الإثنين 5 أكتوبر 2026

تعز... معركة الجغرافيا والرمز

منذ بداية الحرب، ظلت تعز واحدة من أكثر المدن اليمنية تمسكا بموقفها الرافض لسيطرة الحوثيين وعلى الرغم من سنوات الحصار والعمليات العسكرية، والتغيرات الميدانية التي شهدتها بعض المناطق المحيطة بها، فإن المدينة لم تخضع، ولا يزال أبناؤها يرون أن الدفاع عنها هو دفاع عن خيارهم السياسي ورؤيتهم لمستقبل اليمن .

واليوم تدفع تعز ثمن موقفها مرة أخرى، وكلما اشتدت المعارك، كان المدنيون هم أول الضحايا، وكانت الأحياء السكنية هي الساحة التي تراق فيها الدماء وما شهدته المدينة في الثلاثة الايام الاخيرة ولاتزال كان من أعنف موجات التصعيد، إذ حاول الحوثيون إطباق الحصار والتقدم نحو تعز من عدة محاور في توقيت واحد، ولا تزال الاشتباكات مستمرة حتى هذه اللحظةو المعارك قائمة بين كر وفر وبين تقدم وانسحاب وانتصار وسقوط..

لكن يبقى السؤال لماذا كل هذا الإصرار على إخضاع تعز؟ ولماذا كل هذا الحقد تجاه مدينة لم تطلب سوى أن تبقى حرة في قرارها؟

تعز ليست محافظة عادية في اليمن؛ إنها رمز للدولة المدنية، ومنارة للعلم والثقافة، ومدينة ارتبط اسمها بالتعدد والانفتاح والحياة لذلك فإن استهدافها لا يقتصر على كونه معركة عسكرية، بل يعكس استهدافا لفكرة وهوية وقيم تمثلها هذه المدينة .

يستميت الحوثيون في قتال تعز لسببين رئيسيين: أولهما جغرافي واستراتيجي، فالمحافظة تحيط بها سلسلة من الجبال والتلال التي تمنح من يسيطر عليها أفضلية عسكرية كبيرة، كما أن إحكام السيطرة على تعز يعزز قدرتهم على تأمين امتدادهم نحو الساحل الغربي، بما في ذلك المخا وباب المندب، ويمنحهم نفوذا أكبر على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في اليمن. أما السبب الثاني فهو معنوي ورمزي، فتعز ليست مدينة عادية في الوجدان الجمهوري، بل تعد أحد أبرز معاقل الجمهورية ومركزا تاريخيا للمقاومة المدنية والعسكرية. لذلك فإن سقوط تعز، إن حدث، سينظر إليه بوصفه ضربة قاسية للمشروع الجمهوري، وإضعافا لروح أنصاره والمدافعين عنه، فيما يمثل صمودها المستمر رمزا لاستمرار فكرة الدولة الجمهورية ومقاومة محاولات فرض واقع جديد بالقوة.

ما تخوضه تعز اليوم هو دفاع عن مفهوم الدولة التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون، وترفض احتكار السلطة أو الهوية أو الرأي، إنها تتمسك بيمن يتسع لجميع أبنائه، لا يمن تفرض فيه الوصاية على الناس باسم السلالة أو الجماعة أو المذهب. ولطالما حملت تعز قلما بين يديها، لكنها تجد نفسها اليوم مرغمة على حمل البندقية للذود عن الكرامة والعزة والجمهورية وقيم بناء الوطن. وفي خضم هذا الزخم الوطني، تخرج أبواق قادة حوثيين بين الحين والآخر بخطابات يدعون فيها إلى التسليم والاستسلام، ويزعمون أنهم دعاة سلم لا قتال لأبناء تعز، وأن المدينة ستكون آمنة إذا استسلمت وألقت السلاح لكن أي أمان هذا الذي يتحدثون عنه؟ وأي ثقة يمكن أن يمنحها اليمنيون لجماعة ارتبط اسمها، في نظر كثيرين، بسنوات من الحرب والاعتقالات ومصادرة الحريات وفرض الجبايات والضرائب، وإقحام المجتمع في فعاليات وشعارات لا يؤمن بها الجميع؟!

كيف يمكن أن يصدق أبناء تعز هذه الوعود، وهم يرون في مناطق سيطرة الحوثيين مواطنين بلا رواتب لسنوات، وآخرين يواجهون السجن لأنهم احتجوا على الجوع، أو لأنهم عبروا عن رأي مخالف، أو لأنهم حاولوا النجاة من الاعتقال أو التهديد؟

إن الأمن لا يبنى بالخطب، ولا يفرض بقوة السلاح وصوت الرصاص، ولا يتحقق بمجرد مطالبة الناس بالاستسلام، لكن الأمن الحقيقي يبدأ باحترام الإنسان وكرامته وحقه في التعبير والعيش دون خوف.

منذ اندلاع الحرب، كانت تعز واحدة من أكثر المدن التي قاومت محاولات إخضاعها، ورغم الحصار الطويل والقصف والمعاناة الإنسانية وسقوط بعض المناطق في مراحل مختلفة، بقيت المدينة متمسكة بموقفها، ولم تنجح كل محاولات الجماعة في كسر إرادة أهلها أو دفعهم إلى تسليم مدينتهم.

هكذا تبدو تعز اليوم: مدينة تُقصف أطرافها وتُقطع طرقها، تسقط بعضا من مناطقها ويُطلب من أهلها أن يختاروا بين الاستسلام والاستمرار في دفع الثمن، لكنهم لا يستسلمون، فالذين حملوا القلم قبل البندقية يعرفون أن ما يدافعون عنه ليس رقعة جغرافية، بل حقهم في أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.

وسيبقى السؤال معلقاً أمام كل من يملك قراراً أو صوتاً: إلى متى تترك تعز ويترك المدنيون وحدهم يدفعون كلفة هذه الحرب؟!

نسرين الذبحاني