الأربعاء 7 أكتوبر 2026

إنها الحرب التي لا تُبقي ولا تذر

حين وصف الله سبحانه وتعالى نار سقر قال عنها ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾، أي أنها نار لا تُبقي شيئًا إلا أكلته، ولا تذر شيئًا إلا أهلكته، لا تترك لحمًا ولا عظمًا ولا أخضر ولا يابسًا، وهذا بالضبط هو حال الحرب عندنا اليوم، إنها الحرب التي لا تُبقي ولا تذر، فهي لم تكن حربًا على جبهة فقط،

بل كانت حربًا على كل شيء، فلم تُبقِ حكمة، فقد قتلت الحكمة في عقول الرجال، فصار الحليم حيران، وصار المثقف بوقًا، وصار الداعية محرضًا، وصار الشيخ تاجرًا، ولم تُبقِ سلامًا، فقد نزعت السلام من القلوب ومن البيوت ومن القرى، فلم يعد أحد ينام آمنًا ولا يأكل هانئًا ولا يمشي مطمئنًا، ولم تُبقِ وئامًا، فقد مزقت الوئام الذي كان يجمعنا كأسرة واحدة وككيان واحد وكنسيج اجتماعي، فصار الأخ ضد أخيه والجار ضد جاره، والبيت الواحد منقسمًا بين حزبين وجبهتين، وهذا هو معنى لا تذر، فهي لم تذر شيئًا من الحب الذي كان بيننا، ومن الاستقرار الذي كنا نعيشه، ومن الحياة والنظام والعاطفة والانتماء، بل ذرته رمادًا.
وفي حياتنا الاجتماعية والإنسانية والفردية تنفعل في داخلنا عوامل الحزن والغضب والقهر والانهيار ومحاولة تدمير الوجود بسبب أخطاء عائلية أو أخطاء كارثية من أشخاص كانوا يشكلون لدينا الكثير من الحب والسلام والاستقرار، وكانوا يمثلون الحكمة والسلام والوئام والعدالة والقانون ومحاربة الفساد، ثم تحولوا إلى وجوه مقنعة ووجوه مزيفة ووجوه ممزقة تلبس ثوب الحكمة وهي بلا حكمة، وتلبس ثوب السلام وهي تزرع الحرب، وتلبس ثوب الوئام وهي تفرق الناس.
وحين يصل الحكيم إلى كرسي الحزب ينسى حكمته، فيصبح ما كان حرامًا بالأمس مصلحة حزبية اليوم، وما كان فسادًا بالأمس دهاءً سياسيًا اليوم، فيضيع معنى القدوة، ويضيع معه السلام والوئام، ولهذا صار الناس يصبرون على جار السوء، ويقولون يا يموت يا تجي له مصيبة، لأنهم فقدوا من يرد الحكمة ومن يزرع السلام ومن يجمع الوئام.
لكن رغم أن هذه الحرب لا تُبقي ولا تذر، إلا أن هناك شيئًا واحدًا لا تستطيع أن تأكله، وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فهو الخير والعدل، وهو خير منصف وخير منتقم، وهو منبع الحكمة الحقيقية والسلام الحقيقي والوئام الحقيقي الذي لا يزول.

وثقوا تمامًا أن هذه الحرب التي لا تُبقي ولا تذر، لن تُبقي ظالمًا على ظلمه، وسيأتي اليوم الذي يُسقى فيه كل ظالم بما سقى، وكل من زرع حربًا سيحصد حربًا، وستنتهي هذه النار التي لا تُبقي ولا تذر، وسيبقى بعدها وجه الله وحده، ومعه الحكمة والسلام والوئام هي التي ستبني ما هدمته الحرب.