حين يدفع الوطن ثمن عناد أبنائه!
في شعوب كثيرة، مهما اشتدت الخلافات وسالت الدماء، يأتي وقت يدرك فيه الناس أن الوطن أكبر من خلافاتهم، وأن استمرار الصراع لا يعني انتصار طرف، بقدر ما يعني خسارة الجميع. عندها يتنازلون، ويعضّون على جراحهم، ويقبل كل طرف أن يخسر شيئًا من حسابه، حتى يبقى الوطن واقفًا.
إلا نحن في اليمن… كأننا لم نتعلم من كل هذه السنين إلا كيف ننتقم من بعضنا، وكيف نجعل خسارة خصمنا أهم من نجاة وطننا. لا بأس أن نخسر جميعًا، ما دام الآخر قد خسر أيضًا.
تعلمنا منذ الصغر كيف نحمل السلاح، وكيف نوجّهه إلى القلب والرأس، لكننا لم نتعلم كيف نخفضه حين يكون من يقف أمامنا ابنًا من أبناء وطننا. تعلمنا كيف ننتقم، لكننا لم نتعلم كيف نتنازل. تعلمنا كيف نكسب المعركة، لكننا لم نتعلم كيف ننقذ الوطن من نتائجها.
نحمل أحقادنا معنا، ونورّثها لأبنائنا، ثم نستغرب لماذا يكبر جيل لا يعرف من الوطن إلا الخوف والفقد والثأر، ولا يعرف عن السلاح إلا كيف يصوّبه إلى الرأس والقلب.
والأشد وجعًا أننا لا نحتاج إلى عدو يهزمنا… يكفي أن يصرّ كل طرف على أن ينتصر وحده، حتى نصبح جميعًا مهزومين.
وهكذا نخسر الوطن مرتين… مرة حين نحاربه بأيدينا، ومرة حين نكتشف متأخرين أن من كنا نريد هزيمته كان، مثلنا، ابن هذا الوطن؛ وأن الخاسر الأكبر لم يكن طرفًا واحدًا، بل اليمن كلها.
رواندا ليست بعيدة عنا. مرّ أهلها بواحدة من أبشع المآسي، ثم بدأوا، بعد توقف القتال، طريقًا طويلًا للتعافي وإعادة البناء. لم يكن الطريق سهلًا، لكن تجربتهم تذكّرنا بأن البلد، مهما كان جرحه عميقًا، يستطيع أن يبدأ من جديد إذا توقف أبناؤه عن الانتقام، ووجدوا طريقًا للعيش معًا.
الوطن لا يُبنى بمنطق: «إما أن أحكم أو أحرقه»، ولا بمنطق: «إذا لم آخذ كل ما أريد، فلا يهمني ماذا يحدث للبقية».
السياسة في النهاية ليست أن تحصل على كل شيء، بل أن تعرف متى تتنازل عن جزء مما تريد، حتى لا يدفع الوطن كله الفاتورة.
لأن الوطن الذي لا يتعلم أبناؤه متى يضعون السلاح جانبًا، سيتحول فيه كل انتصار إلى هزيمة مؤجلة، وكل ثأر إلى ثأر جديد… وحينها لن يبقى أحد ليربح شيئًا.



