بروتوكول السجادة الحمراء لترامب وبينغ: من صدام الحضارات إلى إدارة المصالح
تبادلت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية الزيارات الدبلوماسية خلال الشهرين الماضيين، بدأت بزيارة ذات طابع فخم واقتصادي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، وأعقبها خلال الأسبوع المنصرم زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة الأمريكية،
وتميزت زيارة الأخير بكسر الرئيس الأمريكي ترامب لبروتوكول مراسيم استقبال الرؤساء الأجانب عند زيارتهم لواشنطن، إذ جرت العادة على استقبالهم عند مدخل البيت الأبيض. والمختلف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظل منتظرًا فوق السجادة الحمراء عند سلم طائرة الرئيس بينغ، منتظرًا نزوله من الطائرة، وذلك غير معهود لدى الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوا ترامب خلال الخمسين عامًا الماضية، والذين اكتفوا باستقبال الرؤساء عند مدخل البيت الأبيض. لكن الأمر المرجح في حفاوة الرئيس ترامب بزيارة الرئيس الصيني يوحي بضخامة الملفات السياسية التي سيتم عرضها ومناقشتها مع الضيف، ويسعى الرئيس الأمريكي للتفاهم عليها مع الصين خلال الزيارة، ويبدو أنها تشمل التفاهم على النفوذ على أساس المصالح المشتركة، واحترام الطرفين لبعضهما البعض كشريكين وصديقين متنافسين، في إطار قواسم مشتركة، وخلق نوع من التفاهم كمتنافسين أصدقاء لا أعداء، بالرغم من وجود نبرة الخصومة السياسية، لكنها في إطار المحددات السياسية للتنافس بعيدًا عن الصراع.
والسؤال الجوهري: هل تم التفاهم السياسي بين الطرفين لخلق مسار جديد لإعادة صياغة المشهد العالمي في إطار مصالح البلدين المشتركة؟
إن ما رشح من معلومات وأخبار جرى تداولها عبر وسائل الإعلام الدولية المختلفة يدعم مثل هذا التوجه، إذ تناقل الجميع الحديث عن اتفاق وتفاهم استراتيجي بين واشنطن وبكين أثناء زيارة الرئيس بينغ لواشنطن، ونجحت الزيارة في الخروج بصيغة من التوافق المشترك القائم على احترام الطرفين لمصالحهما، والتعاون في العديد من الملفات الشائكة، وعلى رأسها الصراع في منطقة الشرق الأوسط، والحرب الأمريكية الإيرانية، وصراع الممرات المائية، وحرب الطاقة، وملف الحرب الروسية الأوكرانية. ونجح الطرفان في خلق تفاهم حولها والاتفاق عليها، وما يؤكد ذلك التوجه يمكن ملاحظته من خلال تصريحات الرئيس الإيراني الأخيرة التي أشار فيها بوضوح إلى أن الأموال الإيرانية في الصين أصبحت مجمدة. وهذا يعني أن الجانب الأمريكي نجح في إقناع الصين بتطبيق العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران. وإنه من غير المعروف ما هي الملفات التي تم طرحها أمام القيادة الصينية وحملها على الموافقة على المطالب الأمريكية من الصين تجاه إيران، لكن الأمر المؤكد هو أن الأخيرة لا يمكن أن تغامر بخسارة أرباح كبيرة تجنيها من السوق الأمريكية التي يبلغ حجمها نحو 32 تريليون دولار، وهذا لا يمكن تعويضه من إيران مهما كان حجم العلاقة الاقتصادية معها مرتفعًا، حتى وإن كان حصولها على النفط الإيراني الرخيص. وما يمكن التكهن به أن الصين حصلت على العديد من الحوافز الاقتصادية المشجعة من أمريكا مقابل انضمامها للعقوبات الاقتصادية، ومن ذلك الحصول على ضمانات أمريكية ملزمة بعدم خنق تدفق الطاقة إليها، لا سيما النفط الخليجي، فضلًا عن التفاهم حول إعفاء عدد من السلع التجارية الصينية المصدرة إلى أمريكا من الجمارك، وتبلغ قيمتها نحو 30 مليار دولار. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد نجحت في الحصول على التزام صيني بعدم تزويد إيران بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية التي تؤثر على سير العمليات العسكرية الأمريكية مع إيران. وهذا المسار لا يمكن الجزم بصحته ما لم يكن مقرونًا بالتزام أمريكي مماثل للصين بالامتناع عن تزويد تايوان بالأسلحة. وبالرغم من إعلان الجانب الأمريكي موافقة الصين تجاه مطالبها الخاصة بإيران، وعدم إعلان أي التزام أمريكي مقابل للصين بالامتناع عن تزويد تايوان بالأسلحة، إلا أن المرجح أن هناك التزامًا أمريكيًا على الطاولة في هذا الاتجاه حصلت عليه الصين مقابل عدم إظهاره لوسائل الإعلام حتى لا يقال إن الولايات المتحدة الأمريكية تتخلى عن حلفائها كما فعلت مع دول الخليج العربي.
تعد الزيارات الماراثونية لقيادات الدولتين مؤشر بناء في علاقات الثقة المتبادلة بين الدولتين خلقت فرصة جديدة من التفاهمات المشتركة بين القوتين بعد أن وصلت القيادات السياسية إلى قناعة راسخة بأن مصلحة الدولتين هي البقاء أصدقاء متنافسين متفاهمين، بعيدًا عن كلفة الدخول في عداء ونزاع ساخن من شأنه أن يلحق خسائر كبيرة بالطرفين. فالصين لا ترغب في خسارة السوق الأمريكية لتصريف صناعتها، والأخيرة لا ترغب حاليًا في عداء الصين لها، لأن ذلك يعني خلق متاعب واستنزاف كبير للولايات المتحدة الأمريكية، والأفضل للجميع البقاء أصدقاء متنافسين في إطار من التعاون الذي يخدم الجميع، لا سيما أن مصلحة القوتين هي البقاء أصدقاء في ظل الوضع السياسي المتأزم الذي يشهده العالم؛ فروسيا لا تزال غارقة في أوكرانيا، وأوروبا تعاني من ركود اقتصادي وأزمات خانقة، إلى جانب غرقها في دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، وزاد من ذلك تأثير الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط وتطور حرب الممرات المائية والطاقة التي رفعت تكاليف أسعار الطاقة المستوردة التي أخذت تتزايد يومًا بعد آخر مع زيادة الضربات المتبادلة على مصادر الطاقة في كل من الخليج وروسيا، مما فاقم الأزمات الاقتصادية في أوروبا التي تعتمد بدرجة رئيسية على موارد الطاقة القادمة من الشرق الأوسط التي أخذت تقل في الأسواق بصورة تدريجية نتيجة الضربات، التي قادت إلى قلة المعروض في الأسواق، مما زاد من متاعب أوروبا، لا سيما مع إغلاق إيران لمضيق هرمز وخنق تدفق النفط.
وفي الأخير يبدو أن مسار الصراع الذي تم إشعاله في العالم بدوافع أمريكية قد جرى التفاهم عليه مع الصين للخروج بصياغة جديدة للنظام العالمي تقوم على قبول الولايات المتحدة الأمريكية بالصين كقطب دولي ورث مكانة الاتحاد السوفيتي، مقابل تجاهل وجود أوروبا وروسيا بجعلهما غارقين في مستنقع أوكرانيا الذي لا يمكن التكهن بنتائجه في ظل اتساع هوة العداء بين أوروبا وروسيا. أما منطقة الشرق الأوسط فيبدو أن الطرفين اكتفيا بالاهتمام بعملية تدفق موارد الطاقة بصورة انسيابية دون عوائق إلى الأسواق العالمية لمنع أزمة دولية في الطاقة، مقابل تخلي الصين عن دعم ومساندة إيران، مع وعود بأن تمنح نصيبًا في خطة إعمار سوريا المستقبلية وجعلها بوابة جديدة لطاقة الخليج إلى العالم.
والخلاصة: تبين أن "السجادة الحمراء" تشكل ولادة "بروتوكولية" كرمز لتحول فلسفي أمريكي عميق وكبير، يخرج عن فكرة صدام الحضارات، كما فسرها "هنتنغتون"، والاستعاضة بإدارة المصالح بصورة "براغماتية" عوضًا عن ذلك.



