الأربعاء 30 سبتمبر 2026

حب ورماد

يا وجهها الأول

يا خفق الجمر في ثوب نيسان

عدت إليك

وقلبي حصان أريق على الطرقات القديمة

دمه

يبحث عن ظلك في عطر الينابيع

وعن اسمك

في نفس الغياب

مازلت هناك

بين قمح ينام على كتف الريح

وبين طفل يخط وجهك

على غبار النافذة

أحببتك لأنك تشبهين البلاد

حين نغني

وحين تصاب بالصمت أيضًا

أحببتك لأنك رمادية كالفجر

تنقذ الليل من وحدته

وتغرقينني بالحنين

أنا آخر العائدين من الحلم

أرتق ما تبقى من نجم

وأزرعك في رمادي

قلت لها

هل الوطن

إلا وجهك حين ينام القمر على خدك

وهل الغربة

إلا أن أمشي في عينيك

ولا أجد الطريق إلى نفسي

كنت خريطة القلب

أرسم فيك

نهري

وجبلي

وحدودي

وأكتب على صدرك

هنا كانت قرية اسمها أنا

في هدير أنفاسك

سمعت نشيدًا قديمًا

كان الفقراء يغنونه في الصباح

حين تشرق رائحة الخبز

والدم معًا

ففهمت أن الحب ليس قصيدة

بل نشيد نجاة من الفقد

وفهمت أن الرماد

هو ما تبقى من الوطن حين يحترق القلب فيه

فضممتك

وسميتك يا وطني

لتصيري نجمة في رمادي

ولأصير شهيدًا في عينيك

في المنفى

لا وجه للوقت

ولا ظل للباب

ولا أسماء للجهات الأربع

نحمل أوطاننا في جيوب المعاطف

ونخفيها عن العسس

كأنها رسالة حب

أرسلت من زمن محظور

في المنفى

تصير القصيدة وطنًا مؤقتًا

وتغدو الحروف أجنحة للهاربين

هناك

كنت أكتب اسمك على زجاج المقاهي

فيمسحه الغريب بكم قميصه

دون أن يدري

أنه محا خارطتي

كنت بعيدة كنجمة

وأقرب من وجعي

وكنت أقول لنفسي

ما المنفى إلا أن تحب

ما لا يمكن أن يعود

فزرعت رمادي في ريح الغياب

وقلت

لعل الحب

إن لم ينقذ الوطن

ينقذ القصيدة من الموت

نهضت من رمادي

كأن القصيدة بعثتني

وقالت لي

اكتب لتنجو

فالناجون هم الذين يحملون الكلمات كأعمدة بيت

قديم

في رماد العاشقين

وفيك ندى البدء

فلنزرع معًا ما تبقى من الفجر

في حدائق الفجر

رأيت البلاد تفيق

من نومها الطويل على جمر الصمت

وكان الأطفال يحملون دفاترهم

كما يحمل الأنبياء نبوءاتهم الأولى

قالت لي الريح

اكتب وطنًا لا يخاف الغياب

ولا يخونه الشعر أن مات الحلم

فكتبتك أنت

لأنك القيامة التي وعدتني بالعودة

ولأن حبك وحده

يعيد للتراب معناه

وللإنسان وجهه

وقلت

من رمادك ولدت

ومن حبك أبدًا الطريق

رأيت قلبي يسير أمامي

يفتح الدرب للعشب

ويكتب على الحجارة

ها هنا مر عاشق

فانتبهوا للنور الذي تركه خلفه

لم أعد أسأل عنك

لأنك أصبحت ما لا يسأل عنه

كالمطر

كالغفران

كالأوطان حين تشفى من أسمائها

كل ما كتبته عنك

صار ترابًا ينبت ذاكرة جديدة

وكل ما بكيته

صار نهرًا يفيض على حجارة اللغة

في آخر القصيدة

وصرت طفلًا يحمل رمادي في كفه

ويسألني

الحب هو القيامة

حين تشتعل الأرض من قلب واحد

سلام عليك

يا أنثى الرماد

يا وطني الموعود بالمطر

يا آخر ما يبقى

حين لا يبقى أحد