في ذكراه الثالثة: طـ..وفان الأقـ.صى لم يكن مغامرة
يرى البعض، من معيار ضيق، غير فلسـ..طيني وغير عروبي وغير مقاوم، في طـ..وفان الأقـ..صى في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، مغامرة وخسارة كاملة، وأنه ما كان يجب أن يحدث. تماهيًا مع هذا المنطق غير السوي، أدان البعض المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتبنّى خطاب العدو بأن المقاومة ليست سوى ذراع لإيران، ووضع ذاكرته في مستنقع آسن لتنسى مبدأين لا خلاف عليهما، وهما أن المحتل يجب أن يُقاوَم، وأن المقاومة عبر التاريخ مشروعة، وأن التخلي عنها خيانة.
بالأمس، أشاد دي فانس، نائب الرئيس ترامب، بمقاومة الأمريكيين للاستعمار البريطاني وبذلهم الدماء من أجل الاستقلال. وفي كل عام، تحتفل الدول التي قاومت الاحتلال النازي لأوروبا بـ D-Day، المعروف بإنزال النورماندي عام ١٩٤٤، بقيادة الولايات المتحدة وجنرالها أيزنهاور. لماذا، إذًا، تُدان المقاومة الفلسطينية واللبنانية، ويعتبرها الغرب والصهيونية وبعضنا إرهابًا؟
إسرائيل، ككيان إفناء للفلسطينيين، لا تقبل أن تُقاوَم؛ لأنها تؤمن بأن ليس للفلسطيني حق في أرضه كي تكون مقاومته مشروعة، وأنه المغتصب لأرض «الشعب المختار!».
الطوفان هو سنام المقاومة الفلسطينية للقضاء على سياسة اقتلاع شعب فلسطين من الوجود وابتلاع قضيته. لم يكن مطلقًا مغامرة طائشة ما كان يجب أن تحدث؛ لأن الخسائر المادية قابلة للتعويض.
الاحتلال هو من يُدان؛ لأنه هو الذي ارتكب جرائم القتل والدمار والتجويع والتهجير داخل غزة، وعمل على تدمير مقومات الصمود والحياة. ينسى هؤلاء، أو لا يعلمون، بأن إسرائيل قتلت في العام السابق للطوفان مئتين وعشرين فلسطينيًا، وأنها فرضت منذ عام ٢٠٠٥ حصارًا خانقًا على الغزيين، فيما يُعرف في الإعلام الدولي بأكبر سجن مفتوح في التاريخ.
لا ينكر أحد أن الغزيين فقدوا قرابة ٤٪ من السكان، وأصيب حوالي ٨٪ منهم بإصابات تتفاوت بين الجسيمة والمتوسطة، بأسلحة إسرائيلية وأمريكية وهندية وبريطانية وفرنسية وألمانية وإيطالية وأسترالية وكندية. وتصدوا لحرب اشترك فيها يهود صهاينة وغير يهود يكرهونهم ويكرهون العرب والمسلمين من أمريكا وبريطانيا والهند وفرنسا وألمانيا وأوكرانيا وروسيا وتركيا، وأنهم واجهوا تحالفًا دوليًا، وليس دولة الشر بمفردها.
ورغم كل ذلك، استطاعوا الصمود ومقاومة سياسة التطهير العرقي الإسرائيلية-الأمريكية وحرب الإبادة الجماعية وإفشالها، واختاروا طواعية، وبوازع وطني، البقاء في الخيام والعراء، وتحمل الجوع وبرد الشتاء القارس، وكل الظروف غير الإنسانية التي لا يزال معظمها قائمًا حتى اليوم، برغم خطة نتنياهو-ترامب المشبوهة لـ«السلام في غزة»، التي هلل لها النظام العربي، ومضى عام من عمرها المقدّر بعامين ولم تُطبّق، ولم تسمح إسرائيل لهيئتها المقيمة في القاهرة بدخول غزة، رغم أنها تخدم سياسة الاحتلال في: ١- فصل غزة عن الضفة. ٢- الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية. ٣- بقاء الاحتلال إلى ما لا نهاية.
الفلسطيني باقٍ في وطنه مهما ساءت الظروف. في ١٤ سبتمبر ٢٠٢٥، روت صحيفة الإندبندنت وضع فلسطيني حزم أمتعته للمرة الثامنة لبدء رحلة نزوح محفوفة بالمخاطر، لا يعرف نهايتها، ورفض مغادرة غزة.
السابع من أكتوبر أكد على الحق في المقاومة بكل الوسائل، وبمشروعيتها التي أيدتها قرارات الأمم المتحدة؛ لأنها وحدها التي تحول دون نجاح سياسات اجتثاث الشعب الفلسطيني من أرضه، التي تمارسها اليوم، بدعم أمريكي، دولة الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة، لفرض سياسة تهجير قسري متعددة الوجوه، كتدمير المنازل بحضور ممثل الفاشية الصهيونية، الوزير بن غفير، وقطع أشجار الزيتون والاستيلاء على محاصيلها، وتجريف الماء من قرى فلسطينية لتعطيش أهلها وتجفيف زراعتها لصالح برك سباحة ومزارع الاستعمار الإحلالي.
الدعوات المتكررة لقادة العدو الفاشي لطرد الفلسطينيين من الضفة وغزة مستمرة، ومنها أخيرًا مناشدة وزير المال الأوكراني بيزالِل سموترتش دول أوروبا لتستقبل كل منها عشرين ألف فلسطيني، لمساعدة كيان الإبادة الجماعية على تصفية قضية فلسطين كلية.
الكيان أضعف سياسيًا وأخلاقيًا مما كان عليه قبل الطوفان
برغم ردود الأفعال الحادة المنحازة للاحتلال من قبل أوروبا وأمريكا، ووقوفهما إلى جانبه كتفًا لكتف، فإن تغيرًا جوهريًا قد حدث على المستويات الشعبية والنقابية والحزبية والطلابية والأكاديمية والإعلامية نتيجة لطوفان الأقصى، وأهمه:
١- الاحتمال الذي لم يضعف عن محاكمة نتنياهو ووزير الدفاع المقال يوآف جالانت، صاحب عبارة أن «الفلسطينيين حيوانات بشرية يجب منع الماء والغذاء والدواء عنهم»، لارتكابهما جرائم حرب.
٢- عزلة الكيان الدولية، ومن مظاهرها انسحاب ثمانية وسبعين دولة قبيل إلقاء نتنياهو خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، وتزايد التأييد الدولي لقيام دولة فلسطين على حدود ١٩٦٧.
٣- عدم استقبال ترامب لشريكه في الإبادة الجماعية في سبتمبر، كما يحدث من قبل كل رئيس أمريكي كل عام. لقد بلغ الضيق بترامب قوله إن لولا دعمه لإسرائيل لاختفت من الخريطة، ولكن ضعفه أمام اللوبي الصهيوني والمال وزوج ابنته الصهيوني جاريد كوشنر تحول دون أن يكون شجاعًا ويتبنى خطة سلام تعيد للفلسطينيين حقوقهم.
٤- أزمة العلاقات البريطانية-الإسرائيلية بسبب قرار بريطانيا منع استيراد منتجات المستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية، ورد فعل الكيان الأحمق بغلق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، التي وُجدت قبل قيام الكيان بثمانية وتسعين عامًا. إن وجودها، مع ثماني قنصليات أخرى، يؤكد أن إسرائيل كيان احتلال، وأن القدس فلسطينية ومحتلة، وهذا هو الموقف الدولي الذي لن يتغير. القنصل البريطاني العام السابق أوضح بأنه لا ولاية لدولة الاحتلال على القنصليات التي تعمل في أرض محتلة وتمثل دولها لدى دولة فلسطين وشعبها، وليس لدى دولة الاحتلال.
٥- قرار مؤتمر حزب الخضر في بريطانيا وويلز (خمسة مقاعد في البرلمان)، قبل أيام، بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، ودعمه لإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على كامل أرض فلسطين. هذا القرار قد يشحذ الذاكرة العربية لإحياء قرار الأمم المتحدة عام ١٩٧٥ بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، الذي لم يُلغَ إلا بعد اتفاق أوسلو المُجهض والسيئ.
٦- ازدياد نفوذ وقوة القوى المناوئة للاحتلال في أوروبا، كـ BDS والعمل الفلسطيني، التي لم تفلح سياسات غربية في تصنيفها منظمات إرهابية ومنعها من دعم قضية فلسطين.
٧- قيام إعلاميين غربيين بما عجز عنه الإعلام العربي الكسيح، وأشهرهم تاكر كارلسون، وباسم يوسف، وأنا كاسباريان، وبيرس مورجان، بفضح سياسات الاحتلال والاصطفاف مع حقوق شعب فلسطين.
٨- اتساع المقاومة اليهودية للصهيونية في أمريكا بالذات، التي بدأت بشباب أسموا أنفسهم «J Street»، الشارع اليهودي، في أبريل ٢٠٠٨، ثم بفضل الطوفان ووحشية جيش الكيان في غزة، قولًا وفعلًا، ازدادت جغرافية التمرد اليهودي على الاحتلال. تجسد هذا التمرد بشعار «ليس باسمي»، أي أننا نرفض أن تقتل إسرائيل الفلسطيني بذريعة حماية يهود العالم من العداء للسامية.
لقد أضعف الطوفان السردية الصهيونية عن مظلومية اليهود ودولتهم المحاصرة بأعداء عرب يريدون رميها في البحر، وهمّش وصاية الكيان المحتل على يهود العالم، وفي عقر دارهم، نيويورك، التي من تجلياتها تصويت اليهود غير الصهاينة بكثافة للمسلم زُهران ممداني لعمودية مدينة نيويورك.
٩- «فلسطين حرة»: شعار وصرخة يملآن شوارع مدن وعواصم غربية كثيرة، رغم القمع البوليسي ومنع رفع العلم الفلسطيني وسجن ناشطين لا يخشون كتابة شعار «فلسطين حرة من النهر إلى البحر» في اليافطات عندما يتظاهرون، كرد على مشروع إسرائيل الكبرى لنتنياهو ورهطه.
١٠- وقف التطبيع وتوسيع «الاتفاقات الإبراهيمية»، وهذه خسارة مؤكدة لدولة الاحتلال والإبادة الجماعية.
١١- إضعاف منطق الاحتلال بأن كل نقد له، ومن أي مصدر، عداء للسامية ودعم لـ«الإرهاب الإسلامي» وكراهية لليهود، وإبطال الزعم الصهيوني الحقير بأن جيش الاحتلال هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.



