رحيل المفكر الديمقراطي حيدر إبراهيم علي

رَحَلَ المُفَكِّر الدِّيمقراطي والإنسان حيدر إبراهيم علي. حيدر إبراهيم من أبناء السُّودَان، وَهَبَ حياته كُلَّهَا للعلم والثَّقَافة، والبحث عن الحُرِّيَّة، والدِّيمقراطية، والعدل.
يرحل هذا المُفَكِّر والعالم والباحث في ظِلِّ صمت عربي مطبق على الفكر والمفكرين، وعلى العلماء بعد تغييبهم وتشريدهم من أوطانهم، وتشريد الملايين من أبناء شعوبهم.
الشَّعب السُّودَاني الذي كان الأنموذج العربي والإفريقي للطيبة، والتآخي، والتَّسَامُح، والدِّيمقراطية، والازدهار، وموطن الصُّوفِيَّة، وَالتَّعدُّد، يتحول إلى مجازر، وحروب إبادة، وتدمير كُلِّ شيء جميل فيه، وَيُشَرَّد الملايين من أبنائه.
المُفَكِّر والباحث حيدر إبراهيم أصدَرَ العديدَ من الأبحاث والمقالات في مجلات، وصحف عَربِيَّة وعَالميَّة، ومؤلفاته كثيرة، وأصدر مجلة «كتابات»؛ لدَيَّ أعداد منها.
وكتابه «التَّيارات الإسلامية وقضيَّة الدِّيمقراطيَّة»، دراسة عميقة للتَّمييز بين مصطلح «الشُّورى الإسلامية» مُلزِمةً، أو غير ملزمة، وبينَ «الدِّيمقراطية»؛ كنهج، ونظامٍ مغاير ومختلف يَعُمُّ الحَياةَ كلها.

يتصدى المفَكِّر والنَّاقد والباحث الأكاديمي لنقد مصطلح «الإسلام السِّياسي»، وتفنيد «الشُّورقراطيَّة»؛ كما يُسمِّيها.
كما يدرس عَميقًا التَّيارات الإسلامِيَّة، وقضية الدِّيمقراطية، وَالتَّفسيرات الزَّائِفَة لمصطلح «الدِّيمقراطية»، ومحاولات التَّمَاهي بين «الشُّورى الإسلامية»، وَ«الدِّيمقراطية»؛ المُعطَى الرَّأسمالي الآتي من علمانِيَّة الدَّولة، والفصل بين الدَّولة وَالدِّين.
يقع الكتاب المتوسط الحجم في 391 صفحة، ويشتمل على ثلاثة أقسام تَضُمُّ أحدَ عَشرَ فَصلًا، وخاتمة، وملاحق.
سوف أتناول فقط دراسته للشُّورَى، وَالدِّيمقراطية؛ لأنها موضع اهتمام الباحث، والكُتَّاب، والعملة المتداولة في تعامل الإسلام السِّياسِي.
يُكرِّس الباحث «الفصل الرَّابع»، بين الشُّورى، وَالدِّيمقراطية. ويدرس العناوين: تحديد المفاهيم، والفرق بين الدِّيمقراطية، وَالشُّورى، واختلاف مضمون الدِّيمقراطية مع تعاليم الإسلام، واختلاف المضمون والشُّروط.
كما يتناول الاتفاق والاختلاف بين الشُّورى، والدِّيمقراطية، والدِّيمقراطية: التَّحَفُظ، وَالرَّفض، والموقف من الحِزبِيَّة والأحزاب، والنِّظَام البرلماني، والموقف من المجتمع المدني والحُريَّات.
يلاحظ الباحث أنَّ المقارنة بين المفهومين تتطلب نقطة انطلاق مُعيَّنَة لفهم المصطلحين. فقد ارتبط مفهوم الدِّيمقراطية بمفهوم الشُّورى في الفكر الإسلامي المعاصر؛ ضمن محاولات التَّجديد والمعاصرة.
ويرى أنَّ المحاولة تدخل في إشكاليات أساسية تنعكس على كُلِّ المَجهُوَدات التَّأصيليَّة والاجتهادات؛ خَاصَّةً حين يسعى المفكرون والمنظرون الإسلاميون إلى استخدام أدوات ومناهج إسلامية أصولية. فاللجوء إلى القياس، أو الرأي، أو الاستصحاب، لا يحل التَّناقُض؛ لأنَّ مفهومي الدِّيمقراطية والشُّورى ينتميان إلى بنيتين فكريتين مختلفتين، ولهما عناصر وجزئيات ومكونات مختلفة ومتباينة؛ تطورت ضمن سيرورات تاريخية، وظروف اجتماعية مختلفة تَمامًا؛ لذلك يظل انتزاع أي مفهوم من سياق بنيته الفكرية عملية مُعقَّدَة، وفي بعض الأحيان يضر بالاثنين؛ إذ يُفَرَّغ من مضمونه الأصلي، وفي الوقت نفسه يصعب دمجه، أو تمثيله في البنية الأخرى. اهـ. (ص139-140).
ويتناول في الجانب الأنثروبولوجي. فلا بُدَّ للبنية أو الهيكل من أن يكون نِظامًا؛ بحيث يكون كل تغيير في عنصر تَغييرًا في كُلِّ العناصر الأخرى.
ويعتقد أنَّ الأكثر أصولية ومحافظة هم الأكثر اتساقًا في الرؤية الإسلامية في شمولها وكمالها الذي تنسبه إلى نفسها بحكم ربانيتها ورسالتها (ص140).
ويشير إلى رؤية الأصوليين عدم وجود أيِّ صلة تربط بين القومية والاشتراكية، وَالدِّيمقراطية والإسلام. أمَّا التيارات القُطبِيَّة، وَالسَّلَفيَّة الجِهادِيَّة، فترفض صلة الوطنية أيضًا بالإسلام، وتعتبر الوطن وَثنًا (الكاتب).
ويدرس آراء تَقي الدِّين النَّبهاني الذي يرى أنَّ الإسلام مُكتفٍ بِذاته؛ رَافِضًا المصطلحات الحديثة. كما يدرس آراء مفكرين إسلاميين حول القضية أمثال الكاتب الإيراني داريوش شايغان المُؤَكِّد على التناقض بين الشُّورى، وَالدِّيمقراطية، ومحاولات المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي يقر الاختلاف، مع محاولة تجيير علاقة بين المفهومين.
ويشير إلى رأي هويدي الذي يرى أنَّ الرَّبط بينهما ظلمٌ للإسلام مرتين: مَرَّةً عندما يقارن بالديمقراطية، والثانية عندما يقال: إنه ضِدَّهَا.
ويؤكد على رأي النَّبهاني بالقول: "ويضيف بلهجة قاطعة: فالفقهاء لم ينتفعوا بالثَّقَافات غير الإسلامِيَّة، ولم يدرسوها؛ لأنَّ الشَّريعة الإسلامِيَّة نَسَخَتْ جميع الشَّرائع، وَأُمِرَ أصحابُها بتركها، واتباع شريعة الإسلام. وإن لم يفعلوا ذلك؛ فهم كُفَّار (ص141).
ويرى أنَّ هويدي يمثل قِمَّةَ التَّوفيقيَّة أو الانتقائية الحائرة. فقد كان بإمكانه التُّوقُّف عند الشُّورى فقط؛ طالما هي مقابل الدِّيمقراطية، ومن صميم الدِّين، ولكنه يُفَصِّل الدِّيمقراطية على مقياس الشُّورى، ويختزل الدِّيمقراطية في مفهوم ديني. الدِّيمقراطِيَّة التي نقبلها ونعتبرها مُقَابلًا للشُّورى أو ترجمة معاصرة لها هي التي لا تُحِلُّ حَرامًا، ولا تحرِّم حَلالًا (ص144 بتصرف).
ويتناول آراء مجتهد آخر هو الشيخ يوسف القرضاوي، ويرى أنه مُتَّسِق مع نفسه تَمامًا؛ حيث يقول: "لا يستحق حل شرف الانتساب إلى الإسلام؛ ما لم يكن مصدره الإسلام الخالص لا الماركسِيَّة، ولا المَادِيَّة، ولا الدِّيمقراطِيَّة، ولا الرَّأسمَالِيَّة، ولا الِّليبراليَّة، وغيرها من مذاهب البشر (ص145).
وتحت عنوان «الشُّوراقراطِيَّة»، يتناول آراء حسن الترابي، وَيُشنِّع على مصطلح «الشَّوراقراطِيَّة» الذي استخدمه محفوظ النحناح في حوار الجزائر.
ويناقش اختلاف مضمون الدِّيمقراطِيَّة، مع تعاليم الإسلام، ويعول كَثيرًا على آراء عبد العزيز الدُّوري في الخلفية التاريخية المقنعة التي تساعد على فهم الحاضر، وظروف المصطلح في ظروف سيِاسِيَّة، وَاقتصادِيَّة، وَاجتماعِيَّة مُعَيَّنَة
كما يتناول الشُّورى، واختلاف المضمون، والشُّروط، ويقرأ سيرة الرَّسُول، والخلفاء الرَّاشِدين، وطرائق التعامل مع الشُّورى، ويشيد بـ«الميثاق المُقدَّس»، ودستور حركة 1948 في اليمن.
والواقع أنَّ الأسلوب الذي سَادَ في مسلك الخلافة الرَّاشدية لا يختلف عَمَّا تقوم عليه المجتمعات العَربِيَّة حينها من الرَّفض والقبول.
وَيُرجِّح الباحث -مُحقًّا- عدم التزامية الشُّورى؛ وهو ما ذهب إليه مفسرون مُهِمُّون (الكاتب).
ويدرس باستفاضة الاتفاق والاختلاف بين الشُّورى، والدِّيمقراطية، وَالرَّفض، وَالتَّحفُّظ؛ كما يدرس الموقف من الحزبية، والأحزاب، وَالنِّظَام البرلماني، والموقف من المجتمع المدني والحُريَّات.
الكتاب يحتاج لقراءة شاملة. وما قرأته هو «الفصل الرَّابِع»، وسأعود لاستكمال قراءة الفصول الأخرى.
شعرت بحزنٍ شَديد، عندما قرأت خبر موته، من خلال مَا كَتبتهُ الصَّحفيَّة أمينة النَّقَّاش، عضوة مجلس الشُّيُوخ المصري، والقِيادِيَّة في حزب التَّجمُّع الوطني، ورئيسة سابقة لصحيفة «الأهالي».



