الدراما اليمنية... ذاكرة غائبة وفن يبحث عن وجهه
ليست الدراما ترفًا، ولا الفن مساحة زائدة يمكن الاستغناء عنها حين تضيق البلاد بأزماتها. في المجتمعات التي تعيش التحولات والحروب والانقسامات، تصبح الدراما والفنون واحدة من أهم الوسائل التي يستطيع المجتمع من خلالها أن يرى نفسه، وأن يفهم ما الذي حدث له، وأن يحفظ ذاكرته من النسيان.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن النظر إلى واقع الدراما والفن في اليمن اليوم. فالمشكلة ليست في غياب المواهب، ولا في انعدام الحكايات، ولا في فقر البيئة اليمنية بالقصص والشخصيات والأماكن والتاريخ. اليمن، بكل ما فيه من تنوع اجتماعي وجغرافي وثقافي، يكاد يكون مخزنًا مفتوحًا للحكايات. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب البنية التي تستطيع أن تحوّل كل ذلك إلى صناعة فنية مستمرة.
منذ منتصف السبعينات، مرورًا بالثمانينات والتسعينات، كانت الدراما اليمنية محدودة الإنتاج، موسمية في كثير من الأحيان، وتعاني من نقص واضح في الإمكانات والنصوص المتخصصة، لكنها كانت أقرب إلى المجتمع. كانت تلتقط شيئًا من حياة الناس، من لهجتهم، من تفاصيلهم اليومية، من علاقاتهم ومشكلاتهم، ومن صورة اليمن في ذلك الزمن.
لم تكن هناك منافسة إنتاجية كبيرة، ولم تكن المسلسلات تتدفق على الشاشات كما يحدث اليوم، لكن القليل الذي كان يُنتج كان يترك أثرًا؛ لأنه كان، بدرجات متفاوتة، يعرف البيئة التي يأتي منها ويخاطب الناس الذين يشاهدونه.
ثم تغير المشهد مع بداية الألفية. انتشرت القنوات الفضائية، ثم جاء الإنترنت، وتوسعت المنصات الإعلامية، وأصبحت عملية إنتاج المحتوى أكثر سهولة من السابق. ظهرت مسلسلات وأعمال كثيرة، لكن زيادة الكم لم تكن دائمًا تعني تطورًا في النوع.
بعض الأعمال ظل موسميًا، يظهر في فترة معينة ثم يختفي. وبعضها كان مرتبطًا بظرف إنتاجي أو قناة بعينها، بينما بقيت المشاريع التي تقوم على التخطيط الطويل والبحث والكتابة والإنتاج المتواصل قليلة للغاية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: لا يمكن بناء صناعة درامية من دون صناعة حقيقية حولها.
الصناعة تحتاج إلى كاتب، ومخرج، وممثل، ومدير إنتاج، ومصور، ومصمم، ومونتير، وموسيقي، وباحث، وفني إضاءة وصوت، ومؤسسة قادرة على التدريب والتمويل والتوزيع والتسويق. والأهم من كل ذلك، أنها تحتاج إلى رؤية تعرف لماذا تنتج هذا العمل، ولمن، وما الذي تريد أن تقوله.
لقد عانينا طويلًا من التعامل مع الدراما باعتبارها مجرد ساعات يجب ملؤها على الشاشة، لا باعتبارها عملًا فنيًا وثقافيًا يحتاج إلى وقت وميزانية وبحث وتجربة.
وأنا أقول ذلك من تجربة شخصية.
في عام 2012، تقدمت إلى إحدى القنوات بفكرة مسلسل وثائقي عن اليمن، حملت له اسم «ذاكرة اليمن» أو «ذاكرة المكان». كانت الفكرة تقوم على استعادة شخصيات يمنية قديمة وحديثة تركت أثرًا في المجتمع، من شعراء وفنانين ومثقفين وشخصيات سياسية واجتماعية، بحيث تكون كل حلقة في حدود خمسة وأربعين دقيقة، وتتناول شخصية أو مرحلة أو مكانًا باعتباره جزءًا من الذاكرة اليمنية.
كنت أرى أن اليمن لا ينبغي أن يظهر على الشاشة فقط من خلال الأخبار والحرب والسياسة، وإنما يجب أن يظهر أيضًا من خلال ذاكرته الإنسانية.
لكن المشروع لم يرَ النور. واستُبدلت الفكرة بمسلسل لم أجد فيه ما يبرر التخلي عن مشروع كان يمكن أن يحفظ جزءًا من الذاكرة اليمنية، ثم لم يكتمل بث ذلك المسلسل في حينه.
لم تكن تلك الحادثة بالنسبة لي مجرد مشروع لم ينجح. كانت دليلًا على مشكلة أوسع تتعلق بطريقة إدارة المحتوى، وبالاختيارات التي تصنعها بعض المؤسسات الإعلامية، وبغياب الرؤية التي تستطيع أن تفرّق بين إنتاج يملأ ساعات البث وإنتاج يبقى في ذاكرة الناس.
وخلال سنوات طويلة، قدمت تصورات وأفكارًا لمشروعات فنية وثقافية أخرى. وفي معظم الأحيان، كنت أعود إلى السؤال نفسه: لماذا لا نستثمر في الإنسان اليمني، وفي ذاكرته، وفي فنه، وفي الأماكن التي صنعت تاريخه؟
اليمن ليس مجرد خبر سياسي.
هناك صنعاء القديمة، وحضرموت، وتعز، وزبيد، وإب، وتهامة، والجوف، ومأرب، وشبوة، وسقطرى، وغيرها من الأماكن التي تحمل طبقات هائلة من التاريخ والحكاية. هناك الشعر والموسيقى والمسرح والفنون الشعبية والحرف والعمارة والملابس واللهجات والأغاني والحكايات الشفوية. وهناك عشرات الفنانين والكتاب والمبدعين الذين ساهموا في تشكيل الوعي اليمني، ولم يحصلوا على المساحة التي يستحقونها.
كل ذلك مادة درامية ووثائقية وفنية هائلة.
لكن هذه المادة تحتاج إلى من يبحث عنها قبل أن تضيع.
الحرب والانقسام والهجرة لم تؤثر فقط في السياسة والاقتصاد. لقد أثرت أيضًا في الذاكرة الثقافية. أجيال كاملة كبرت وهي ترى اليمن من خلال صور الحرب والانقسام والفقر والهجرة. ولذلك يصبح من مسؤولية الفنان أن يقدم صورة أخرى؛ لا صورة مزيفة أو وردية، وإنما صورة أكثر اكتمالًا.
نحن لا نحتاج إلى فن ينكر الواقع، بل إلى فن يفهم الواقع.
نحتاج إلى دراما تستطيع أن تضع الإنسان اليمني في مركز الحكاية، وأن تتناول الخوف والفقر والهجرة والحرب والانقسام والأسرة والحب والعمل والاغتراب، كما تتناول أيضًا الجمال والطبيعة والتاريخ والموسيقى والذاكرة.
ومن هنا جاءت فكرة (وجه الشرق).

لم تكن الفكرة مجرد تأسيس شركة إنتاج جديدة تدخل سوقًا مزدحمًا، وإنما جاءت من رغبة في بناء مساحة مختلفة للفن اليمني. طرح الفكرة رجل الأعمال اليمني (إبراهيم القاضي) المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي ظل لسنوات يفكر في مشروع فني وثقافي له علاقة باليمن، وحين التقينا بدأنا معًا في وضع الخطوط الأولى للمشروع، من الاسم إلى الرؤية والأهداف وطبيعة العمل.
نحن ندرك أن «وجه الشرق» لن تغيّر المشهد وحدها، ولا تدّعي امتلاك الحل السحري لأزمة طويلة ومعقدة. لكنها تستطيع أن تبدأ من مكان مختلف.
أن يكون الإنتاج مبنيًا على الفكرة، لا على مجرد ملء مساحة زمنية.
أن تكون القصة هي الأساس.
أن يعود الكاتب إلى موقعه الحقيقي.
أن يحصل المخرج على مساحة لصناعة رؤيته.
أن يجد الفنان فرصة للعمل في مجاله الحقيقي.
وأن تتحول الكاميرا من مجرد أداة للتصوير إلى وسيلة لاكتشاف اليمن.

(وجه الشرق) تريد أن تقترب من التاريخ اليمني، ومن الإرث الاجتماعي والثقافي والفني، ومن الطبيعة، ومن الشخصيات التي صنعت أثرًا، ومن القصص الصغيرة التي تبدو عادية، لكنها في الحقيقة تختزن روح المجتمع.
وفي الوقت نفسه، نريد أن نمنح الجيل الجديد من الفنانين والكتاب والمصورين والمخرجين فرصة ليقدموا رؤيتهم هم أيضًا. فالمشروع لا يمكن أن يعيش على الماضي وحده، كما لا يمكن أن يعيش على الحاضر وحده. نحن بحاجة إلى جسر بين الذاكرة والمستقبل.
ولهذا، فإن (وجه الشرق) ليست مشروعًا مغلقًا على مؤسسيها. إذا نجحت الفكرة، فإن قيمتها الحقيقية ستكون في قدرتها على فتح الباب أمام كل مبدع يمتلك شيئًا حقيقيًا يريد أن يقوله.
كاتب لديه قصة.
مخرج لديه رؤية.
فنان لديه تجربة.
مصور يرى اليمن بطريقة مختلفة.
موسيقي يحمل ذاكرة مكان.
أو شاب يريد أن يوثق مدينة أو قرية أو شخصية يخشى أن تختفي من الذاكرة.
هؤلاء جميعًا هم جزء من المشروع.
فالفن في النهاية ليس شركة ولا قناة ولا منصة. الفن هو الإنسان، وما يتركه الإنسان خلفه من أثر.
واليمن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى من يوثق هذا الأثر.
بحاجة إلى أن تستعيد الكاميرا دورها في النظر إلى البلاد بعيدًا عن ضجيج السياسة وحدها.
وبحاجة إلى دراما لا تخجل من واقعها، ولا تستسلم لسطحية السوق، ولا تجعل من الجمهور مجرد مستهلك.
نحن بحاجة إلى أعمال تجعل اليمني يرى نفسه على الشاشة، ويرى تاريخه وأمه وأباه ومدينته وقريته وشارعه وذاكرته وأحلامه وخوفه وفرحه.
هذه هي المساحة التي نريد أن تتحرك فيها (وجه الشرق).
لا باعتبارها نهاية الطريق، وإنما باعتبارها محاولة لفتح طريق جديد.
طريق يعيد للفنان مكانه، وللكاتب قيمته، وللقصة حضورها، وللصورة معناها، وللذاكرة اليمنية حقها في أن تبقى حية.
فحين تغيب الدراما، لا يغيب الترفيه فقط.
يغيب جزء من ذاكرة المجتمع.



