الإثنين 28 سبتمبر 2026

تحالف الـ7 ضد آبي أحمد!

بدأ خلال اليومين الماضيين الإعلان عن تكتل سبع مجموعات معارضة مسلحة في إثيوبيا، تشكيل ائتلاف سياسي وعسكري يهدف إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. وعلى رأس تلك المجموعات تأتي حركة تحرير شعب تيغراي، وهو إقليم مسيحي ملاصق لكل من إريتريا والسودان. وقد بدأت التحركات العسكرية ضد الجيش الإثيوبي الفيدرالي، الذي بدا في حالة ضعف تجاه تحركات القوى المسلحة المعارضة التي تهدف للوصول إلى العاصمة أديس أبابا لإسقاط ما أسمته حكومة رئيس الوزراء، وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي يشهد فيه إقليم القرن الإفريقي تحركات واسعة لبعض الدول الإقليمية والدولية،

بدءاً بالكيان الصهيوني الذي أخذ يتمدد بقواعد عسكرية في إقليم صومالي لاند، ومعه الإمارات العربية المتحدة، وإثيوبيا بقيادة آبي أحمد الطامح للحصول على منفذ بحري دائم على البحر الأحمر في الإقليم الصومالي الانفصالي عن العاصمة الفيدرالية مقديشو، التي أخذت توسع علاقاتها السياسية والعسكرية مع مصر والمملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا. وتسعى جميع القوى إلى إيجاد موطئ قدم في هذا الإقليم الإفريقي المتميز ذي الموقع الجغرافي الهام عند مدخل البحر الأحمر.
آبي أحمد
آبي أحمد
في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة خلال الأسبوع الماضي، ثارت جملة من الأسئلة حول جدوى انفجار الصراع داخل إثيوبيا بهذه الصورة العنيفة، ومن يقف وراء تفجير الحرب في المنطقة الملتهبة بذاتها؟
للإجابة عن تلك التساؤلات بصورة دقيقة لا بد من قراءة المواقف السياسية التي صدرت عقب تطورات الأحداث كلاً على حدة، وعلى النحو الآتي:
قبل الخوض في استشراف المواقف السياسية للدول، لا بد من فهم طبيعة الصراع السياسي على السلطة داخل إثيوبيا التي تتكون من خليط غير متجانس من القوميات المتناثرة داخل الخريطة السياسية، والتي تزخر بتنوع قومي وعرقي كبير، إلى جانب تنوع ديني خليط بين غالبية مسيحية متعددة المذاهب، والإسلام، وغيرها من المعتقدات الوثنية وغيرها. إلى جانب ذلك، فإن الحرب المتفجرة حديثاً ليست وليدة اللحظة، بل لها جذور سياسية تاريخية مرتبطة بشكل الدولة. فقد نجحت الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية (EPRDF) بقيادة جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) في إسقاط نظام منغستو عام 1991م، وأسست نظام حكم جديداً يقوم على أساس الفيدرالية العرقية. ورغم أن قومية تيغراي لا تشكل غالبية السكان، إذ تمثل نحو 6% فقط، إلا أنها استطاعت أن تحكم إثيوبيا نحو 27 عاماً، حتى تم إقصاؤها من الحكم على يد آبي أحمد الذي وصل إلى الحكم عام 2018م، بعد أن عمت الاحتجاجات السياسية البلاد بقيادة قوميتي الأورومو والأمهرا، اللتين تشكلان غالبية سكان إثيوبيا، ونجحت تحركاتهما السياسية في إقصاء التيغراي من الحكم، وحل بدلاً عنها حزب آبي أحمد "حزب الازدهار الجديد" بعد أن تمكن من حل أحزاب الجبهة الثورية الديمقراطية، فيما رفضت حركة تحرير تيغراي تلك التطورات ورفضت الانضمام للعملية السياسية التي اعتبرتها غير شرعية.
حركة تحرير تيغراي ـ منصات
حركة تحرير تيغراي ـ منصات
تصاعد الخلاف من قبل حركة تحرير تيغراي بعد أن أجل رئيس الوزراء آبي أحمد الانتخابات النيابية عام 2020م متذرعاً بانتشار وباء كورونا، فأجرت الحركة الانتخابات منفردة في الإقليم، فتفجر النزاع بينها وبين الحكومة، وشارك في الحرب الجيش الإثيوبي الفيدرالي والجيش الإريتري وقوات موالية للحكومة الفيدرالية في إقليم أمهرا، وراح ضحيته العديد من المدنيين. وظل النزاع قائماً حتى عقد اتفاق "بريتوريا" في نوفمبر عام 2022م بين الحكومة وقيادة الحركة بوساطة الاتحاد الإفريقي، ونص الاتفاق على التزام الحكومة بإعادة الخدمات والتفاهم على الأراضي المتنازع عليها في غرب إقليم تيغراي ونزع سلاح الحركة، والتزم الطرفان بتنفيذ الاتفاق. ورغم ذلك لم يتم تطبيق بعض بنوده، إذ ظلت قضية التهجير القسري من الإقليم ونزع سلاح الحركة عالقة دون تطبيق، وظلت العلاقات بين شد وجذب حتى تفجر النزاع بصورة كبيرة بعد إعلان يوم 20 سبتمبر 2026م عن تشكل "تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء" الذي يضم سبع جماعات مسلحة هي: جبهة تحرير تيغراي، والحركة الوطنية لفانو الأمهرية (وهي حركة قاتلت مع الحكومة الفيدرالية ضد تيغراي في حرب عام 2020م)، وجيش تحرير أورومو OLA، والجبهة الوطنية لتحرير أوغادين (الإقليم الصومالي داخل إثيوبيا)، وجبهة الوحدة الديمقراطية لعفر، وحركة تحرير بني شنقول، وحركة غوموز. وأعلن الجميع أن الهدف هو إسقاط حكومة آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية، وتميزت التحركات الجديدة بأنها تشكل إجماعاً سياسياً وتحالفاً غير مسبوق، لأن فانو والأمهرا كانوا حلفاء للجيش الفيدرالي ضد تيغراي في 2020م.
وعقب تفجر الأحداث سارعت حكومة آبي أحمد باتهام كل من إريتريا ومصر والسودان بدعم التحالف الجديد وتزويده بالسلاح، وتقول حكومة آبي أحمد إن تيغراي وإريتريا لا تستطيعان فعل شيء بدون دعم خارجي من قبل مصر، كما تتهم الجيش السوداني بدعم "مرتزقة" من تيغراي.

موقف إريتريا:

تغيرت المواقف السياسية لدى أسمرة، إذ شهدت الحرب السابقة وقوفها صراحة بجانب حكومة آبي أحمد خلال الحرب مع جبهة تحرير تيغراي خلال الفترة بين 2020م و2022م، لكن سرعان ما انهار ذلك التحالف بعد اتفاق الحكومة والحركة في بريتوريا، واتهام حكومة آبي أحمد لإريتريا بتسليح الجبهة، بالرغم من نفي حكومة أسمرة التي تستضيف معسكرات للجيش السوداني.

الموقف المصري:

تتهم مصر صراحة من قبل الحكومة الإثيوبية استناداً لحالة الخلاف المستمر بينهما على تبعات سد النهضة الإثيوبي، وتطالب القاهرة بإيجاد اتفاق ملزم للتشغيل وتبادل البيانات، لكن إثيوبيا ترفض. وعلى إثر ذلك سعت مصر إلى بناء حلقة ضغط سياسي على إثيوبيا وتشكيل محور ثلاثي رسمي مع إريتريا والصومال في أكتوبر عام 2024م لمواجهة تحركات إثيوبيا نحو البحر الأحمر (مذكرة تفاهم مع أرض الصومال يناير 2024م)، والوقوف أمام تحركات إثيوبيا وإسرائيل والإمارات داخل الإقليم الصومالي الانفصالي. ورغم ذلك تنفي مصر دعم المتمردين الإثيوبيين، لكن المحللين يرون أن مصر تحاول تطويق إثيوبيا من الشمال، وخرج قائد الجيش الإثيوبي بتصريح يتهم فيه مصر بإثارة الأحداث، ونفت مصر ذلك.

الموقف السوداني:

لعبت إثيوبيا دوراً فاعلاً في دعم ومساندة ميليشيات الدعم السريع السودانية التي تقاتل الجيش السوداني، من خلال فتح العديد من المعسكرات للميليشيا داخل أراضيها، فضلاً عن تسهيل وصول الدعم العسكري الإماراتي عبر أراضيها لقوات الدعم السريع. إلى جانب ذلك ظهر قائد الجيش الإثيوبي يتهم الجيش السوداني، الذي رفض الاتهامات الإثيوبية بدعم المعارضة، ويقول إنه ملتزم بحسن الجوار، بالرغم من اتهام الجيش السوداني صراحة إثيوبيا والإمارات بدعم قوات الدعم السريع عبر أراضي إثيوبيا من خلال (معسكر في بني شنقول، ومطار أصوصا للمسيّرات)، وهذه الاتهامات أشارت إليها وكالة رويترز في يونيو 2026م.

موقف الإمارات:

تقوم الإمارات بالتعاون مع إسرائيل والحكومة الإثيوبية بالعمل على توسيع مصالحهما في القرن الإفريقي بصورة لا لبس فيها حسب التقارير الاستخباراتية المختلفة، وتبني على إثر ذلك العديد من الموانئ والمطارات في المنطقة. ولم تخف الإمارات تعاونها مع إثيوبيا في دعم ميليشيات الدعم السريع في السودان من خلال استخدام الأراضي الإثيوبية، وأدانت الإمارات تحركات جبهة تحرير تيغراي ضد الحكومة الفيدرالية. فضلاً عن ذلك، تتهم جبهة تيغراي الإمارات بأنها أبرز الداعمين الخارجيين لحكومة آبي أحمد، وهو الاتهام نفسه الذي يقول به الجيش السوداني بدعم الدعم السريع وإرسال مسيّرات عبر إثيوبيا، وتحاول الإمارات التدخل من خلال تواجدها عبر الاستثمارات الكبيرة التي تضخها في ميناء بربرة بأرض الصومال الانفصالي.
آبي أحمد مع محمد بن زايد
آبي أحمد مع محمد بن زايد

مواقف تركيا وقطر والسعودية وباكستان:

اختلفت مواقف الدول الثلاث، فتركيا لها وجود عسكري واقتصادي في الصومال وتحافظ على علاقات قوية مع إثيوبيا، وهي ضمن محور مصر والسعودية وقطر وإريتريا لموازنة نفوذ الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا في القرن الإفريقي، وتنسق جهودها مع المملكة العربية السعودية التي دخلت على خط التطورات السياسية في الصومال من خلال توقيع اتفاق تعاون عسكري مع الصومال في فبراير 2026م. وزادت التطورات وضوحاً بعد إعلان تحالف مكة الدفاعي الذي تم إعلانه بين تركيا والسعودية وباكستان، التي عقدت مؤخراً صفقة بيع أسلحة حديثة ومتطورة لحكومة مقديشو تشمل 24 طائرة J-17 الحربية الباكستانية، وتنسق جميع الأطراف جهودها في القرن الإفريقي دعماً لمصر.

موقف الولايات المتحدة الأمريكية:

تنظر الولايات المتحدة الأمريكية لمنطقة القرن الإفريقي كمنطقة حيوية بالنسبة لها، وهذا مرتبط بصورة مباشرة بالتطورات السياسية المرتبطة بالبحر الأحمر، وتتحرك في إطار إحداث التوازن بين محور إسرائيل والسعودية. فقبل أيام من تفجر الصراع عملت واشنطن على رفع العقوبات عن إريتريا، وسط تكهنات بارتباط ذلك الإجراء بأزمة البحر الأحمر، لاسيما دعم التوجهات الإسرائيلية والإماراتية في تثبيت قواعد عسكرية في إقليم صومالي لاند عند مدخل باب المندب، كي يتسنى لها سرعة وصول أصولها العسكرية للمنطقة في وقت الأزمات.
والخلاصة: أن الصراع في إثيوبيا ليس وليد اللحظة، بل يعد نتاج تراكمات سياسية متجذرة داخل بنية النظام السياسي الفيدرالي الهش، الذي من السهل استغلاله للتدخل في شؤونه الداخلية، لاسيما مع تسهيلات الحكومة الإثيوبية الكبيرة والواسعة للإمارات للعبث في أمن السودان بدعم ميليشيا الدعم السريع، فمن كان بيته من زجاج فالأجدر به ألا يرمي الآخرين بالحجارة. رفعت الأقلام وجفت الصحف.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.