السبت 3 أكتوبر 2026

مفاهيم.. ماذا تحقق من أهداف الثورة

لن أتحدث عمَّا رصعته الأقلام، من فارق شاسع بين العهدين، في شتى المجالات، ما كان له أن يتحقق لولا الثورة المباركة.

غاية الدين والثورات

سأتحدث هنا عن جزئية من أربع نقاط فقط.

في مبدأ واحد لأهداف الثورة السامية، وهو "إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات". وهذا أصل ومرام وغاية الدين ورسالاته، والثورات وأهدافها، ألا وهو العدل والمساواة.

مع أسفي الشديد للتصنيفات الواردة في السياق، وكفري المطلق باحتقار هذه الفئة، إلا أن هذا كان تصنيفهم قبل الثورة.

ولنبدأ بأولى النقاط:

1. مزاينة الأمس مسؤولو اليوم:

في ظل الجمهورية: وصل من كانوا يسمونهم في ذلك العهد، بعيال الخُمس (المزاينة) إلى أرقى المناصب القيادية، في الدولة، وزارات، جيش، قضاء، وحصلوا على أعلى الدرجات العلمية والإدارية، كترجمة فعلية لأهم أهداف الثورة، المتمثلة بالمساواة والعدالة.

2. عنصرية الملابس:

هذه الظاهرة العنصرية المقيتة والمهينة، لا تعرفها أجيال الثورة، وربما تظنها ضربًا من الخيال، لكنها للأسف كانت حقيقة ماثلة، ولم تغرب إلا بشروق الجمهورية.

ولأجيال سبتمبر أن تتخيل الحياة، وسط مجتمع، خاوي الروح، وبنيانه مشروخ، فنسيجه ممزق، ولحمته مقطعة، ووشائجه مفككة، وأواصره متفرقة.

فعنصرية العهد الإمامي البائد، لم تكتفِ بتصنيف الناس بحسب السلالة والعرق والمهنة، وإنما مارست احتقار البشر، وإهانتهم، وفرزهم، من خلال ملابسهم.

وسنورد أمثلة مختصرة، مع الوعد بتناول الموضوع بطريقة أشمل.

* الهاشمي له لباس يميزه عن الجميع، فيلبس القميص والقاوق، ويضع التوزة المطرزة (الجنبية) في جهة البطن اليمنى، يليهم القضاة وفقهاء الدين بلباس مشابه، وتسمى جنبيته (الثومة) يضعها في جهة البطن اليسرى. بقية رجال الدين الأدنى يشتركون معهم في لبس القاوق (الكوفية -غطاء الرأس).

* المشايخ والقبائل لهم لباسهم المختلف.

* أصحاب المهن: الجزار، الدوشان، الحلاق، القشام، المزمر، المطبل، ال.. ال.. ال..، لهم ملابسهم التي تبين تصنيفهم، والتي لا ترقى إلى مستوى القبائل والطبقات العليا، وعررر لواحد منهم أن يرتدي القميص، أو يتمنطق التوزة، أو يلبس القاوق.

ولم يقف التفريق بين اليمنيين، وفرز المجتمع، عند هذا الحد، بل أوغرت السلالة في تفتيت اللحمة القبلية، بجعل كل قبيلة تصبغ العسيب (بيت الجنبية أو غمدها) بلون يميز رجالها عن القبيلة الأخرى، فقبيلة بكيل لون عسيبها أخضر، قبيلة حاشد لون عسيبها أزرق (أو العكس، لا أتذكر بالضبط)، البقية تغلف عسيبها بالجلد الصافي.

3. البعد المعنوي:

إن قطع كلمة (سيدي والسيد) من ألسن اليمنيين، ومخاطباتهم الرسمية، واستبدالها بكلمة (الأخ وأخي)، هي قيمة فضلى لهذه الثورة، فشعور النفس بأن لا سيد فوقها إلا ذاتها، هو سلسبيل الأنفة، ورحيق الكرامة، في أسمى معانيها، وهذه الفضيلة -ربما- لا يعرف قيمتها و"أبعادها المعنوية" إلا أصحاب النفوس الأبية.

4. البعد العملي:

مجرد أن تتقدم إلى لجنة الانتخابات وتسجل اسمك كمرشح لرئاسة الجمهورية، أو مجلس النواب أو المجالس المحلية، ويتم تدوينه في سجلات الترشيح، وتمارس ذلك قولًا وعملًا -ولا تستطيع قوة منعك من هذا الحق المكتسب الذي يكفله الدستور- دون أن تُسأل عن قبيلتك ومذهبك وعرقك ونسبك، ومن غير أن ينظر إلى لونك، ولهجتك، وفصيلة دمك، ونوع جيناتك.

فهذا لوحده لا يُعد إزالة للفوارق والامتيازات فحسب، وإنما هدم وردم لكل أشكال العنصرية وفرزها الرجعي.

فبأي حديث بعد هذا تعصدون؟!