لا صدفة في التاريخ.. بين منطق الحتمية ومنهج العِبرة
لا شيء يحدث صدفة بالتأكيد. فكل حدث نمر به، مهما بدا عابراً ومفاجئاً، هو في حقيقته خلاصة سلسلة من العوامل والإرهاصات والمسببات التي تخلّقت في أحشائه، ثم تبلورت وظهرت على السطح بصورة أو بأخرى.
قد ينتابنا في لحظة مباغتة شعور بأن أمراً ما قد سقط علينا من السماء بلا إرادة منا ولا تدبير، فيطوقنا بأغلاله ويُحكم قبضته علينا، فنندب حظنا العاثر، ونبحث عن ذرائع ومبررات نستعيد بها شيئاً من التوازن النفسي وثقتنا بأنفسنا وبالواقع الذي فُرض علينا.
لكن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن وعينا هي أن المفاجأة لا تكمن في الحدث ذاته، بل في غفلتنا عن مقدماته.
والقصد من هذه التوطئة أن كل حدث، صغر أم كبر، قرب أم بعد، أكان بفعلنا المباشر أم فُرض علينا من خارجنا، هو فرصة معرفية لا تقدر بثمن. فالعبرة ليست في وقوعه، بل في قدرتنا على استنطاقه واستقراء دروسه، لنقف على أقدامنا من جديد، ونسجل حضوراً إيجابياً نتجاوز به سلبياته، ونحوِّل ندوبه إلى مداميك صلبة نبني عليها حاضراً مقبولاً ونستشرف بها مستقبلاً واعداً.
إن الناظر إلى تاريخنا الحديث والمعاصر يجد أن رصيدنا من الاستفادة من دروسه ضئيل للغاية، بل يكاد ينعدم. نمر بالحدث تلو الحدث، ولا نلتقط من عبرته - إن التقطنا - إلا النزر اليسير، يقول الفيلسوف الألماني "هيجل": "إن الدرس الوحيد الذي نستفيده من التاريخ هو أن أحداً لم يتعلم من التاريخ!".
ويقول الفيلسوف الأسباني "جورج سانتايانا": "إن من لا يقرأ تجارب التاريخ محكوم عليه بتكرارها". ولذلك نجد أنفسنا ندور في ذات الدائرة، ضحايا لتجارب خاطئة مُني بها تاريخنا على تعاقب مراحله لم نستوعب دروسها، فإذا بنا نقع في أخطاء جديدة تتراكم فوقها عاماً بعد عام، حتى تتفاقم وتتضخم، فنغدو خارج منظومة المنطق السليم، بل خارج دائرة الأمن والاستقرار والسلام والنهوض الذي ننشده جميعاً.
إن الواجب اليوم، نُخباً وعامة، ألا ندع الأحداث الجسام التي عصفت بنا وغيرت خارطة الواقع السياسي والاجتماعي والأمني، وبدلت موازين القوى، تمر مرور الكرام. إنها ليست مجرد وقائع عابرة، بل هي منعطفات مفصلية تضعنا أمام اختبار وجودي: إما أن نواجهها بالعقل والحكمة والإرادة الواعية، فنحولها إلى نقطة انطلاق، أو أن نتغافل عنها، فتتحول إلى وبال علينا، وتكون عواقبها أشد وأنكى مما نحن فيه اليوم.
فالتاريخ لم يُخلق عبثاً، كما أننا لم نُخلق عبثاً. والمطلوب منا ليس أن نتصالح مع التاريخ ونذوب فيه، ولا أن نبقى أسرى لندوبه، بل أن نتجاوزه. أن نتجاوز عثراته، ونستخلص حكمته، لنضع الأساس المتين لصرح واقع قوي مزدهر، يؤسس لغد مشرق، مفعم بالأمل، جدير بحياة كريمة وعيشٍ لائق.



