الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

في الذكرى الثالثة لوفاة جار الله..

ألم الفقد!

اللي اختطفوا فضلوا أحباب

صاحيين في القلب

كإن ما حدش غاب

من قصيدة العمه يامنه

عبد الرحمن الأبنودي

في مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات. توقف الزمن ووقفت معزولًا عنه.

توقفت الحركة من حولي مع توقف نبض قلب ابني جارالله.

جمال الجعبي وابنه جار الله
جمال الجعبي وابنه جار الله

المسار الذي قضيناه معًا في رحلة المرض كان محتوماً منذ البداية. رغماً عن رفض قبول مآلات هذا المسار من بداية العملية الجراحية في صنعاء إلى الجراحات والجلسات الكيماوي والإشعاع في الأردن وحتى الأيام الأخيرة في مدينة بنغالور في الهند..

كانت الكلمات القليلة التي استطعت كتابتها يومها مجرد إعلان في صفحتي في الفيسبوك "

ابني الحبيب جارالله يجاور الله في علياه. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بعد صراع ثلاث سنوات مع السرطان الخبيث. وجد الراحة والسكينة من الألم. لروحه السلام ولزوجتي وأخوه وأخته وجده وجدته وأمي وأخواتي وإخواني وأخواله العزاء والصبر والسلوان."

طوال ثلاث سنوات وحتى الآن عجزت عن الكتابة، عن الحديث، عن وصف ورسم ما يعنيه لي جارالله، صارت الكتابة عمل شاق مؤلم، وصار الحرف عصيّ ويخرج من الروح بعد أن كان لسنوات طويلة سهل وسريع السطر والترتيب.

وبقيت الصورة الأخيرة قبل موته بيومين في الحديقة المجاورة للسكن في بنغالور شاهداً على ختام رحلة الألم والعذاب والمعاناة التي أحالته إلى هيكل عظمي مبتور الساق على كرسي متحرك. عاجز وأنا وأمه بجانبه عاجزين.

قبلها بشهرين وبعد أن ظهرت نتائج فحوصات الأثر الناتج عن أحدث ما توصلت له الأبحاث الطبية لعلاج السرطان وهو العلاج المناعي، قالت لنا الطبيبة الهندية المختصة بأن النتائج ليست إيجابية وأنه من الأفضل أن تعودوا إلى بلادكم وهناك تودعوه ويودع محبيه فيما بقي له من أيام. كانت الكلمات مزيج من الخبرة الإنسانية التي تتعامل مع الحياة كما تتعامل مع الموت، والحكمة الهندية والإنسانية الممتدة لآلاف السنين، ناهيك عن الاستنتاجات الطبية المعروفة لدى أخصائي السرطان بأنواعه المختلفة. عندما أعود اليوم لكلمات تلك الطبيبة الهندية أجدها طبيعية، لكن الأمر يومها كان مختلف عندي حيث كانت حالة الإنكار للمحتوم مرتفعة.

جار الله مع جده علي سيف حسين
جار الله مع جده علي سيف حسين

طوال السنوات الثلاث من رحلة العلاج، وحدها أمه كانت تمدني بالقدرة على التماسك والتمسك بالأمل في القدرة على هزيمة السرطان، من الكيماوي إلى التعاويذ والأعشاب. ولكن من يستطيع أن يساندها وهي المكلومة والمحروقة، كان السند لكلينا ولجارالله هو جده علي سيف الذي كان يشملنا بحبه وحكمته والاندفاع للعلاج في أرقى مستشفيات العالم، من اللحظة الأولى كان حازماً في البحث والتواصل والذهاب إلى أفضل مراكز العلاج المتاحة في الأردن والهند وطلب الآراء من ألمانيا وأمريكا وتحمل النفقات بإصرار يتفق مع تعلقه بأول الأحفاد وأقربهم له.. ووقوفه بجانب بنته وابنه. ومرافقتنا طوال تلك الفترة وحتى المناوبة في المستشفى بجانب جارالله بوجودنا أو غيابنا.

اليوم عندما أعود لذكريات تلك الفترة العصيبة أجدها تتزاحم وتجعل الكتابة صعبة ومرهقة، وتتوقف عند بوابة المقبرة (خزيمة) التي اختارها جارالله لنفسه، وأرادها قريبة لأمه وجدته لزيارته.

يا الله ما أصعب الكتابة، ما أقسى التجربة، كلما أوغلت في التذكر والتدوين.

جمال محمد الجعبي

عدن 6 أكتوبر 2026