي، شاهدت أحد المقاطع التي يظهر فيها شخصان وجدا نفسيهما في قلب المعركة، بين جبهتين، والرصاص يمر فوق رأسيهما من كل اتجاه. التفت أحدهما إلى صاحبه وسأله:
أنت مع من؟ مع ذولا... أو ذولاك؟
لا يعرفان ماذا يجيبان، فهما لا يريدان أن يكونا مع هذا الطرف أو ذاك، ولا يعنيهما من يرفع راية النصر بقدر ما يعنيهما أن ينجوا بحياتهما.
وفجأة، لا يعود الرصاص هو الخطر الوحيد. فهناك صواريخ تأتي من بعيد، وطائرات مسيّرة تحلّق فوقهما، فيرفعان أصواتهما إلى الجميع: توقفوا... نحن لسنا مع ذولا ولا مع ذولاك!
هذا المشهد، على بساطته، يشبه إلى حد بعيد حال المواطن اليمني الذي وجد نفسه منذ سنوات بين جبهات متعددة، وكل طرف يطالبه بطريقة أو بأخرى بأن يحدد موقعه: أنت مع هؤلاء أم مع أولئك؟
لكن المواطن اليمني يريد شيئًا آخر؛ يريد أن يعيش.
يريد طريقًا آمنًا يسلكه دون خوف، ومطارًا يستطيع السفر منه، وراتبًا يكفي أسرته، ومستشفى يستطيع الوصول إليه عندما يمرض، ومدرسة يتعلم فيها أبناؤه، وسوقًا لا تتحول فيه لقمة العيش إلى معركة جديدة.
المواطن الذي يقف في المنتصف لا يرى الحرب كما يراها من هم بعيدون عنها. هو يراها في الطريق، وفي الطابور، وفي ارتفاع الأسعار، وفي انقطاع الكهرباء، وفي الخوف على أسرته، وفي مريض يحتاج إلى العلاج، وفي شاب ضاعت سنوات عمره وهو ينتظر فرصة عمل أو مستقبلًا أفضل.
ومع ذلك، يُطلب منه باستمرار أن يختار: مع ذولا أم مع ذولاك؟
وكأن الوطن لا يتسع إلا لمعسكرين، وكأن من يرفض الاصطفاف مع هذا أو ذاك أصبح بلا موقف.
لكن هناك موقف ثالث لا يقل أهمية عن مواقف المتحاربين: موقف المواطن الذي يريد وطنه.
ليس مطلوبًا من اليمني أن يكره هذا الطرف أو يحب ذاك، ولا أن يجعل من خلافاته السياسية مبررًا لخسارة أخيه اليمني. فالاختلاف السياسي يمكن أن يُناقش، والمواقف يمكن أن تتغير، والخلافات يمكن أن تُحل، لكن الإنسان إذا فقد حياته أو وطنه أو مستقبله، فلن تعيده الشعارات.
والأكثر إيلامًا أن المتحاربين قد يقول كل منهم إنه يقاتل من أجل من يحب، بينما المواطن الذي يقولون إنهم يقاتلون من أجله هو نفسه الذي يقف تحت الرصاص، ويخشى الصاروخ، ويراقب السماء خوفًا من الطائرة المسيّرة.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
إذا كنتم تقاتلون من أجل الإنسان اليمني، فلماذا يكون الإنسان اليمني هو من يدفع الثمن؟
توقفوا... فهناك مواطنون لا يريدون أن يكونوا وقودًا لصراع لا ينتهي، ولا يريدون أن يرث أبناؤهم الكراهية والخوف والانقسام.
لا يريد المواطن اليمني أن يُسأل كل صباح: مع ذولا أم مع ذولك؟
يريد أن يُسأل سؤالًا مختلفًا:
ماذا يحتاج اليمن لكي يعيش؟
يحتاج إلى السلام، والعدالة، والأمن، والعمل، والتعليم، والصحة، وحرية الحركة، وكرامة الإنسان، ودولة تحمي الجميع ولا تجعل المواطن عالقًا بين الجبهات.
لقد طال انتظار اليمنيين، وطال وقوفهم في المنتصف، وطال سماعهم أصوات البنادق من كل اتجاه. وربما آن الأوان لأن يسمع الجميع صوت المواطن نفسه، لا صوت البندقية.
توقفوا... فنحن لسنا مع ذولا ولا مع ذولاك.
نحن مع اليمن.
ومع المواطن اليمني الذي لم يعد يريد أن ينتصر عليه أحد، بل يريد أن ينتصر للحياة.
فالوطن الذي يتقاتل أبناؤه من أجله، يجب ألا يفقد أبناءه بسبب القتال.



