الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • الثورتان اليمنيتان (سبتمبر -أكتوبر).. قراءة سوسيو-سياسية نقدية(2-3)

الثورتان اليمنيتان (سبتمبر -أكتوبر).. قراءة سوسيو-سياسية نقدية(2-3)

بين الدولة المشيخية القبلية، والدولة المدنية الحديثة:

إن ضعف حضور الدولة في اليمن الحديث، والمعاصر، على وجه الخصوص، له جذره التاريخي، أو حضوره التاريخي في خصوصيته اليمنية، الإمامية/ المشيخية القبلية التي تكرست -على الأقل في شمال البلاد- طيلة قرون سالفة، وهي مشكلتنا السياسية والتاريخية، ليس مع قضية بناء الدولة المدنية الدستورية الحديثة، وسلطة القانون، بل ومع قضية، وفكرة العدالة والمساواة، والمواطنة، وبالنتيجة غلبة ثقافة الرعوي، على ثقافة المواطن، والمواطنة حتى اللحظة.

"إذن ضعف الدولة إن لم نقل غيابها -في تقديرنا- ينتج عن تدخل وهيمنة رموز المجتمع القبلي (أقيال القبيلة)، وسيطرتهم، لامتلاكهم القوى السياسية، والعسكرية، خارج إطار الدولة -جيش أو مليشيات موازية لجيش الدولة- وهو ما كان يطالب به جماعة مؤتمر عمران، ١٩٦٣م، في نص أحد قراراتهم بتشكيل جيش شعبي/ قبلي، من ٢٨ ألف مسلح قبلي، في موازاة جيش الدولة الرسمي، وهو ما رفضه الرئيس السلال والجانب الجمهوري الثوري [وحرب الحصبة (2011-2012م) نموذج صارخ لذلك -الباحث] في محاولة لانتزاع دور الدولة، وابهات هيمنتها لصالح القبيلة "شيخ القبيلة"، التي تحاول عبر المنظومة الثقافية التقليدية برموزها، أن تقف في قمة هرم السلطة، وفي رأس القبيلة، كي تجمع بين متناقضين، لإضعاف مهام، ودور الدولة، وقطع الطريق أمام احلام شباب انتفاضة فبراير، بدولة دستورية قانونية، حتى يفرض بالتالي حكم العرف والعادة (الطاغوت؛ وفق التعبير والتعريف الإمامي)، على حساب النظام، والقانون، والتشريعات المؤسسية، في الدولة، وهنا تكمن أحد أبعاد أزمة الثورة كوسيلة للتغيير"(1). ومن هنا -كذلك- أزمة قوى الثورة باعتبار الثورة تغييرًا اجتماعيًا، وتغييرًا ثقافيًا، حيث الهيمنة والسيادة حتى اللحظة الراهنة للقيم، والمفاهيم الثقافية التقليدية الماضوية (المشيخية، القبلية، المذهبية، الطائفية، المناطقية، السلالية) وبفعل قوة السلطة، وأدواتها وآلياتها مع الأسف، والا كيف نفهم ونفسر ما يجري على الأرض اليوم، من تراجع وإضعاف مقصود لدور الدولة، أي أننا نقلص ونضرب مواقع المدنية، والحداثة، ونفرض ونكرس بدلًا عنها مواقع قوى التخلف، وبقوة السلطة وأدواتها، وآلياتها، بعد أن ابتلعت السلطة، الدولة. وهذا هو الجاري طيلة أكثر من خمسة عقود -بل وأكثر- وهنا تكمن أزمة، ومشكلة الثورة، والتغيير الاجتماعي/ الاقتصادي، والثقافي في بلادنا طيلة الحقب الماضية.

ومن هنا كذلك قولنا وتأكيدنا أن اليمن أمس واليوم وغدًا، بحاجة إلى أكثر من ثورة، بل وإلى ثورة مستمرة مفتوحة على المستقبل. ولذلك قامت ثورة الشباب، ٢٠١١م، لإعادة الاعتبار للجمهورية، والدولة، على قاعدة المواطنة المتساوية. وبعيدًا عن "ثقافة الحصانة"، التي بررت وشرعنت عملية التمييز الاجتماعي والوطني، لصالح تعظيم الدور السياسي المركزي للقبيلة وللعسكر، ولجماعة الدين السياسي.

وكلنا ما يزال يتذكر كيف واجهت الدولة العميقة في الداخل، وفي امتداداتها في الخارج، من خلال السعودية، بتحالفها مع الغرب الاستعماري، الحركة التصحيحية، ١٣ يونيو ١٩٧٤م، بقيادة الرئيس إبراهيم الحمدي، التي كان أحمد الغشمي، وعلي عبدالله صالح، ليس أكثر من الأدوات الداخلية المنفذة، في صورة ذلك العنف الدموي في الداخل، ومن هنا تلك الحصانة المزدوجة، الداخلية، والخارجية، الحامية والراعية لتلك الأدوات، أو القوى المنفذة في الداخل.

ولا تفسير لذلك الانقلاب الدموي، سوى الرفض الواضح لقيام دولة وطنية يمنية مؤسساتية حديثة، متفاهمة ومتصالحة مع اخوتهم في الشطر الجنوبي من الوطن، على طريق وحدة يمنية سلمية.

ويمكننا القول إن ثقافة الحصانة للقوى المشيخية القبلية، لها حضور عميق في التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي في شمال البلاد، هي الوجه الآخر "لنظرية الإذلال" لجميع السكان وفق ما جاء في أحد مقالات د. أبو بكر السقاف.

إن قرونًا من الركود والجمود السياسي والاقتصادي الإنتاجي التاريخي، لن تنجلي في لحظة.

الماضي السلبي/ العفن، الذي تكدس وتراكم عبر قرون لن يزول بمجرد الإعلان عن قيام الثورة وإسقاط حكم الإمامة، لن يزول بدون مقاومة مستمرة -بدون أكثر من ثورة، الباحث- إنها أعراف وتقاليد وتركة ثقيلة وأساليب وردود وتصورات وعادات متأرثة، عداك عن فساد غير محدود، ودول ناقصة، ومجتمعات ملوثة حتى اللب، كل ذلك لن ينتهي بالأمل، ولا بالتمني ولا بالشعارات"(2)، وهو ما جعلني أقول واكرر القول، إن ثورة26 سبتمبر 1962م وحدها على عظمتها وجلال قدرها وانجازها، ودورها التاريخي، فإنها وحدها لم تكن كافية، وإن الثورة على يمن الإمامة بحاجة إلى أكثر من ثورة، هذا إذا أدركنا أن البنية السياسية الذاتية للثورة "تنظيم الضباط الأحرار"، كانت بسيطة وهشة ودون مستوى التحديات الداخلية، والخارجية (الإقليمية والدولية)، غير المتوقعة، فقد ورثت ثورة 26 سبتمبر 1962م ميراث تاريخ مثقل بأكثر من عشرة قرون من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والعزلة بين مناطق الداخل بعضه بعضا، وعن العالم الخارجي، وفي واقع غياب الحد الأدنى مما يمكن تسميته اقتصادًا أو بنية اقتصادية، ودون وجود أي مقومات لمعنى الدولة، المادي، والذهني الفكري (النظري)، والمؤسسي، في واقع الممارسة، حيث الدولة كانت مركزة ومختزلة في شخص الإمام واسمه (أنا الدولة والدولة أنا)، حسب تعبير، لويس بونابرت الرابع عشر، كل شيء بيد الإمام، المال، القضاء، الحكومة، التجارة، حتى أمر دخول أي فرد أو خروجه من وإلى اليمن مرتبط بأمره الشخصي المباشر، أو كما يقول د. فاروق عثمان أباظة "هو رئيس القضاء، ورئيس الإدارة، وقائد الجيش، ويعين كل الموظفين في مختلف الرتب، وخزانة الدولة تحت سيطرته الشخصية، ويعتمد كل المصاريف بندًا بندًا، والجهاز الإداري المحدود معد فقط لتنفيذ أوامره"(3).

هذا هو أدق وأصدق وصف لحالة اليمن، السلطة والدولة، في ظل حكم الإمامة، وتحديدًا وخصوصًا في ظل حكم بيت حميد الدين، الذين حكموا شمال اليمن، حتى بداية ستينيات القرن العشرين.

قامت ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م، وليس هناك ما يمكننا تسميته بمسمى الحكومة، كمعنى وكمبنى، ولا وجود لما تسمى موازنة حكومية، فالخزانة هي جيوب قميص الإمام الداخلية، ولا وجود للبنوك، والمؤسسات الاقتصادية والشركات التجارية، إلا لبعض الأسماء والمتعثرة، والمقيدة الحركة، بل والأخطر والأهم لا وجود للعملة الوطنية اليمنية، كرمز لمعنى وجود الدولة، وقس على ذلك في كل شيء يتصل بمعنى وجود الدولة!

هل سمعتم أو اطلعتم من خلال قراءاتكم لحياة الدول، أن هناك دولة بدون عملة سيادية وطنية للدولة، إلا في يمن بيت حميد الدين؟، هل سمعتم عن دولة/ مملكة بدون جواز حقيقي كما في جميع دول العالم؟! هذا والعالم يعيش في النصف الثاني من القرن العشرين.

وبهذا المعنى كان الحضور التاريخي بمعناه السلبي هو الحاضر والمتجسد والقائم في خصوصية أوضاع ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، وهي قطعًا خصوصية يمنية سالبة لا نجدها ماثلة وحاضرة في مصر، والعراق، وفلسطين، والشام (سوريا، لبنان)، بل ولا حتى في مملكة آل سعود حديثة النشأة، وهي دول كانت واقعة وخاضعة للاحتلال العثماني، بل هي خصوصية يمنية شمالية، إمامية، لا نجدها في أنظمة حكم السلاطين والأمراء في مجتمعات تلك المنطقة، أي في جنوب الوطن، قبل السيطرة البريطانية، ولا بعد الاحتلال الاستعماري لجنوب اليمن. ولذلك ترى بعض الكتابات والأبحاث -وأنا أتفق معهم- أن القبيلة من خلال شيوخ القبائل حضرت بقوة في المشهد السياسي اليمني، بل وفي قمة السلطة السياسية عوضًا عن الإمامة، أو في مكانها، بعد قيام الجمهورية، وأصبحت حاضرة بأكثر مما كان عليه الوضع في ظل الإمامة، وكأن القبيلة، وشيوخ القبائل تحديدًا، قد تمكنوا من وراثة الإمامة في كل امتيازاتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ارتفع مقامها إلى الدرجة الأولى في سلم التراتبية الاجتماعية، "وأن الجمهورية التي أعلنت في سبتمبر 1962م استمرار بأكثر من معنى للمملكة المتوكلية (بخاصة وتحديدًا بعد انقلاب 5 نوفمبر 1967م -الباحث)، بل إن حضورها الذاتي والموضوعي في واقع اليوم هو بفعل الميراث الثقافي والاجتماعي، وفي أسلوب الحكم وآلياته، ولا سيما من حيث علاقته بالقبيلة(4)، وفي تقديري أن هذا هو أسوأ حضور تاريخي لما يمكننا تسميته بالخصوصية اليمنية، وتكرار حضورها في الواقع(5).

وهي الخصوصية السلبية المدمرة التي انتقلت آثارها الكارثية إلى جميع مناطق جنوب البلاد، بعيد جريمة حرب ١٩٩٤م. حيث فرض "المنتصر"، بالقوة (الغلبة والتغلب)، ثقافته على الأخر المنكسر، وخاصة على المستوى الاجتماعي والثقافي، وهو ما نراه اليوم في جميع مناحي الحياة في جنوب البلاد، والذي وصل أثرها السلبي كرد فعل إلى حد إنكار قطاع من الناس/ من النخبة، ومن غيرهم لهويتهم اليمنية، وهو أبشع أشكال الآثار السلبية لتلك الخصوصية.

إن أجمل وأصدق تعبير وتوصيف لحالة وواقع ذلك الحضور التاريخي لما كان (الإمامة، والمشيخة القبلية)، هو ما كتبه وقاله شاعر اليمن الكبير، عبدالله البردوني، في مقولته الشعرية والفكرية التاريخية الأثيرة، التي تختصر صورة ومعنى تاريخنا الذي كان والذي ما يزال -مع الأسف- مستمرًا في الحاضر.
في قوله: "لماذا الذي كان ما زال يأتي/ لأن الذي سوف يأتي ذهب". وكأننا فقط، كنا وما نزال نستقبل الذي كان (الماضي)، في الحاضر الذي يمتد حضوره إلى المستقبل.

تُروَى عن الإمام أحمد حميد الدين مقولةٌ أطلقها عقيب محاولة اغتياله التي أُصيب فيها وكانت سببًا في وفاته لاحقًا، إذ قال: "سأحكم اليمن أربعين عامًا من داخل القبر". وسواءٌ أكانت هذه الرواية حقيقةً أم ضربًا من الخيال، فإنّ الإمامة بكونها نهجًا فكريًا وذهنيةً متجذرة خاصة في شمال الشمال، لا تزال تُهيمن على وعي شريحةٍ من المجتمع بأساليب شتى؛ وإلا فكيف يُمكننا تفسير ما نشهده اليوم من تحركاتٍ تحت شعار استعادة الإمامة والولاية.

إن ذلكم الحضور التاريخي للخصوصية اليمنية في صورتها الإمامية، والمشيخية القبلية، في نظام الجمهورية العربية اليمنية، وفي نظام ما بعد الوحدة 22 مايو 1990م، وخصوصًا في نظام ما بعد الوحدة بالحرب وبالدم في العام 1994م. هو الذي يفسر غياب المجتمع المدني، وهو الذي يؤبد ويخلد استمرار حضور ثقافة (الرعوي) الرعية، وثقافة السيد، والقبيلي وليس المواطن، والمواطنة، والوطن، وبالنتيجة هو الذي يفسر تأجيل وترحيل حضور وقيام الدولة الوطنية والمدنية الحديثة، ورغم كل ذلك لا نستطيع فهم الثورة اليمنية، بعيدًا عن أنها نقد ثوري، ذاتي وموضوعي تاريخي، لاستمرار كثافة الحضور التاريخي للخصوصية اليمنية الإمامية والمشيخية القبلية، على وجه الخصوص في وقائع السجال الحربي الدائر، تاريخيًا، وراهنًا في اليمن.

من حروب الإمامة التاريخية الداخلية، إلى الحرب الجمهورية -الملكية، والرجعية، الاستعمارية (٦٢-١٩٦٧م)، إلى حرب 1994م، إلى حروب صعدة الست، حتى مئات الحروب القبلية الداخلية التي لم تتوقف في مكان إلا لتبدأ في آخر...، وفي واقع كهذا من الصعب الحديث عن الاستقرار السياسي، وعن تنمية اقتصادية اجتماعية، أو دستور، أو عن سلطة قانون، أو مواطنة، أو تداول سلمي للسلطة، ذلك أن جميع هذه المفردات والمفاهيم والمعطيات هي نتاج حضور فاعل للدولة المدنية الحديثة، وسلطة المؤسسات، وفاعلية ذلك في واقع حياة الناس.

ولذلك يحق للبعض الحديث الناقد، والساخر عن دولة ما بعد الاستعمار الوطنية العربية حيث عكفت دولة ما بعد الاستقلال أو ما بعد الاستعمار، أو الدولة الوطنية "على استيراد وتسويق (نموذج حضاري) حداثي شكلًا، وقروسطي فعلًا، فاختصرت الحداثة في نمط استهلاكي بدائي على مستوى الاقتصاد، ودولة أمنية قمعية على مستوى السلطة والسياسة، وفكر يجمع بين الحداثة الشكلانية، والخرافة المحدثة/ الملحقة، على مستوى الفكر والثقافة، فكانت الحصيلة على المستوى الاقتصادي "نموًا من دون تنمية" أما على المستوى السياسي فكانت الحصيلة أن العالم العربي (واليمن في طليعته -الباحث) انتهى إلى تسيد عقلية أمنية استخبارية تدير كل شيء فيه(...) أما على مستوى الثقافة فلم تعمل المدرسة أو المؤسسة التعليمية لتطوير أساليب التفكير النقدي أو الإبداعي، أو العلمي، فتحول العقل العربي إلى مخزن عتيق للخرافات المتوارثة والمقولات الجاهزة والشعارات المعلبة(...) شيخ قروسطي بقبعة حديثة"(6)، أو ليبرالي عولمي مع الخصخصة كيفما اتفق، أو رجال دين مطالبين بدولة خلافة، أو دولة إسلامية، في معارضة صريحة للدولة الجمهورية، والدولة المدنية الحديثة التي كان يطالب بها شباب الثورة، في،٢٠١١م، وطرح بديلًا عنها دولة الخلافة، كما أعلنها الشيخ التكفيري، عبدالمجيد الزنداني، من على رأس منصبة ساحة الحرية والتغيير، التي اقتحمها بالمسلحين المرافقين له، ليدعو لقيام دولة الخلافة!

وهي اليوم الوجه الآخر لدولة الإمامة، التي يعلن البعض إقامتها في البلاد اليوم.

وفي هذا السياق هناك من يتحدث اليوم، والآن، عن أن القبيلة هي أصل اليمن، وأصل التاريخ، ومن أن المجتمع اليمني اليوم كله قبيلي/ قبائل، وأن القبيلة، والديمقراطية، والمجتمع المدني، شيء واحد. حيث القبيلة نواة المجتمع المدني الحديث كما يرى البعض من دعاة الدور السياسي التاريخي للقبيلة.

بعد رفع هذا الدور إلى مستوى الدور السياسي المركزي في قيادة الدولة، والسلطة، والمجتمع.

ومن هنا حالة أو ظاهرة ابتلاع والتهام السلطة للدولة، في صورة ما كان قائمًا طيلة العقود، بل والقرون الماضية.

الهوامش:

(١) صالح محمد مسعد (أبو أمجد)، صحيفة الوسط، صنعاء، الأربعاء 27/6/2012م، العدد رقم (389)، ص5.

(2) الشاعر عباس بيضون، صحيفة السفير اللبنانية، تاريخ 30/12/2011م، العدد (12073).

(3) د. فاروق عثمان أباطة، كتاب "الحكم العثماني في اليمن 1882-1918م"، الهيئة المصرية العامة للكتاب -القاهرة، ص64.

(4) محمد عبدالسلام، كتاب "الجمهورية بين القبيلة والسلطنة"، شركة الأمل للطباعة والنشر -القاهرة، 1988م، ص105. وهو الكتاب الذي أعيد طباعته لاحقًا، باسم مؤلفه الحقيقي، وهو د. أبو بكر السقاف.

(5) لم يكن هناك أي استعداد أو مصلحة سياسية لدى شبه الإقطاع السياسي، وزعماء المشايخ، ولا عند بقايا الأحرار، والعسكريين الكبار، إضافة إلى القيادة المصرية (العسكرية، والسياسية) في أن يكون للضباط الأحرار وتنظيمهم أي دور في قيادة الثورة وهو ما اتضح من خلال الأسبوع الأول للثورة وتحويل مجلس قيادة الثورة، إلى مجلس رئاسة، وتعبئته بزعماء المشايخ والقوى السياسية التقليدية بأكثر من 12 شيخًا، ناهيك عن رفضهم جميعًا وخاصة القيادة المصرية في اليمن أن يكون هناك أي دور للأحزاب السياسية الديمقراطية في تسيير أو قيادة الثورة، حتى أنه أصدر قانون في عام 1964م يحرم الحزبية، ويجرمها، حتى أن الأسماء العشرة من القيادات الطلابية الحزبيين الذين وصلوا من القاهرة للدفاع عن الثورة، جرى تهميشهم، ولم يسمح لهم بأي دور سياسي حقيقي في المساهمة في قيادة الثورة، من المواقع المختلفة. وكما يقول د. عبدالملك المقرمي "لم تكن الناصرية (المقصود القيادة المصرية في اليمن -الباحث) تسعى إلى دعم الوجود السياسي المنظم لحركة سياسية مستقلة بذاتها، حتى لو كانت دائرة في فلكها"، د. عبدالملك المقرمي، "التاريخ الاجتماعي للثورة اليمنية.. رؤية سوسيولوجية لتحول بناء القوة"، ص351، دار الفكر العربي المعاصر -بيروت، ط أولى 1991م، وهي مقدمات كانت مدروسة سياسيًا، وأيديولوجيًا لتعظيم الدور السياسي لزعماء مشايخ القبائل، وموقع القبيلة، والعسكر، في العملية السياسية الجارية آنذاك، "ففي مطلع أكتوبر 1962م أعلن ما أسمي بمجلس الدفاع الأعلى المكون مما أسمي بشيوخ الضمان(...) أما مهمة هذا المجلس فهي "حماية الحدود" أي الدفاع عن أمن البلاد، وبموجب هذا القرار فإن أعضاء المجلس (وجميعهم من كبار شيوخ القبائل -الباحث) سيكونون برتبة وزراء، لهم مرتبات الوزراء(...) وكان هذا القرار ثبت في الإعلان الدستوري مادة (10) الذي أعلن في 31 أكتوبر 1962م(...) والتفنن في إيجاد المجالس الخاصة بهم، والممثلة لمصالحهم الطبقية المحدودة...، وإشراكهم في هيئات الدولة المركزية والمحلية(...) مصحوبًا بالانصراف عن القوى الجديدة وعن الجماهير الشعبية ذات المصلحة في الثورة"، د. محمد علي الشهاري، كتاب "في مجرى الصراع بين القوى الثورية والقوى اليمينية منذ قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م حتى قيام حركة يونيو 1974م"، ص63-64، ط 1990م. كما حصل الكثير من كبار زعماء المشايخ، وشبه الإقطاع السياسي على مواقع هامة في الحكومة وغيرها، وجرى تشكيل وزارة لشؤون القبائل، كان مطيع دماج أول وزير لها، وهي اليوم (أقصد إلى فترة كتابة البحث، ٢٠١٢م)، قائمة تحت مسمى "مصلحة شؤون القبائل"، بميزانية تقدر بأكثر من أربعة مليار ريال، وبذلك انتقلنا من حالة "ثنائية الإمامة، والقبيلة" في المرحلة الإمامية، إلى "ثنائية القبيلة أو المشيخة القبلية والدولة" في المرحلة الجمهورية، وهي أحد أسباب قيام ثورة الشباب والشعب الجارية. وهي قطعًا واحدة من مصاعب تحولات الثورة اليوم. ولذلك لم يطرح سؤال شرعية النظام، سياسيًا، واجتماعيًا، ووطنيًا، وحتى ديمقراطيًا، طيلة ما يقارب الأربعة عقود المنصرمة، بسبب اندماج البنية الاجتماعية التقليدية (زعماء المشايخ والقبيلة ورجال الدين السياسي) بالدولة، فهم معًا اشتركوا في قمع المجتمع، ومصادرة الدولة الوطنية الحديثة. ولا يمكن فهم كل ما سبق إلا باعتباره حضورًا كثيفًا للتاريخ في أسوأ ما فيه من تجليات وخصوصيات ما نزال نعاني منها على صعيد الممارسة في قمة السلطة، وفي الواقع (عدم الاندماج الاجتماعي الوطني)، إشكاليات لا بد من حلها وطنيًا، وثوريًا، وبصورة ديمقراطية.

(6) أسامة مصالحة، صحيفة الحياة اللندنية، الأحد 9/9/2012م، العدد رقم (18055) ص24، بتصرف من الباحث بما لا يخل بالسياق وبالمعنى.