كيف غيّرت الجغرافيا مسار الحرب في اليمن؟
لم يعد السؤال هو من يسيطر على صنعاء، أو أي فصيل يسيطر على هذه المدينة أو تلك، بل من يستطيع بسط نفوذه على أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
لا تغيّر الحروب موازين القوى فقط عندما تسقط المدن؛ بل تتغير أيضاً عندما تكتسب الجغرافيا قيمة جديدة. وهذا تحديداً ما حدث في اليمن، ولا سيما على ساحله الغربي. فقد حوّلت اثنتا عشرة سنة من الحرب والصراع معركة الحوثيين من صراع يمني على السلطة إلى معضلة جيوسياسية تتمحور حول أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

أثار استيلاء الحوثيين مجدداً على المناطق المحاذية لمضيق باب المندب موجة من القلق في الأسواق العالمية، وأطلق سلسلة من ردود الفعل والمخاوف. لكن لم يمضِ أقل من شهر حتى أطلقت الحكومة اليمنية، بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية، هجوماً مضاداً واسعاً أطلقت عليه اسم «عملية فجر اليمن». وقد عكست سرعة الاستجابة حجم القلق، ليس لدى السعودية وحدها، وإنما لدى أطراف دولية أخرى أيضاً، الأمر الذي لم يمنح الحوثيين وقتاً كافياً لترسيخ مكاسبهم أو استثمار تقدمهم في المناطق الريفية من محافظة تعز.
ورغم أن الهدف الاستراتيجي المعلن للعملية هو استعادة صنعاء، فإن مرحلتها الافتتاحية بدأت أساساً من الساحل الغربي. والهجوم المضاد، في جوهره، محاولة لاستعادة أراضٍ من شأن استمرار سيطرة الحوثيين عليها أن يخلق مشكلة استراتيجية خطيرة للتجارة العالمية والأمن البحري.
وفي الوقت نفسه، قد تتيح التطورات الأخيرة فرصة أمام الأطراف الدولية لإعادة تعريف الصراع اليمني الممتد وإعادة تشكيل الديناميات العسكرية والسياسية الداخلية التي أبقت الحرب مستمرة لسنوات.
على مدى 12 عاماً، كان الفهم السائد أن الصراع في اليمن يدور حول السيطرة المركزية: فمن يسيطر على صنعاء يمتلك مفاتيح الدولة، ويسيطر على الجيش، ويستطيع التأثير في مستقبل البلاد. وكان الحوثيون طرفاً في هذا الصراع؛ جماعة مسلحة استولت بالقوة على صنعاء وأجزاء من شمال البلاد، وطورت علاقات عميقة مع إيران، واكتسبت القوة والقدرات التي مكّنتها من تهديد خصومها داخل اليمن وخارجه.
لكن تقدمهم الأخير واستيلاءهم على الساحل الغربي والمناطق المحيطة بباب المندب قلبا هذه المعادلة.
لم يعد السؤال هو من يسيطر على صنعاء، أو أي فصيل يسيطر على هذه المدينة أو تلك. السؤال أصبح: من يستطيع بسط نفوذه على أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ومن خلاله التأثير في التجارة الدولية وأمن البحر الأحمر وحسابات القوى الإقليمية والدولية؟
ومن ثم، فإن النفوذ الجيوسياسي للحوثيين لم يرتفع لأنهم أصبحوا أكثر قبولاً سياسياً، وإنما لأن الجغرافيا التي يسيطرون عليها جعلتهم أكثر أهمية بالنسبة إلى القوى التي تسعى إلى احتوائهم أو التفاوض معهم أو استثمار موقعهم.
وأصبحت قيمة الحوثيين مرتبطة بقيمة باب المندب، ذلك المضيق الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكّل ممراً بين آسيا وأوروبا. وهذا ما يجعل وجودهم العسكري في المناطق المحيطة به مختلفاً تماماً عن وجودهم في أي منطقة أخرى من اليمن.
ويبدو الآن أن الحوثيين يفقدون السيطرة على باب المندب، بعدما أعلنت القوات الحكومية استعادتها للمضيق.
فالذين يستطيعون تهديد باب المندب لا يسيطرون فقط على قطعة من اليمن، وإنما يمتلكون ورقة ثمينة في لعبة التجارة الدولية وأمن البحر الأحمر، بما يترتب على ذلك من تداعيات على مصالح واشنطن وموسكو وبكين والعواصم الأوروبية والرياض وطهران وتل أبيب ودول القرن الأفريقي.
الجغرافيا التي أعادت تشكيل موازين القوة
تعود جذور إعادة تشكيل موازين القوى هذه إلى الصراعات الداخلية في اليمن. فمنذ عام 2011، خلقت الانقسامات بين القوى السياسية اليمنية وسعيها وراء مصالح قصيرة الأجل بيئة استغلها الحوثيون للتوسع.
وكانت القوى الإقليمية والدولية تنظر إلى الصراع باعتباره مواجهة سعودية ـ إيرانية تجري على الأراضي اليمنية، متجاهلة دوافع الصراع الداخلية ودينامياته المحلية.
وبينما كان اليمنيون غارقين في ذلك الصراع، كانت القيمة الاستراتيجية لجغرافية اليمن تتغير يوماً بعد يوم.
بدأ تحول باب المندب والساحل اليمني عموماً إلى ورقة استراتيجية في يد الحوثيين قبل انخراطهم في حرب غزة وبدء هجماتهم على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن عام 2023.
ففي عام 2015، أصبح الساحل مركزاً للصراع اليمني. وشهد عام 2016 هجمات على سفن حربية أميركية، فيما تعرضت سفينة حربية سعودية وسفينة إماراتية لهجمات في عام 2017. وشهد العام نفسه توسعاً في الهجمات على أهداف تجارية ومنشآت مرتبطة بالطاقة.
وأصبح الأمن البحري، في عام 2018، تهديداً أكثر وضوحاً للتجارة وشحنات الطاقة، مع تعرض سفن تجارية سعودية وناقلة نفط سعودية لهجمات.
ما تغير في عام 2023 لم يكن اكتشاف الحوثيين للورقة البحرية، وإنما حجم قدرتهم على استخدامها. فقد حوّلوا تكتيكاً في الحرب اليمنية إلى مصدر نفوذ على حركة الملاحة العالمية.
وفي يوليو/تموز من ذلك العام، أعلن الحوثيون ما وصفوه بأنه حصار للسفن السعودية، وبدأوا مهاجمة السفن.
وكانت المنافسة الأوسع بين واشنطن وموسكو وبكين وأوروبا قد دخلت مرحلة جديدة. كما أن الحرب في أوكرانيا واتساع العلاقات بين إيران وروسيا فتحا أمام الحوثيين مجالاً أكبر للمناورة.
ويبدو أن الحوثيين يدركون أمراً لا يدركه خصومهم بالقدر نفسه: قيمة باب المندب لا تقتصر على اليمن.
معضلة واشنطن
لذلك، لا تستطيع واشنطن فصل الحوثيين عن باب المندب والتعامل معهم ببساطة باعتبارهم طرفاً آخر في الصراع الداخلي اليمني. فعندما تستطيع جماعة مسلحة تهديد الملاحة الدولية، فإن القضية تنتقل إلى مستوى مختلف تماماً.
ومعضلة واشنطن هي كيفية حماية الملاحة من دون تحويل البحر الأحمر إلى ساحة حرب مفتوحة.
وبناءً على طلب الحوثيين، تحركت واشنطن باتجاه تفاهمات مباشرة وسرية مع الجماعة، بما في ذلك ترتيبات تقضي بعدم استهداف كل طرف للآخر.
ونتيجة لذلك، يبدوا الموقف الأميركي من التطورات الأخيرة في اليمن غير واضح، فيما يُنظر إلى رفض واشنطن مساعدة السعودية في ضرب الحوثيين داخل الرياض باعتباره تخلياً عن حليف تقليدي.
لكن انسحاب واشنطن لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قبولاً بالهيمنة الحوثية على باب المندب.
فالولايات المتحدة تدرك أن السماح بتحول المضيق إلى منطقة نفوذ حوثية مستقرة قد يجعل من الصعب التراجع عن هذا الواقع الاستراتيجي. وفي المقابل، فإن الدخول في حرب مفتوحة وطويلة الأمد يمثل عبئاً سياسياً وعسكرياً لا ترغب واشنطن في تحمله.
لكن تصريح الرئيس ترامب بأن الهجوم المضاد على الحوثيين يسير بشكل جيد يشير إلى دعم أميركي للعملية، حتى إذا لم يشارك الأميركيون بصورة مباشرة في الضربات ضد الحوثيين.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للصحافيين: «الولايات المتحدة لديها اتفاق دفاع وأمن مع السعودية، ونعتزم الالتزام به»، في إشارة إلى أن مستوى الانخراط الأميركي قد يرتفع.
وقد أدى هذا التوتر إلى زيادة نفوذ الحوثيين، الذين لا يحتاجون إلى التحول إلى قوة دولية حتى يصبحوا طرفاً ذا تأثير دولي.
لكن للحفاظ على هذا النفوذ، ليس أمامهم سوى التركيز على السيطرة على الجغرافيا التي تمنحهم هذه القوة.
موسكو: ورقة للمساومة
تنظر موسكو إلى المسألة من منظور جيوسياسي أوسع.
فالعلاقة بين روسيا والحوثيين تطورت تدريجياً من حوار سياسي إلى تفاهمات جيوسياسية وأمنية وعسكرية، مدفوعة بعلاقات روسيا مع إيران وبمواجهة موسكو الأوسع مع الولايات المتحدة والغرب.
وبالنسبة إلى روسيا، يمثل الحوثيون ورقة للمساومة الإقليمية حول البحر الأحمر وباب المندب، من دون أن يتطلب ذلك من موسكو إعلان تحالف رسمي معهم.
وتتداول تقارير عن تنامي التعاون العسكري بين الجانبين.
وبالنسبة إلى الحوثيين، تقدم روسيا إمكانية الحصول على غطاء دبلوماسي والوصول إلى قدرات عسكرية متقدمة. أما بالنسبة إلى موسكو، فتمنحها العلاقة أداة إضافية لخلخلة حسابات الغرب.
الصين: مصالح تُدار لا تحالفات
الموقف الصيني مختلف.
فاهتمامات بكين الأساسية تتمثل في المصالح التجارية والأمن البحري والاتصالات السياسية، وقد استضافت قادة حوثيين.
ولدى الصين مصلحة أساسية في حماية تدفق التجارة والطاقة عبر باب المندب، ولذلك أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع الحوثيين، بالتوازي مع الحفاظ على علاقاتها بالحكومة اليمنية والسعودية وإيران.
إنها علاقة تقوم على إدارة المصالح أكثر مما تقوم على التحالف، رغم وجود تقارير تفيد بأن شركات صينية تزود الحوثيين بتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، تشمل أنظمة توجيه وطائرات مسيّرة.
كما أفادت تقارير إعلامية بأن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على تلك الشركات الصينية ورجال الأعمال اليمنيين المتورطين في هذه الأنشطة.
وتبقى إيران الداعم العسكري والتكنولوجي الأهم للحوثيين.
ففي حين تقدم روسيا دعماً جيوسياسياً ودبلوماسياً محتملاً، تمتلك الصين مصالح تجارية تفرض عليها التواصل مع أي طرف قادر على التأثير في الممر البحري.
ويبقى باب المندب القاسم المشترك بين الجميع.
أوروبا والبحر الأحمر
تواجه الحكومات الأوروبية معضلة مشابهة لمعضلة الولايات المتحدة في التعامل مع الحوثيين.
فهي تريد إبقاء البحر الأحمر مفتوحاً أمام التجارة، لكنها لا تريد خوض حرب مفتوحة جديدة بلا نهاية واضحة.
والنتيجة هي موقف يجمع بين حماية الملاحة واحتواء التهديد والإبقاء على القنوات السياسية مفتوحة.
لقد غيّرت حرب غزة بلا شك نظرة أوروبا إلى الحوثيين.
ففي الفترة التي سبقت الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، كانت بعض الحكومات الأوروبية تتبنى إلى حد كبير رواية الحوثيين بأن ما يجري هو حرب سعودية على اليمن، أو كانت على الأقل تبدي تعاطفاً معها.
وهذه الرواية ليست دقيقة؛ فالحرب هي صراع بين أطراف الحكومة اليمنية والحوثيين.
وفي عام 2018، قادت حكومات أوروبية الضغوط الدولية لوقف العملية التي قادتها السعودية لاستعادة مدينة الحديدة، في انعكاس لذلك النهج الأوسع.
لكن منذ أن بدأ الحوثيون مهاجمة السفن، تغيرت الحسابات.
فقد اعتقد البعض أن الهجمات مرتبطة بحرب غزة وستتوقف بانتهائها، لكن البحر الأحمر تحول بدلاً من ذلك إلى ساحة استراتيجية قائمة بذاتها.
وبالتالي، لم يعد السؤال أمام أوروبا هو ببساطة كيفية إنهاء اضطراب الملاحة، وإنما كيفية الحفاظ على الأمن البحري في مواجهة جماعة اكتسبت نفوذاً قوياً على ممر مائي استراتيجي.
السعودية: التحدي الجغرافي
السعودية هي الطرف الإقليمي الأكثر تأثراً بهذا التحول.
فقد أرادت الرياض الخروج من حرب اليمن، وسعت إلى تطبيع العلاقات مع إيران والحوثيين والتحول بعيداً عن اليمن.
وعكس تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022، والتحرك باتجاه «خارطة الطريق»، محاولة لإيجاد مخرج من الصراع، حتى في ظل غياب استراتيجية شاملة.
لكن أياً من ذلك لم يحقق النتائج التي توقعتها الرياض. فقد انسحب الحوثيون من خارطة الطريق والتنازلات التي تضمنتها، وانخرطوا بدلاً من ذلك في حرب غزة.
المشكلة لم تعد تتعلق بالحوثيين وحدهم؛ إنها مشكلة جغرافية.
فبالنسبة إلى السعودية، تمثل كل منطقة تقع تحت سيطرة الحوثيين تهديداً أمنياً. لكن المناطق المحيطة بباب المندب تضيف مستوى آخر من القلق الاستراتيجي إلى الحسابات السعودية، بالنظر إلى تداعياتها على الأمن القومي والاقتصاد السعودي.
ولهذا، ركز الخطاب السعودي في الآونة الأخيرة، وبصورة لافتة ومتزايدة، على إعادة تقديم قضية الحوثيين باعتبارها مسألة إقليمية ودولية تقع عند تقاطع الصراع مع إيران والأمن البحري وباب المندب، وليس مجرد مشكلة تخص السعودية وحدها.
وعلى الرغم من أن الخسائر الميدانية على الساحل الغربي وحول المضيق قد تكون كبيرة، فإن الرياض تدرك أهمية جعل المجتمع الدولي يرى ما يعنيه الواقع الجغرافي الجديد.
وهي تسعى إلى حشد الرأي العام الدولي وبناء تحالف عالمي ينظر إلى القضية من منظور أوسع.
إسرائيل وباب المندب
تبدو مخاوف إسرائيل واضحة ومباشرة. فقد أثبت الحوثيون قدرتهم على تهديد السفن المرتبطة بإسرائيل، والمساهمة في شل حركة الملاحة في ميناء إيلات، الميناء الإسرائيلي الوحيد على البحر الأحمر.
كما وصلت صواريخهم بعيدة المدى إلى الأراضي الإسرائيلية. وأصبح صناع القرار الإسرائيليون ينظرون إلى الحوثيين باعتبارهم تهديداً جدياً. ويحوّل وجود الحوثيين حول باب المندب هذا التهديد البعيد، بالنسبة إلى إسرائيل، إلى واقع ملموس.
لكن القضية لا تخص إسرائيل وحدها. فباب المندب يمثل تحدياً دولياً للأمن البحري، والدعوة إلى تشكيل تحالف دولي تعكس إدراكاً أوسع بأن أي استجابة مستدامة تتطلب جهوداً مشتركة من دول عديدة.
وتفرض الجغرافيا تقارباً غير مألوف في وجهات النظر: ترى إسرائيل في باب المندب تهديداً أمنياً مباشراً؛ وترى السعودية فيه تحدياً استراتيجياً؛ وترى أوروبا فيه مشكلة تتعلق بالأمن البحري؛ بينما تنظر واشنطن إليه باعتباره معضلة لا تريد حلها عبر خوض حرب مفتوحة جديدة…الجميع ينظر إلى الممر المائي نفسه، وإلى الخطر نفسه الذي يمثله الحوثيون هناك.
الضفة الأخرى: القرن الأفريقي
وعلى الجانب الآخر من باب المندب يقع القرن الأفريقي، حيث تزيد العلاقات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية من تعقيد المشهد.
وتشير تقارير إلى أن العلاقة تشمل اتصالات وتدريباً وتزويداً بالأسلحة والطائرات المسيّرة، إلى جانب شبكات تهريب وروابط مع عشائر مثل عشيرة إسحاق، ومع أطراف أخرى، من بينها قراصنة صوماليون.
ويمنح القرن الأفريقي الحوثيين ساحة إضافية للتحرك وبناء الشبكات والعلاقات.
وفي المقابل، قد توفر العلاقة مع الحوثيين لحركة الشباب إمكانية الوصول إلى الأسلحة وإلى شبكة واسعة من الاتصالات على الضفة المقابلة للبحر الأحمر.
وكانت حركة المهاجرين الأفارقة عبر البحر الأحمر مشكلة مزمنة ومقلقة بالنسبة إلى اليمن، لكنها تكتسب الآن بعداً جديداً. فلا يزال آلاف المهاجرين يصلون إلى اليمن كل شهر؛ وهو نمط يعود إلى ما قبل الحرب الحالية، وله جذور في انهيار الدولة الصومالية في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وفي الصراعات التي شهدتها مناطق أخرى من الإقليم.
ولا تكمن المخاوف في الهجرة بحد ذاتها، وإنما في احتمال ظهور شبكات تربط بين الجماعات المسلحة والمهربين وأطراف أخرى عبر البحر الأحمر. فوجود حركة مسلحة تمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وتعمل في الوقت نفسه على بناء علاقات مع جماعات مسلحة على الضفة الأخرى، يمثل تحدياً يصعب حصره داخل اليمن.
هل يتخلى الحوثيون عن ورقة باب المندب؟
كان هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً قبل الهجوم المضاد الحالي، في ظل التوتر الإقليمي وردود الفعل على التطورات الأخيرة.
عندما بدأ الحوثيون مهاجمة السفن في أعقاب حرب غزة، افترض كثيرون أن الهجمات ستتوقف بمجرد انتهاء الحرب.
لكن ذلك لم يحدث. بل اكتسب البحر الأحمر قيمة استراتيجية إضافية.
وحتى إذا تم التوصل إلى تسوية مع السعودية — وهو أمر يبدو مستبعداً الآن في ظل المعارك الحالية والاشتباكات على الأرض — فهل سيتخلى الحوثيون طوعاً عن أداة رفعت مكانتهم في حسابات القوى الكبرى؟ من الصعب تصور ذلك.
وبحسب مصادر مطلعة، طلب وسطاء دوليون من الحوثيين معرفة ما إذا كانوا مستعدين للتخلي عن مدينة المخا والمناطق الأخرى التي استولوا عليها مؤخراً مقابل الدخول في مفاوضات سياسية. وكان ردهم واضحاً ومباشراً: لا.
كان الحوثيون يسعون إلى تسوية تقوم على الحقائق الجديدة التي فرضتها الحرب على الأرض. وأرادوا العودة، من موقع قوة، إلى خارطة الطريق والبدء في تنفيذ ترتيبات تتعلق بالموانئ والمطارات وقضايا أخرى، بالتوازي مع السعي إلى إنهاء التدخل السعودي. لكن الهجوم المضاد غيّر المعادلة وأجهض فرص استئناف المحادثات، على الأقل في الوقت الراهن.
وهذا يختلف جذرياً عن العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل المواجهة الأخيرة.
فبالنسبة إلى السعودية، فإن قبول مثل هذه الشروط وسط التغيرات التي طرأت حول باب المندب يعني التفاوض في ظل ميزان قوى مختلف تماماً.
أما بالنسبة إلى الوسطاء الدوليين، فالتحدي أكبر: هل يمكن تحويل المكاسب العسكرية إلى تسوية سياسية من دون أن تتحول تلك المكاسب إلى اعتراف دائم بواقع استراتيجي جديد؟
ولهذا لم يكن أمام الرياض وحلفائها خيار آخر سوى شن هجوم واسع لوقف الحوثيين، الذين أرادوا استخدام باب المندب كسلاح على مستويات متعددة.
إيران: هرمز وباب المندب
إن استمرار إيران في تسليح الجغرافيا البحرية واستخدامها كسلاح يمثل جزءاً أساسياً من هذه المعادلة. فمضيق هرمز لطالما كان إحدى أهم الأوراق الاستراتيجية لطهران.
ومع قدرة الحوثيين على التأثير في باب المندب، ستمتلك إيران عملياً ورقة أخرى في الطرف المقابل من المنطقة.
ورغم أن المضيقين ليسا متماثلين، فإنهما معاً يؤكدان الأهمية الاستراتيجية للجغرافيا البحرية في الشرق الأوسط.
ومن شأن هذا الهجوم المضاد أن يقوّض خطط طهران، وربما يدفع وكلاءها في العراق إلى مهاجمة السعودية.
وكما شدد عبد الملك العجري، القيادي الحوثي البارز وعضو وفد الجماعة المفاوض في محادثات السلام، فإن أي هجوم أميركي جديد على إيران سيحوّل المنطقة إلى «برميل بارود»، مع تداعيات على النفط والأمن والاستقرار والبنية التحتية.
ولن تقتصر التداعيات على إيران. فإذا استمرت علاقات الحوثيين ونفوذهم في التوسع حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فقد يمتد الصراع إلى ما وراء السواحل اليمنية.
مفارقة يمنية
ربما تكون السمة الأكثر إثارة في اللحظة الراهنة أن بعض الأطراف اليمنية لا تزال تنظر إلى باب المندب من خلال العدسة القديمة للصراع الداخلي. ففي الوقت الذي تفكر فيه القوى الإقليمية والدولية في الأمن البحري والتجارة العالمية والجغرافيا السياسية، تنشغل بعض الفصائل اليمنية بما سيأتي بعد معركة المخا، ومن سينتهي به الأمر إلى حكم المدينة.
وهنا تكمن المفارقة:
العالم ينظر إلى باب المندب باعتباره رصيداً استراتيجياً دولياً، بينما لا يزال كثير من اليمنيين ينظرون إليه، أولاً وقبل كل شيء، باعتباره غنيمة في صراع داخلي.
لقد أدرك الحوثيون درساً أساسياً:
ليس عليهم إغلاق باب المندب للاستفادة منه؛ يكفي أن يهددوا بإغلاقه.
فمجرد إعلانهم استهداف السفن الإسرائيلية، كما حدث في عام 2024، أو السفن السعودية، كما بدأوا يفعلون هذا العام، كان كافياً لدفع شركات الشحن إلى تجنب المرور عبر المضيق.
ولا تحتاج جماعة قادرة على تعطيل حركة الملاحة العالمية إلى إغلاق المضيق بالكامل لاستخراج مكاسب سياسية.
يكفي أن تجعل الحكومات والجيوش وشركات الشحن والأسواق تضع تكلفة المرور في حساباتها.
هكذا تتحول الجغرافيا إلى قوة، ويتحول صراع محلي إلى مشكلة دولية.
هل يستطيع العالم التعايش مع هذه المخاطر؟
القضية، إذن، لا تتعلق فقط بما إذا كان العالم يستطيع التعايش مع واقع جديد فرضه الحوثيون، وإنما بما إذا كان يستطيع قبول واقع تصبح فيه سلامة الملاحة الدولية عبر باب المندب رهينة لنفوذ جماعة مسلحة تمتد طموحاتها إلى ما وراء حدود اليمن.
وتشير أحداث الساعات الأربع والعشرين الماضية إلى أن الإجابة هي: لا. فالدول الغربية تدعم عملية فجر اليمن، وكذلك باكستان وتركيا. وقالت مصادر إن خبراء في الطائرات المسيّرة من سوريا يدعمون أيضاً القوات الحكومية على الأرض.
وأعلن الجيش اليمني أن القوات، بدعم من عشرات الغارات الجوية التي نفذتها مقاتلات، تمكنت من تطويق الحوثيين واستعادة هذه المواقع الاستراتيجية.
وقد يكون هذا الهجوم المضاد، الذي يبدو أنه جاء بالسرعة نفسها تقريباً التي شن بها الحوثيون هجومهم للسيطرة على باب المندب الشهر الماضي، قادراً خلال أيام على استعادة جميع المناطق التي خسرتها القوات الحكومية وإنهاء السيطرة المباشرة للحوثيين على الممر البحري الاستراتيجي والجزر الاستراتيجية في البحر الأحمر. لكن قدرة الحوثيين على تهديد النشاط الملاحي في جنوب البحر الأحمر ستبقى قائمة.
فقدرتهم المستمرة على تهديد المضيق الاستراتيجي وتعطيل حركة الملاحة فيه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ستبقي على أهميتهم الجيوسياسية، على الأقل طالما ظلوا يسيطرون على مدينة الحديدة الساحلية الاستراتيجية وما تبقى من الساحل الخاضع لسيطرتهم.
السؤال، في الواقع، ليس من يسيطر على الأرض المحيطة بالمضيق، وإنما من يسيطر على «المخاطر» المرتبطة به.
وهذه هي القيمة الجديدة التي اكتسبها الحوثيون.
لكن السؤال الأهم والأكثر تعقيداً يبقى:
هل يستطيع العالم التعايش مع هذه المخاطر إلى أجل غير مسمى؟
ستكشف الأيام المقبلة إلى أي مدى ستمتد المعركة من أجل السيطرة على الساحل، وما الذي ستعنيه بالنسبة إلى استقرار بيئة الأعمال العالمية. والسؤال الأساسي هو: إلى أي مدى سيتقدم الهجوم المضاد؟ هل سيتوقف عند المخا، أم سيسعى إلى استعادة كامل الشريط الساحلي الخاضع حالياً لسيطرة الحوثيين؟
فالمسألة لا تتعلق بهذه المنطقة وحدها، وإنما أيضاً بقدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ من أي منطقة يسيطرون عليها باتجاه السفن التي تمر عبر المضيق، وهو ما سيظل يشكل تهديداً للتجارة البحرية. وهذا الاحتمال بدوره سيحدد إلى أي مدى تستطيع الرياض التعايش مع ما تعتبره تهديداً وجودياً.
هذا المقال نشر في مجلة نيولاينز الأمريكية
رابط المقال



