الخطاب والبندقية.. عندما تَخُون الشعارات التضحيات
درس 2015 وخطر تحويل معركة الحـ..وثي إلى حرب جنوبية
ملاحظة:
يأتي هذا المقال من واقع النقاش العام، وهو ليس خلاصة تأمل نظري مجرد، وإن كان ذلك فعلًا ملاحظًا ويتم رصده والتعامل معه؛ لكنه حصيلة نقاشات امتدت خلال الأيام الثلاثة الماضية مع عدد من الكتّاب والسياسيين الجنوبيين، تباينت مواقفهم بين التعصب والتطرف والتشنج في الدفاع عن تحويل المعركة إلى عنوان جنوبي صرف. وقد أظهرت تلك النقاشات أن جانبًا من الخلاف لا يتعلق بالحق في طرح القضية الجنوبية، فهذا الحق محل تمييز عن موضوع المقال، وإنما يتعلق بالنتائج العملية لتعريف المهمة العسكرية بلغة جهوية.
ومن المهم هنا أن تُفهم هذه الملاحظة بوصفها استنتاجًا تحليليًا من نقاشات محددة، لا حكمًا إحصائيًا على جميع الكتاب والسياسيين الجنوبيين. فليس كل جنوبي يتبنى خطابًا حادًا، وليس كل مؤيد للقضية الجنوبية يرفض الإطار الوطني أو السياسي الأوسع. غير أن الاتجاه المتطرف في هذا الخطاب يراهن على أن رفع راية الجنوب في الميدان سيضيف إلى القوة شرعيةً ومناعةً أكبر؛ بينما قد ينتج الأثر العكسي تمامًا، ويحقق تخادمًا مع الحوثي ولو بشكل غير مقصود.
الفكرة المركزية:
يستطيع الجنوبي أن يحتفظ بهويته وقضيته ومشروعه السياسي، وأن يقاتل الحوثي في الوقت نفسه بوصفه خصمًا مسلحًا يهدد الدولة والمجتمع اليمني والأمن الإقليمي. أما تحويل الراية السياسية للقضية الجنوبية إلى التعريف العسكري الحصري للمعركة، فينقل الحرب من مواجهة الحوثي إلى نزاع جهوي بين الجنوب والشمال، ويضعف الحاضنة السياسية والقانونية والدستورية والإقليمية والدولية التي تحتاج إليها القوة المقاتلة، وتلك حقيقة خيانة الشعارات والمزايدات للتضحيات والأولويات.
ملخص:
يتناول هذا المقال العلاقة بين الخطاب السياسي والوظيفة العسكرية في الحرب اليمنية، مع التركيز على الدعوات التي تطالب القوات الجنوبية بالقتال باسم الجنوب وتحت راية جنوبية، وعلى حدوده فقط، ولا سيما عند الانتقال من جبهات الدفاع عن الجنوب إلى خطوط التماس مع الحوثيين في الشمال. ويعالج المقال بتمييز منهجي بين أربعة مستويات كثيرًا ما يقع الخلط بينها في النقاش العام، وهي:
- هوية المقاتل.
- القضية الجنوبية.
- طبيعة المعركة العسكرية.
- الغطاء القانوني والسياسي للمهمة.
يقرر المقال بأن القضية الجنوبية لا تفقد مشروعيتها إذا خاضت قوات جنوبية معركتها ضمن إطار وطني يعرّف الحوثي باعتباره جماعة مسلحة مناهضة للدولة ومهددة للسلام والأمن والاستقرار. بل إن إبقاء المعركة في هذا الإطار قد يكون شرطًا لحماية المقاتل نفسه من إعادة تصنيفه باعتباره طرفًا في حرب انفصالية أو نزاع جهوي. وفي المقابل، فإن رفع مقومات الغطاء عن المقاتل الجنوبي في الخطاب، سيعيد بالضرورة تعريف المعركة بوصفها حربًا جنوبية على الشمال، وهو ما سيخلق ثلاث نتائج متزامنة: إرباك الغاية العسكرية، وتفكيك الثقة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتزويد الحوثي بسردية تعبئة مضادة تقول إن هزيمته ستؤدي إلى تفكيك الشمال أو تمكين مشروع انفصال آخر، وربما اشتغل على سردية أخرى خاصة بالمتلقي الجنوبي، مفادها أن هزيمة الحوثي تعني بالضرورة نهاية القضية الجنوبية، والسردية الأخيرة يعمل عليها بكثافة في الوسط الجنوبي، ومن خلال بعض الشخصيات والكتاب الانفعاليين والعاطفيين جدًا.
وهنا لا يقرر المقال أن الخطاب الجنوبي كان هو العامل الوحيد في تعثر الجبهات بعد عام 2015. وإنما يقدّم تحليلًا مشروطًا يشرح كيف أن تعريف الحرب ونوعية الخطاب يوسّع أو يضيّق مجال قبولها سياسيًا وقانونيًا، ويقترح فصلًا وظيفيًا بين المسار العسكري والمسار السياسي: القضية الجنوبية تُناقش سياسيًا، أما المعركة مع الحوثي فلها هدف عسكري محدد، وتلتقي حولها كل القوى المحلية والإقليمية والدولية، وبكل منطلقاتها التأسيسية والتشريعية، وبالتالي لا ينبغي أن تتحول إلى استفتاء مسلح على شكل الدولة.
أولًا: مدخل إلى المشكلة:
ليست الراية في الحروب مجرد قطعة قماش، كما أن الشعار ليس مجرد عبارة تعبئة عاطفية. فالراية تحدد، في الوعي العام، من يقاتل، وضد من، ولأية غاية، وتحت أية مرجعية، ومن ثم فإنها تؤثر في قابلية الحرب للفهم والقبول والتأييد. قد يبدو الفرق بين القول إن «القوات الجنوبية تقاتل الحوثيين» والقول إن «الجنوب يقاتل الشمال»، فرقًا لغويًا، لكنه في الحقيقة فرق في تعريف القضية كلها.
في الصياغة الأولى يكون الحوثي هو العدو المحدد، وتكون المهمة هي مقاومة جماعة مسلحة تنازع مؤسسات الدولة سلطتها، وتهدد السكان والبنية التحتية وحرية الملاحة والاستقرار الإقليمي. أما في الصياغة الثانية، فيصبح الانتماء الجغرافي هو محور النزاع، ويغدو الشمال كتلة واحدة في مقابل الجنوب، بما يلغي الفوارق بين الحوثي وخصومه الشماليين، وبين الجماعة المسلحة والمجتمعات التي تعيش تحت سلطتها أو تعارضها.
المسألة إذن ليست دعوة إلى إنكار الجنوب أو مصادرة قضيته، وليست مطالبة للجنوبي بالتخلي عن هويته. المسألة هي: هل تخدم الراية السياسية الغاية العسكرية -في هكذا مرحلة- أم تعيد تعريفها على نحو يضر بها؟ وهل يمكن لقوة مقاتلة أن تحمل قضية سياسية خاصة؟ وتؤدي في الوقت نفسه مهمة عسكرية ذات إطار وطني وإقليمي ودولي أوسع؟
الإجابة المنهجية هي نعم، بشرط التمييز بين مستويات الفعل. فالجندي قد يكون جنوبي الهوية، ومؤيدًا للقضية الجنوبية، لكنه يقاتل الحوثي بوصفه خصمًا عسكريًا يهدد اليمنيين جميعًا، بل الإقليم والعالم. وسيبقى بلا أي تناقض بين المستويين، بل بالعكس سيضيف قوة منطق خطابي إلى قوة القضية نفسها، وهو ينتظم مع الموقف اليمني والعربي والإسلامي والدولي في موقف من هكذا جماعة مارقة، ومادام كل مستوى يؤدي وظيفته ولا يزيح الآخر.
فالخطاب الذي يقدم القوات الجنوبية على أنها تخوض حربًا ضد الشمال، أو يحرض المقاتل الجنوبي بالتوقف على الحدود، أو يجعل الانتصار العسكري إعلانًا مسبقًا عن نتيجة دستورية وسياسية، لن يضمن للقوة غطاءً دستوريًا؛ لأن شكل الدولة لا يُحسم بمجرد الشعار أو التقدم العسكري. ولن يضمن غطاءً قانونيًا؛ لأن التوصيف الجهوي لا يمنح حصانة من قواعد القانون الدولي الإنساني ولا من المسؤولية عن الأفعال المرتكبة. ولن يضمن غطاءً سياسيًا؛ لأنه يضعف صلة المهمة بالإطار الوطني وبالهدف القومي والعربي والإسلامي المشترك في مواجهة الحوثي. كما أنه لن يوفر غطاءً اجتماعيًا؛ بل على العكس من ذلك سيوحّد قطاعات واسعة من المجتمع الشمالي بل والجنوبي ضد الجنوب وضد القوات الجنوبية نفسها، بما في ذلك قوى لا تنتمي إلى الحوثي أو لا تتفق معه.
ولا يقف الأثر عند الداخل اليمني. فحين تُقدَّم الحرب بوصفها مشروعًا جنوبيًا لتقسيم اليمن، فإن الخطاب قد يضيّق الغطاء الإقليمي والدولي للقضية بدل أن يوسعه، ويدفع الأطراف الخارجية إلى التعامل معها بوصفها عامل تفكيك إضافيًا في دولة ممزقة، لا بوصفها قضية حقوق ومظالم قابلة للمعالجة السياسية. وهنا تتشكل معادلة خطرة: خطاب يظن أصحابه أنه يوحّد الجنوب، يعمل عمل عكسي فيوحّد في المقابل قطاعات من الجنوب والشمال ضد الجنوب، ويجمع قوى محلية متعارضة، ويزيد تحفظ الإقليم والمجتمع الدولي، ضد مشروع الجنوب أو على الأقل ضد طريقته في طرح نفسه، وتقديم قضيته، ومن هنا قلت مرارًا وتكرارًا إن هكذا خطابًا هو معاق في ذاته ومعيق لغيره.
والأخطر أن هذا الخطاب يلتقي، من حيث النتيجة، مع السردية الحوثية التي تقوم على: أن التحالف والقوى المناهضة له يريدون تقسيم اليمن والسيطرة عليه. ومع تصاعد هكذا خطاب انفعالي من قوى جنوبية يجعل المعركة حربًا جنوبية على الشمال، أمكن للحوثي أن يقدمه دليلًا دعائيًا على صحة روايته، وأن يقول للمجتمع الشمالي: إن الخطر الأخطر لا يأتي من الحوثي، بل من مشروع يستهدف وحدتكم وأرضكم ومستقبلكم. وبذلك لا يعود الخطاب الجنوبي المتطرف مجرد تعبير داخلي؛ بل يتحول إلى مادة تعبئة يستفيد منها الحوثي في إطالة الحرب وتوحيد خصومه حول الخوف من الجنوب.
وهنا لا أدعو إلى إخفاء المظالم الجنوبية أو مصادرة الذاكرة السياسية، بل تحذير من أن الخطاب الذي لا يوفر غطاءً دستوريًا ولا قانونيًا ولا سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا إقليميًا ولا دوليًا ولا أخلاقيًا؛ سيتحول تلقائيًا إلى عبء على القضية نفسها. فالقضية التي تريد كسب التعاطف تحتاج إلى توسيع دوائر الفهم والتفاهمات، والقبول وقبول بالانتباه من المخاطر والتابوهات، لا إلى دفع المختلفين معها إلى الاصطفاف ضدها. وكلما اتسعت دائرة من يشعرون بأن الجنوب يهدد وجودهم أو مستقبلهم، ضاقت فرص القضية الجنوبية في أن تُطرح باعتبارها قضية حقوق وعدالة وترتيبات سياسية قابلة للتفاوض.
فالنتيجة المنطقية إذن ليست أن الجنوب يجب أن يتخلى عن رايته أو قضيته، بل أن يختار لكل مقام مقالًا وخطابًا مناسبًا: راية سياسية تعبّر عن الهوية والمطالب، وراية عسكرية تحدد العدو والهدف والقواعد. فمن الغباء أن يعتقد البعض أن هكذا خطابًا يخدم توحيد الجنوبيين حول قضيتهم؛ ويتجاهلون أنه بالضرورة وقبل ذلك سيوحد الكثير من الجنوبيين مع الشماليين والإقليم والمجتمع الدولي ضد القضية، لا باعتبارها غير عادلة في أساسها، وإنما باعتبار محاميها يصطف ويستخدم القضية في تخادم ولو غير مقصود مع العدو المشترك للأمة؛ في حين أن المصلحة الاستراتيجية هي كسب أكبر قدر ممكن من هؤلاء إلى جانب حق الجنوب في النقاش السياسي، أو على الأقل تحييدهم ومنع تحويلهم إلى جبهة مضادة للجنوب وقضيته.
ثانيًا: الإطار المفاهيمي: ثمة أربعة أشياء لا يجوز دمجها:
1. هوية المقاتل:
الهوية وصف اجتماعي وتاريخي وثقافي وسياسي. وقد يكون المقاتل جنوبيًا في انتمائه، أو قبليًا، أو مناطقيًا، أو مؤيدًا لمشروع سياسي محدد. لا تملك المؤسسة العسكرية أن تمحو هذه الانتماءات، ولا تحتاج إلى ذلك كي تحدد مهمتها. لكن هوية المقاتل لا تكفي وحدها لتعريف طبيعة الحرب؛ فالأفراد قد ينتمون إلى جماعة واحدة ويقاتلون في مهام مختلفة، وقد يشاركون في مهمة مشتركة رغم اختلاف مشاريعهم السياسية النهائية.
2. القضية السياسية:
القضية الجنوبية تتصل بتاريخ الوحدة، واختلالات السلطة والثروة، ومظالم سياسية واقتصادية واجتماعية، وبالسؤال المتعلق بشكل الدولة ومستقبلها. وهذه مسائل مشروعة للنقاش السياسي والتفاوض والتسوية، وقد تتخذ أجوبة متعددة: استعادة الدولة، إصلاح الدولة، أو اللامركزية، أو الفيدرالية، أو الكونفدرالية، أو الأقاليم، أو تقرير مصير، أو أي شكل سياسي آخر يتوافق عليه اليمنيون عبر مسار مشروع.
لكن مشروعية القضية السياسية لا تعني أن كل عملية عسكرية تُخاض باسمها، ولا أن تحرير منطقة من الحوثيين يساوي تلقائيًا حسم شكل الدولة. نقل القضية من مجال السياسة إلى ميدان السلاح يجعل المعركة العسكرية محمّلة بنتيجة لم تُحسم سياسيًا، ويحوّل الانتصار العسكري إلى نزاع سابق لأوانه حول ترتيبات ما بعد الحرب.
3. طبيعة المهمة العسكرية:
المهمة العسكرية تحتاج إلى عدو محدد، وغاية قابلة للقياس، وتسلسل قيادة، وقواعد اشتباك، ومسؤولية قانونية. وعندما تكون المهمة هي قتال الحوثي، فإن معيار النجاح هو إضعاف قدرته على السيطرة والعنف وتهديد السكان والممرات البحرية، واستعادة الأمن والمؤسسات ضمن إطار سياسي قانوني شرعي ومشروع وطني إقليمي دولي قابل للتسوية.
أما إذا صارت المهمة المعلنة هي «قتال الشمال»، فهذه ليست عملية ضد جماعة مسلحة محددة، بل ضد جماعة بشرية وجغرافية واسعة، وهو تعريف لا يميز بين المقاتل والمدني، ولا بين الحوثي وخصومه، ولا بين من يرفض مشروعه ومن يعيش تحت سلطته. لذلك فهو تعريف تعبوي خطير، لا تقبله الظروف الموضوعية اللازمة والملازمة، ولا تقره القوى الفاعلة في المعركة ضد المشروع الإيراني في اليمن، فضلًا عن كونه ضعيفًا من الناحية القانونية والأخلاقية والسياسية، وإلى كونه يمثل سلوكًا انتهازيًا للظرف التاريخي وابتزازيًا وغير أخلاقي.
4. السند السياسي والقانوني:
كما أن كل المستندات الوطني في التأسيس للحرب ضد الحوثي منذ عاصفة الحزم وحتى الآن، وقرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، ومنها القرار 2216 لعام 2015 ونظام العقوبات المنشأ بموجب القرار 2140، لا تمنح كل قوة مسلحة تفويضًا مفتوحًا لفعل ما تشاء، ولا تعفي أي طرف من القانون الدولي الإنساني. وهي إلى جانب مواقف الأمم المتحدة والإطار الإقليمي، تضع النزاع في سياق يتعلق بوحدة اليمن بشكل صريح، والسلطة المعترف بها، وتهديد السلام والأمن والاستقرار، والتدابير المفروضة على أفراد وكيانات محددة.
وفي 28 فبراير 2022 أُدرج الحوثيون ضمن قائمة التدابير المتعلقة بحظر الأسلحة المستهدف بموجب القرار 2624، مع إسناد ذلك إلى أفعال تهدد السلام والأمن والاستقرار، تشمل الاعتداء على المدنيين والبنية التحتية، وتجنيد الأطفال، وعرقلة المساعدات، والهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وفق الملخص الرسمي للجنة مجلس الأمن. هذه الوقائع تمنح تعريف الحوثي بوصفه تهديدًا أمنيًا وسياسيًا، مجالًا أوسع للفهم الدولي من تعريف الحرب بوصفها صراعًا جنوبيًا شماليًا، وبالتالي أية سردية جنوبية تتجاوز وتقفز على هذه المقاربات القانونية والدولية تلقائيا تصب في مصلحة الحوثي، وتطيل أمد الحرب وتلحق الضرر بالقضية الجنوبية، وتضعف الخطاب الجنوبي لاحقا في أية تسوية.
ومن هنا كان لا بد من التشديد على خطورة الخطاب الذي يرفع الغطاء الشرعي والدستوري والقانوني والأخلاق والسياسي والاجتماعي والاقليمي والدولي عن القوات الجنوبية المقاتلة والتي تحرز تقدمًا ملحوظًا وانتصارات في مختلف الجبهات، خصوصًا أنها ستكون في المقابل دون أي غطاء، وستصبح كأنها مجرد قوات يقدمها الخطاب الجنوبي النزق على أنها عصابات انتقامية لا تمتلك أية شرعية ولا مشروعية ولا مشروع، يفترض أن يجعلها في وضع طبيعي ومفهوم في سياق الحرب ضد مشروع إيراني عبثي في المنطقة برمتها، وسيقدم الجنوب أرضًا وإنسانًا على أنه مجرد انطوائي مسكون بالأنانية السياسية، ومفعم بالانفعالات وانعدام الاتزان، ومعزول عن هموم الأمة العربية والإسلامية بل والإنسانية.
ثالثًا: درس 2015: كيف دخلت السياسة إلى قلب الجبهة؟!
أظهرت حرب 2015 أن القوات الجنوبية والمقاومة المحلية كانت في مقدمة القتال ضد الحوثيين وحلفائهم، وأنها أسهمت في استعادة عدن ومناطق واسعة من الجنوب ضمن سياق أوسع ارتبط بالحكومة المعترف بها دوليًا والتحالف الذي تدخل عسكريًا في مارس من ذلك العام. وفي الوقت نفسه كانت جبهات مأرب والجوف والبيضاء وتعز تعتمد على تشكيلات محلية وقبلية وعسكرية متعددة، لكل منها حساباتها وقراءتها لمستقبل اليمن.
كان هذا التنوع قابلًا للإدارة مادامت الغاية المشتركة هي وقف تمدد الحوثي أولًا، ولاحقًا القضاء عليه. لكن بعد استعادة أجزاء واسعة من الجنوب ووصول خطوط القتال إلى تخوم الشمال، دخل سؤال (ما بعد الحوثي؟) إلى قلب المعركة قبل أن تنتهي المعركة نفسها. فلم يعد المقاتل في بعض الجبهات يسأل فقط: كيف نهزم الحوثي؟ بل بدأ يسأل: لمن تذهب نتيجة هذا التقدم؟ وهل يؤدي انتصاري العسكري إلى تمكين مشروع سياسي قد يغيّر شكل الدولة على نحو لا أقبله؟
وهنا بالطبع لا يجوز تحويل هذه الملاحظة إلى اتهام سببي مبسط. فتوقف الجبهات أو تعثرها نتج عن عوامل متعددة، منها ضعف التنسيق، وتعدد مراكز القرار، وتضارب مصالح الرعاة الإقليميين، والموارد، والجغرافيا، وتصفية حسابات بين النخب والكيانات، وطبيعة الحرب نفسها. لكن ذلك لا يلغي أن الخطاب الجنوبي كان عاملًا سلبيًا مؤثرًا في إرباك الجبهات وهز الثقة والتعبئة والاستعداد للتضحية.
حيث تشير دراسات عن الحرب اليمنية إلى أن المعسكر المناهض للحوثيين كان شديد التعدد، وأن الفاعلين الإقليميين دعموا حلفاء محليين ذوي مصالح متباينة، بما أدى إلى تجزؤ السلطة وظهور مراكز نفوذ متوازية. وفي مثل هذا السياق، يصبح الخطاب الذي يطمئن الشركاء إلى غاية مشتركة عامل قوة، بينما يصبح الخطاب الذي يعلن أهدافًا متعارضة عامل كلفة، حتى لو كان صادقًا في التعبير عن قضية أصحابه.
رابعًا: آلية التأثير: كيف تخون الشعارات التضحيات
وهنا يمكن شرح الأثر عبر سلسلة سببية من خمس حلقات:
1. إعادة تعريف العدو: من كونه الحوثي، وبوصفه جماعة مسلحة إلى «الشمال» بوصفه فضاءً بشريًا وسياسيًا.. وهذه أول خيانة ترتكبها الشعارات الجوفاء الجنوبية في حق التضحيات الجنوبية نفسها.
2. إعادة تعريف الغاية: حيث انتقل الهدف من استعادة الدولة وإنهاء الحوثي إلى فرض نتيجة سياسية مسبقة بالقوة.. وتلك خيانة ثانية ترتكبها الشعارات الجوفاء الجنوبية في حق التضحيات الجنوبية نفسها.
3. تآكل الثقة: يخشى الشريك الشمالي أو المحلي أن تكون مشاركته العسكرية طريقًا إلى تمكين خصم سياسي آخر.. وهذا تخادم ربما غير مقصود ارتكبته الشعارات الجوفاء الجنوبية في حق التضحيات الجنوبية نفسها.
4. تغيير الحاضنة: حيث تحولت المواجهة مع الحوثي من قضية دفاع مشترك تمس الأمن الوطني والدفاع القومي، إلى قضية مناطقية، فضاقت دائرة المتعاطفين والمجندين والداعمين، وتشتيت لجهود الحلفاء، وهذه خدمت الحوثي بشكل كبير وأطالت أمد الحرب والصراع، وكانت الشعارات الجوفاء الجنوبية عنصرًا فاعلًا فيها، ما أدى لهدر التضحيات الجنوبية نفسها.
5. منح الحوثي سردية بديلة: يستطيع الحوثي أن يقول إن المعركة ليست دفاعًا عن اليمنيين في مواجهة جماعة مسلحة، بل مشروع جنوبي يستهدف الشمال، وهذا واضح في الخطاب الحوثي، وله ما يبني عليه من الخطاب الجنوبي؛ وهو ما يمثل خدمة علنية مباشرة ارتكبها الخطاب الجنوبي المتطرف، وصبت بشكل مباشر في صالح الحوثي، وأهدرت الكثير من التضحيات الجنوبية نفسها.
بهذه الطريقة لا يحتاج الحوثي إلى إقناع كل خصومه بأنه محبوب أو شرعي؛ يكفي أن يزرع الخوف من نتائج هزيمته. فإذا اقتنع مقاتل أو مجتمع بأن سقوط الحوثي سيؤدي حتمًا إلى تفكيك الدولة أو إقصاء جماعته، فقد تتراجع حماسته للقتال، لا حبًا بالحوثي، بل خوفًا من البديل الذي يصوّره الخطاب المنافس.
وهنا المفارقة الاستراتيجية: قد يقصد الخطاب الجهوي رفع معنويات أنصاره، وإشعال جذوة القضية، لكنه قد يخفض معنويات شركائه، وقد يزيد صلابة خصمه، وقد يحول الانتصار على الحوثي من مصلحة مشتركة إلى مخاطرة سياسية بالنسبة إلى أطراف أخرى.
خامسًا: تطبيق الإطار الثلاثي: المتاح/ والممكن/ والمحتمل:
أ. المتاح: ما الذي يمكن البناء عليه الآن؟
المتاح هو وجود قضية جنوبية ذات حضور سياسي واجتماعي، ووجود قوى جنوبية ذات خبرة ميدانية، ووجود تهديد حوثي مستمر، ووجود إطار يمني وإقليمي ودولي يتعامل مع النزاع بوصفه أزمة دولة وحربًا تهدد السلم والأمن والاستقرار. كما أن المتاح هو تعدد القوى المناهضة للحوثي، وهو واقع لا يمكن تجاهله أو اختزاله في قيادة واحدة أو هوية واحدة.
وبالتالي لا بد من الاستخدام الرشيد لهذا المتاح يقتضي صياغة مهمة عسكرية مشتركة: قتال الحوثي، حماية المدنيين، استعادة الأمن، ومنع تحويل المناطق المحررة إلى ساحات صراع داخلي. وفي الوقت نفسه لا يلغي هذا المتاح، حق الجنوبيين المتاح في تنظيم مطالبهم السياسية والتعبير عنها، لكن عبر القنوات السياسية المنفصلة عن التعريف العسكري المباشر للمعركة، ووفق الظروف الموضوعية اللازمة والملازمة، التي لا بد منها لاحقًا.
ب. الممكن: ما السياسة التي تحمي القضية والمعركة معًا؟
الممكن هو بناء ازدواج منضبط: أية راية سياسية تعبّر عن القضية الجنوبية في المجال السياسي بشكل واعٍ ومنضبط -وهو متاح، بل حاضر وبقوة- وراية عملياتية أو وطنية مشتركة، تشارك بفاعلية في المهمة العسكرية الوطنية والعربية ضد الحوثي. وبهذا تضمن القضية استمرار وجاهتها وعدالتها وصدارتها من خلال حضور رموزها وخطابها المنضبط؛ ومنع استخدامها بوصفها إعلانًا أن العدو هو الشمال كله أو أن المعركة حُسمت لصالح صيغة دستورية لم يتوافق عليها اليمنيون بعد.
وهذا يقتضي تواضعًا أو تواطؤًا إعلاميًا وسياسيًا على مبادئ واضحة:
• تسمية الحوثي بوصفه الخصم العسكري المحدد، لا تسمية عنصرية ولا منطقة ولا جماعة بشرية كاملة.
• التأكيد أن قتال الحوثي لا يساوي حسم شكل الدولة أو مصادرة القضية الجنوبية.
• طمأنة الشركاء في الشمال إلى أن هزيمة الحوثي ليست هزيمة لهم ولا مشروعًا للانتقام منهم، ولا تمثل انتهازية ولا ابتزاز لتصفية الحساب التاريخي مع الوحدة من حيث هي فاشلة.
• ربط القوات بهيكل قيادة ومسؤولية واضحين، مع احترام القانون الدولي الإنساني، وعدم رفع الغطاء الاعلامي والسياسي والقانوني عنها.
• فتح مسار سياسي موازٍ للقضية الجنوبية بدل تحميل الجبهة العسكرية مهمة حلها، وهو المعول عليه من خلال الحوار الجنوبي الجنوبي المزمع في الرياض.
ج. المحتمل: ثلاثة سيناريوهات:
- السيناريو الأول: تمايز وظيفي بين المسارين.
تقاتل القوات الجنوبية الحوثي ضمن غاية عسكرية مشتركة، وتطرح القوى الجنوبية قضيتها سياسيًا. النتيجة المحتملة هي توسيع الحاضنة وتقليل مخاوف الشركاء ورفع قابلية القضية الجنوبية للدخول في تسوية لاحقة بوصفها مطلبًا سياسيًا لا نتيجة مفروضة بالسلاح أثناء الحرب.
- السيناريو الثاني: ازدواجية خطابية غير مستقرة.
يُستخدم خطاب وطني في البيانات الرسمية، بينما تنتشر في الميدان والمنصات لغة تصف الحرب بأنها جنوبية شمالية. النتيجة المحتملة هي تضارب الرسائل، واستمرار الشكوك، وصعوبة إقناع الشركاء الدوليين بأن الغاية المعلنة هي الغاية الفعلية على الأرض.
- السيناريو الثالث: جهونة المعركة صراحة.
تُرفع راية الجنوب بوصفها التعريف العسكري الكامل، وتُعلن الحدود الجغرافية والسياسية للقتال، ويُصوَّر التقدم شمالًا كاعتداء على الجنوب أو العكس. النتيجة المحتملة هي تفكك المعسكر المناهض للحوثي، وانكماش الغطاء السياسي، وتوسيع قدرة الحوثي على التعبئة وكسب مزيد من التحالفات مع القوى التقليدية بل والحديثة ضد الجنوب، وفتح نزاع جديد قبل حسم النزاع القائم.
الرسالة الأهم هي أن القوة لا تأتي دائمًا من رفع أكثر الرايات خصوصية، بل من اختيار الراية التي تجمع أكبر عدد من المتضررين حول عدو محدد وغاية قابلة للتوافق. وقد يكون الحفاظ على الإطار الوطني والدولي أحيانًا أكثر حماية للقوة الجنوبية من أي إعلان استقلال مهمتها العسكرية وانفصالها عن ذلك الإطار.
ختامًا:
يجب أن ندرك جيدا أن المعركة لا تُحسم بالسلاح وحده؛ بل لابد بالضرورة من المعنى الذي يقتنع به المقاتل، وبالرواية التي يصدقها المجتمع، وبالصفة التي يقبل بها الإقليم والعالم، بشأن القوة التي تحمل السلاح. ولهذا فإن الخطاب ليس غلافًا خارجيًا للبندقية، بل جزء من فاعليتها ومن حدود مشروعيتها.
وبالتالي فالقضية الجنوبية لا تحتاج إلى أن تُحمّل البندقية كل أعبائها، كي تثبت وجودها، بل قد تكون أكثر قدرة على حماية نفسها عندما تظل قضية عادلة واضحة، فيما تؤدي القوات الجنوبية مهمتها العسكرية ضد الحوثي ضمن تعريف أوسع يحمي المقاتل من العزلة ويمنع الخصم من إعادة تصنيف الحرب.
فالجنوبي يستطيع أن يقول، دون تناقض: أنا جنوبي في هويتي، وجنوبي في قضيتي، ويمني في معركتي ضد الحوثي، وعربي ضد مشروع إيراني وقومي ضد مشروع دخيل على المنطقة.. الخ هذه ليست ازدواجية، بل دقة في توزيع المستويات السياسية والقانونية والعسكرية.
أما الخطر فهو أن تتحول الراية السياسية إلى تعريف حصري للعدو، وأن يُطلب من العالم التعامل مع المعركة بوصفها مواجهة مع الحوثي، بينما يعلن الخطاب في الوقت نفسه أنها حرب على الشمال. عندها لا يرفع الخطاب معنويات البندقية، بل يخونها ويهدر كل جهودها، ويرفع عنها الغطاء الشرعي الذي تحتاج إليه.
الخلاصة المكثفة والعملية هي:
لا تخن شعاراتكم تضحيات الرجال، ولا تجعلوا من الخلاف على راية المعركة هدية استراتيجية للحوثي؛ أسقطوا سرديته قبل أن تسقطوا جبهته، واحموا القضية الجنوبية بفصلها عن المهمة العسكرية، لا بتركها أسيرة لخطاب دوغمائي انفعالي لطالما الحق الضرر بالجنوب وقضيته العادلة عبر تاريخه، ولا بد من وحدة الجبهات لحماية التضحيات.
*رئيس مجموعة الحياد الإيجابي



