الجمعة 9 أكتوبر 2026

أين مربط الفرس؟

بين حرب دامت عقدًا ونيفًا من السنوات، وهدن ظلت معلقة بحبال هواء خاوية، دفعت بلادنا اليمن ثمنًا باهظًا لحرب خاسرة بمعادلات إنسانية، والنمو والتنمية. تحولت بلادنا معها لتحمل صفة البلد الفاشل، وليس الدولة الفاشلة، حيث لا دولة لدينا أصلًا، وهو أصل الداء والبلاء.

مؤخرًا تفجرت حرب ضروس تدار رحاها ضمن جغرافيا المضايق وأنابيب المصالح، وبلاهات إعلام يحارب بلغة الصورة الكاذبة والتحليل المحلق في فضاء البهرجة والقدح، دون معلومات مؤكدة، لتجد نفسك كمواطن يبحث عن الحقيقة، يتابع هنا وهناك، ليجد نفسه أخيرًا يتمسك بالحكمة القائلة: لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق، ولا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة.

فلا معلومات مؤكدة، والمشاهد يفترض أن يحترم وعيه حتى لا يصبح لقمة سائغة لهذا الطرف أو ذاك، مع وجوب التأكيد من قبلنا بأن طرفي الصراع طرفا نقيض، بين مشروع ينبغي أن ينتصر للدولة، وطرف انقلب عليها. والأمر هنا لا ينتهي، لأن ثمن وكلفة الحرب ليست وبالًا على طرفين يتصارعان، ولكل طرف تعبيراته البشرية، كما له مفردات خطابه السياسي، نتفق أو لا نتفق معها. ذاك شأن تقرره حقوق المواطنة المغيبة وشروط المشاركة السياسية غير المتاحة، إلا ضمن شروط لا وطنية.

نعود للحرب التي تفجرت بهذا العنفوان، وضمن مفاجآت من العيار الثقيل، خاصة تلك التي ولدت بتاريخ بلادنا الحديث: مسرحية سقوط المخا، التي كانت مشروعًا مستزرعًا خارج السيادة والسياسة الوطنية، وكانت بمثابة إسبرطة جديدة تحلق بسماء آفاق وامتدادات خارج بلدنا العزيز.

وحين تغيرت عناوين اللعبة، كانت المفاجأة التالية من العيار الثقيل، المفرح لنا وطنيًا: استعادة باب المندب، ومعه المخا وذوباب، وقل ما شئت. وأن تتابع وسائل إعلام من هنا وهناك تقول كل شيء إلا الصدق.

دعونا نفتح الأبواب على مصراعيها. الحرب التي تدار ببلادنا لعبة علي بابا بأسواق أربعين حرامي، كبيرهم من علمهم الكذب: ترامب، وثانيهما المرابي نتنياهو، المستعد ليس فقط لإحراق إيران، بل الشرق الأوسط كله، ثمنًا لإعادة انتخابه، تمامًا كما يدير اللعبة سيد البيت الأسود، الحالم بقيادة أمريكا: القوة أولًا وأخيرًا، ولو على نهاية العالم.

فما يجري من ألعاب وضحك على الذقون، ضمن محركات جوجل الشيطانية، حول إعادة صياغة كونية جديدة للعالم، أمريكية اللون والطعم والرائحة، والصراعات على امتداد ساحات الصراع على امتلاك ناصية مستقبل البشرية، عبر عناوين أهمها:

من يهيمن على قدرات وثورة الذكاء الصناعي التوليدي.

من يسيطر على مصادر الطاقة.

إعادة تدوير منافذ سلاسل الإمداد، ومنافذ وخطوط التواصل، من طريق الحرير إلى طريق التجارة، من الهند إلى الشرق الأوسط، وتحديدًا لشواطئ دولة الكيان. للأسف، يمر عبر الخليج، مواجهة قناة السويس.

حرب مواجهات اقتصادية عبر فرض الرسوم الجمركية أمريكيًا، تجاوزًا لأي نظام دولي.

هنا نقول: حرب الخليج وتعبيرها، الحرب الأمريكية الإسرائيلية، ولدت حروبًا ومواجهات بأسماء شتى. لعنها الحرب التي تدار رحاها ببلادنا. بلادنا تدفع ثمن حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

أجزم أن الحرب التي تخاض حاليًا ويدفع شعبنا ثمنها، ستأتي لحظة تنقلب معها الأمور رأسًا على عقب. ماذا تريد أمريكا أولًا؟ إيران تحت الصفر. ذلك سيدمر منطقة الشرق الأوسط كله، لتتسيده إسرائيل بحماية أمريكية.

وما يدار من معارك في بلادنا، وبهذا الشكل المنفلت، لتطال الأراضي السعودية، إنما يعزز منافع من يقف وراء إشعال الحروب. وعليه، فإن ما نراه من كر وفر إنما هو لتحسين شروط التفاوض حول خارطة اليوم التالي للحرب.

أمريكا وإسرائيل خلقا بحربهما على إيران واقعًا مكلفًا اقتصاديًا، خنق العالم، وبات الكل يبحث عن حل يدفع الآخرون ثمنه، ونحن للأسف ندفع ثمنًا وشعبنا مسرد بالعراء. هكذا ترك العالم الحبل على الغارب لأمريكا وإسرائيل لتديرا شؤون العالم وفق مصالحهما، مرة بحجة منع امتلاك إيران للسلاح النووي، وتارة بمواجهات مع قوى الإرهاب، من داعش وأخواتها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تشكيلات داعش وذيولها صناعة أمريكية، التمويل والهدف، وفق ما تشير مذكرات وزيرة الخارجية الأمريكية ورئيسها الأسبق.

لا تنتظروا مزيدًا من الإعلام المهلهل، بل راقبوا ما يجري بالداخل الأمريكي الصهيوني قبيل الانتخابات. لديهما مؤشرات وضع نهاية الحرب ببلادنا والخليج، نفيرها سيطلق من هناك.