الدُّكتور عبدالكريم قاسم دماج وديوانه "زهر الخرائب
طَبيب القَلب الماهر شَاعرٌ مَاهِرٌ أيضًا. ديوانه الأول «زهر الخرائب» تأصيل لِحَسَبهِ وَنَسَبهِ في الحداثة، وَيُعَمِّق مَوهبتهُ كَشَاعرٍ مُبدِع.

إلى أين تذهب؟
ماذا تعد النجوم
لأقدارنا من نهايات؟
في كتب لم يسطرها الوحي
نحو البدايات
في صحفٍ لم تنزل بعد
ما تزال تخبئ أربابها
في ندى الغيب
في ملكوت المسرة
في شهقة حرة لقتيل
نازل دون هوادة
كُلَّ المذاهب
من أجل زهرة
تتنوع القصيدة بين الصُّورة الشِّعرية، وَالرَّمز «عَدّ النُّجوم»؛ لكشف المستور. معرفة النِّهايات. الكتب التي لم يسطِّرها الوحي، وصحف لم تنزل بعد.
ودوي الموقف. الشَّهقة الحرة لقتيل ينازل دون هوادة «كُلَّ المذاهب»؛ من أجل زهرة. فهو هنا يَتَوحَّد بالكائنات، والحياة، والطبيعة. مدافع عُتُلّ عن الزَّهرة.
«زهرة الخرائب» اسم الديوان الأول تعكس المفارقة؛ لَيسَ في الإبداع، فحسب؛ وَإنَّمَا في رمزية الحياة في الموت. فَـ«في الشِّتَاء يزهر الحُلُم». عنوان قصيدة أخرى. وللزَّهر حضور كبير في الديوانين.
والطبيب الإنسان زَاهٍ بالفكر التَّقدُّمي والحداثي، ويمتلك ذائقة فَنيَّة رفيعة. قصيدته زاخرة بِنَفَس غنائي قوي، وصور مبتكرة، ومفردات ضَاجَّة بالحياة:
«لا بنفسج على قبر درويش»
معبد المدمنين على الحلم
يفقد راهبه الأبدي
مَنْ سيختزل الجرح
في وردتين؟
ومن بعده سيفيض ضِياءً
على الكرمل المتسامق
قرب سهول الجليل؟
ومن سيرد إلى طبريا
هدوء التَّموُّج
حين يغوص بها الأنبياء
ويسترسلون بسرد الوصايا
عن القدس؛
باب البسيطة نحو السماء؟
يؤبن راهب الحلم المدني الأبدي محمود درويش في إبداعه الذي يفيض ضِياءً يغمر الكرمل، ويرد الهدوء إلى طبريا، ويتملى من روائع درويش سرد الأنبياء الوصايا عن القدس:
من سيختزل البحر في دمعتين
ويختزل الأرض في خيمة
من بريق الإله
المخبأ في وجع المُتعَبِين؟
يتساءل بأسيً، وَتَفجُّع:
مَنْ سيختزل البحر في دمعتين؟
مَنْ سيختزل الجرح في وردتين؟
مَنْ سيختزل الأرض في خيمة؟
استطاعت المعجزة إحياء الموتى، وتكليم الجماد، وَأُلِينَ لداود الحديد، وَكَلَّمَ سليمان الطير، وَصَلَّى الولي في أكثر من مكانٍ في وقت واحد. فما كان معجزةً لنبي، يكون كرامةً لولي. هكذا يقول الصوفية.
وَالشَّاعر ابن برمثيوس سَارق النَّار. خلق الله السَّموات والأرض في سِتَّةِ أيام، ويستطيع الشَّاعر هدمها بجملة واحدة.. لانَ الحديد لداود، ودَانَ لدرويش الحرف؛ وهو الأعسر من الحديد ألف مرة.
كَلَّمَ سليمان الطير. ولكن فريد العطار فهم أسرار «منطق الطَّير»، وَشُوهِدَ الولي يصلي في مكة، بينما هو في زبيد، ولكن الشَّاعر يستطيع أن يُحضِر مكةَ إليه، وأن تطوف به؛ كما طَوَّفَت بالقطب عبدالقادر الجيلاني:
كُلُّ قُطبٍ يَطوفُ بالبيتِ سَبعًا
وأنا البيتُ طَائِفٌ بخيامي
الصُّورة الشِّعرية في قصيدة الشَّاعر عبد الكريم قاسم تختزن الموقف، وَتَضجُّ حَدَّ الصَّخَب بالغنائية، وتقدم رُؤَىً داهشة؛ فهو مترع بِالحُبّ، ومسكون بالحُلُم وَالحَيَاة:
هناك على بعد أنشودتين
مني ومن حلمي
يَرِفُّ ويلهو الفراش
على محملٍ من مدى الغيب
تصحو الأيائل
في غبش من
تراتيل مبهمة
وتراقصني
تَستحمُّ بأنداء حلمي
وتثغو كما يوعظ الأنبياء
القصيدة مُغنَّاة، وعالم يمور بالثَّرَاء والحُبّ، وللأنبياء، والقِيَم العظيمة، وللدَّلالات الثَّوريَّة حضور كبير.
يقول الناقد الكبير مصطفى ناصف في كتابه «الصُّورة الأدبيَّة»: "إنَّ عاطفة الحُبِّ هي مبدأ الشُّعور الفني". كان جوير يقول: إنَّ الفن اجتماعي. وكان يرى أنَّ ثمة وحدة عميقة بين الأخلاق، والمجتمع، وَالفَنّ، وَالدِّين، والحياة.
الفن العظيم تتجلى فيه هذه الوحدة، والاستعمال الاستعاري كَانَ دائمًا المظهر الأساسي لإشاعة الحُبّ، وقَدْرٌ من الوحدة من الوحدة بين ألوان النَّشَاط البَشَري.
في الاستعمال الاستعاري يَمتدّ المجتمع إلى كُلِّ موجودات الطبيعة. وهو ما تجسده قصيدة الشَّاعر طبيب القلب عبدالكريم قاسم دماج في ديوانيه: «زهر الخرائب»، و«عُشْب على قبر أمي».



