الجيوش الوطنية هي حارسة الأوطان... والسلاح خارج المؤسسة خطر مهما كان شعارها
الأوطان لا تحميها كثرة البنادق، بل تحميها مؤسسات وطنية منضبطة تعرف لمن تنتمي، ومن يصدر أوامرها، وتحت أي قانون تعمل. وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي الجيش الوطني؛ المؤسسة التي يفترض أن يكون ولاؤها للوطن والدولة والدستور، لا لحزب أو جماعة أو قبيلة أو طائفة أو قائد مهما بلغت مكانته.
الجندي في الجيش الوطني لا يحمل السلاح دفاعًا عن مشروع فئوي، وإنما عن أرض وطنه وسيادته وشعبه ومؤسسات دولته. قد تتغير الحكومات والرؤساء والأحزاب، لكن الجيش يبقى للدولة، لأن الدول لا تُبنى على الولاءات الشخصية، بل على المؤسسات التي تستمر بعد الأشخاص.
وهنا يكمن الفارق الخطير بين الجيش الوطني وبين أية جماعة مسلحة أخرى.
فالمجموعة التي ترتدي الزي العسكري، وتحمل علم الدولة، وربما تتقاضى رواتبها من خزينة الدولة، لا تصبح جيشًا وطنيًا بمجرد الاسم أو المظهر إذا كان ولاؤها الأول في الحقيقة لحزب أو جماعة أو قائد أو طائفة، وإذا كانت أوامرها النهائية تأتي من خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة.
يمكن أن يرتدي المسلح زي الجيش، لكن السؤال الحقيقي هو:
لمن يسمع عندما تتعارض أوامر الدولة مع أوامر جماعته؟
هنا تظهر حقيقة الولاء.
الدولة الحديثة لا تستطيع أن تعيش بوجود عدة جيوش داخل حدودها. لا يمكن أن يكون لكل حزب قوة مسلحة، ولكل جماعة قيادة عسكرية، ولكل منطقة تشكيل خاص، ثم نقول إن لدينا دولة واحدة.
وجود أكثر من مركز للسلاح يعني، عاجلًا أو آجلًا، وجود أكثر من مركز للقرار.
وحين يصبح قرار القوة موزعًا بين جماعات متعددة، تبدأ الدولة في فقدان أهم وظائفها: احتكار استخدام القوة وفق القانون.
قد تظهر بعض الجماعات المسلحة في ظروف الحرب أو انهيار الدولة، وقد تقدم تضحيات أو تحقق انتصارات أو تدافع عن مناطق وأهالٍ. وهذا لا يمكن إنكاره. لكن وظيفة هذه التشكيلات يجب أن تكون مرحلية، ويجب في نهاية المطاف دمج أفرادها المؤهلين في القوات المسلحة والأمن وفق قانون موحد وهيكل قيادة واحد.
أما بقاء الجماعات المسلحة إلى جانب الجيش بعد انتهاء الضرورة التي أنشأتها، مع استمرار قياداتها وتمويلها وولاءاتها الخاصة، فهو وصفة دائمة للصراع وعدم الاستقرار.
الجيش الوطني الحقيقي له عقيدة عسكرية واحدة، قيادة واحدة، قانون واحد، رواتب وسجلات رسمية، تدريب موحد، محاكم عسكرية، رقابة ومحاسبة. لا يستطيع جندي أو قائد أن يقرر الحرب أو السلم من تلقاء نفسه، ولا يستطيع أن يفتح جبهة لخدمة مصلحة حزبية، ولا يفترض أن تتحول وحدته العسكرية إلى ملكية خاصة.
وهذا هو معنى الانضباط.
الانضباط العسكري ليس مجرد تنفيذ الأوامر، بل هو أن يعرف العسكري أن سلطته ليست فوق القانون، وأن السلاح الذي يحمله هو أمانة من الشعب وليس ملكًا شخصيًا له.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن تتحول القوات المسلحة نفسها إلى تجمع من الولاءات الصغيرة؛ وحدة لهذا الحزب، وأخرى لذلك القائد، وثالثة لتلك المنطقة.
عندها يبقى اسم الجيش، لكن روح المؤسسة تختفي.
والتاريخ يعلمنا أن المليشيات قد تبدأ بحجة حماية الدولة، ثم تصبح مع مرور الزمن منافسًا لها. وقد تبدأ تحت شعار مؤقت، ثم يتحول السلاح إلى وسيلة للحصول على النفوذ والمال والسلطة.
لهذا فالقضية ليست في حسن النوايا وحده.
الدولة لا تُبنى على حسن النوايا؛ تُبنى بالقانون والمؤسسات.
نحن بحاجة إلى جيش وطني يضم أبناء الوطن جميعًا، دون تمييز مناطقي أو مذهبي أو حزبي، جيش يشعر كل مواطن أنه جيشه، وليس جيش خصمه السياسي.
جيش يحمي الحدود ولا يحرس مصالح الأحزاب.
جيش يخضع للدولة ولا تخضع الدولة له.
جيش تكون قوته مصدر أمن للمواطن لا مصدر خوف.
إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه أي دولة بعد سنوات الصراع ليس فقط أن تنتهي الحرب، بل أن تصل إلى اليوم الذي يصبح فيه السلاح الثقيل والمتوسط وقرار استخدام القوة تحت سلطة مؤسسة وطنية واحدة.
حينها فقط يبدأ الاستقرار الحقيقي.
ولهذا فإن موقفنا يجب أن يكون واضحًا:
نعم للجيش الوطني المؤسسي.
نعم لقوات أمن وطنية محترفة.
نعم لدمج المقاتلين المؤهلين في مؤسسات الدولة.
ولا لجيوش الأحزاب والطوائف والجماعات والولاءات الشخصية، مهما رفعت من أعلام الدولة أو ارتدت من زي عسكري.
فالجيش الوطني هو جيش الوطن كله، ومن كان ولاؤه الأول لغير الوطن، فالسلاح في يده يظل خطرًا على الدولة اليوم أو غدًا.
وطن واحد لا يحتمل إلا دولة واحدة، وقانونًا واحدًا، وجيشًا وطنيًا واحدًا.



