حَبّة التمر وحدود القلوب
اليمن والسعودية... فلسفة الجار لجاره
موجهات العلاقة التي ينبغي أن تستقيم عليها صلة الجارين الشقيقين: اليمن والمملكة العربية السعودية
ليست العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية علاقة حدود بين دولتين متجاورتين فحسب، ولا ينبغي أن تُختزل في ملفات سياسية عابرة أو خلافات حدودية فرضتها ظروف التاريخ؛ فهي علاقة أعمق من ذلك بكثير، تستند إلى الجوار والجذور والامتداد الاجتماعي والتاريخي والثقافي، وإلى المبادئ والأخلاق والقيم والسلوك الإنساني الحضاري، وإلى وشائج القربى والمصالح والمصير المشترك، بما يجعل أمن أحد البلدين واستقراره ونهضته متصلًا بأمن الآخر واستقراره.
وقد عبّر النقيب أمين بن حسن أبو راس عن جانب بالغ العمق من هذه الرؤية في رسالته إلى جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمهما الله، عقب توقيع اتفاقية المصالحة والسلام عام 1970، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب لطي صفحة الحرب والانتقال من منطق الصراع إلى منطق بناء السلام.
ولم تكن رسالة النقيب أمين مجرد رسالة شكر على موقف أو مساعدة، بل كانت، في جوهرها، تصورًا سياسيًا وأخلاقيًا للعلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الجارين: علاقة لا تُبنى على رعاية الأشخاص أو توظيف الخلافات الداخلية، وإنما على مساعدة اليمنيين في بناء دولتهم ومؤسساتهم، وتعزيز التعليم والصحة والطرق والتنمية، وتمكين اليمن من النهوض بقدراته الذاتية؛ لأن ما يبقى للشعوب هو ما يُبنى لها، لا ما يُقدَّم لأفراد أو يُوظَّف لمصلحة مرحلة أو طرف. وهذا هو واجب الجار تجاه جاره.
وفي خلفية هذه الرؤية، تبرز دلالة الحوار الذي دار بين النقيب أمين والملك فيصل حول الحدود. فعندما سأله الملك، في سياق المداعبة السياسية التي فرضها خلاف الحدود: «أين حدودكم وحدودنا يا شيخ أمين؟»، جاء جواب النقيب بما يتجاوز الخرائط إلى معنى أعمق:
«إن كانت الأيام لكم يا جلالة الملك، ونحن شعب واحد، فحدودكم صنعاء؛ وإن كانت الأيام لنا، فحدودنا الرياض».
ولم يكن المقصود إلغاء الحدود السياسية للدول أو الانتقاص من سيادتها، وإنما الإشارة إلى حقيقة أقدم من الحدود السياسية: أن ما فرّقته الجغرافيا السياسية لا تلغيه وحدة الجوار والروابط الإنسانية والتاريخية.
فالحدود السياسية تُرسم لتنظيم علاقة الدول وحماية سيادتها، لا لتباعد بين الشعوب؛ ولتطمئن النفوس وتلتقي المصالح، لا لتجعل من الجار خصمًا أو تحول دون التعاون بينه وبين جاره.
«سنتقاسم مع إخوتنا اليمنيين حبة التمر»
وفي هذا السياق تكتسب عبارة الملك فيصل بن عبدالعزيز، التي يوردها كتاب «يلتقيان» في سياق لقائه بأخيه القاضي عبدالرحمن الإرياني، دلالة بالغة العمق؛ إذ عبّر عن معنى الأخوة والجوار والمصير المشترك بقوله:
«سنتقاسم مع إخوتنا اليمنيين حبة التمر».
لم تكن «حبة التمر» في هذا التعبير مجرد صورة بلاغية، وإنما تختصر فلسفة كاملة في معنى الأخوة والجوار: أن ما يجمع البلدين أكبر من تقلبات السياسة، وأن الجار الحقيقي لا يقف مع جاره حين تتسع الموائد فقط، بل يتقاسم معه ما تيسر حين تضيق الحال.
وهي، في جوهرها، رؤية لعلاقة لا تقوم على المنّة أو التفضّل، وإنما على المشاركة والتكافل وصون الكرامة، وعلى أن يكون الخير والأمن والاستقرار مصلحة مشتركة لا امتيازًا لطرف على حساب الآخر.
وحين تُقرأ هذه العبارة إلى جانب ما ورد في رسالة النقيب أمين بن حسن أبو راس، تتضح فلسفة العلاقة التي كان يمكن أن تقوم بين البلدين: حدود سياسية تحفظ سيادة الدول، وقلوب لا تقيم بينها الحدود، ومصالح مشتركة تجعل قوة أحد الجارين سندًا لقوة الآخر، لا سببًا لإضعافه.
فـ«حبة التمر» تقابل «الحدود» في معناها السياسي؛ الأولى تذكّر بالمشاركة، والثانية تنظّم السيادة، وبينهما تقوم علاقة الجار بجاره.
ومن هنا يمكن فهم جوهر رسالة أمين أبو راس إلى الملك فيصل: أن قوة المملكة لا تكتمل بضعف اليمن، كما أن أمن اليمن لا يتحقق بإضعاف المملكة؛ وأن مصلحة الجارين تكمن في يمن مستقر وقادر، ومملكة آمنة وقوية، وعلاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الوصاية أو استتباع أحدهما للآخر.
وعلى من تسانده الأيام اليوم أن يثبت، قبل غيره، حسن نيته تجاه جاره؛ فالأيام دول، والقوة متغيرة، أما حسن الجوار فيبقى من أثمن ما تحفظه الشعوب في ذاكرتها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لما عبّر عنه الملك فيصل، وما طرحه النقيب أمين، من رؤية تقوم على أن الجزيرة العربية فضاء تتداخل مصالح أجزائه، وأن على الجارين أن يتكاملا ويتشاركا في مسؤولية حماية أمنها واستقرارها وصونهما.
فالجغرافيا لا تختار مصالحها، والتاريخ لا ينفصل بقرار سياسي، والمستقبل لا يمكن أن يُبنى بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بمنطق من تكون الأيام في صفه اليوم.
لقد أدرك أمين أبو راس، كما أدرك الملك فيصل، أن السلام الحقيقي لا يكتمل بمجرد إيقاف الحرب، وإنما يبدأ بعد ذلك: حين يتحول السلام إلى مدرسة، وطريق، ومستشفى، ومصنع، ومزرعة، ومؤسسة دولة، وفرصة أمام المواطن اليمني ليبني حياته وبلده بكرامة.
وهذه هي القيمة السياسية الباقية في رسالة أمين أبو راس: أنها لم تطلب من المملكة أن تختار أشخاصًا في اليمن، بل أن تنحاز إلى اليمن؛ ولم تطلب أن تُدار اليمن من خارجها، بل أن تُساعد على أن تستعيد قدرتها على إدارة نفسها؛ ولم تنظر إلى المملكة باعتبارها قوة مجاورة فحسب، بل باعتبارها شقيقًا قادرًا على أن يجعل من قوة الجوار رصيدًا مشتركًا للأمن والتنمية والاستقرار.
فإذا كان البلدان، بحكم التاريخ والجغرافيا والروابط الإنسانية، قد جمعهما قدر واحد في الجزيرة العربية، فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يكون مستقبلهما قائمًا على شراكة الجارين، لا علاقة التابع والمتبوع؛ وعلى الاحترام المتبادل، لا الوصاية؛ وعلى بناء الدولة، لا إدارة الأفراد؛ وعلى المصالح المشتركة، لا استدامة الأزمات.
وهذا، في تقديري، هو جوهر الرسالة التي كتبها النقيب أمين بن حسن أبو راس إلى جلالة الملك فيصل: أن اليمن ليس ملفًا في السياسة السعودية، كما أن المملكة ليست خصمًا في الوعي اليمني؛ وإنما هما جاران شقيقان، يستفيد أحدهما من استقرار الآخر، ويتضرر أحدهما من اضطرابه.
وأن أفضل ما يمكن أن يقدمه القوي لجاره ليس أن يقرر عنه، وإنما أن يساعده على أن يقف على قدميه.
ومن هذا المنطلق، تكتسب رسالة أمين أبو راس، بعد أكثر من نصف قرن، قيمة تتجاوز ظرفها التاريخي؛ إذ تطرح مبدأً لا يزال صالحًا للعلاقة بين البلدين:
ساعدوا اليمن على أن يصبح قويًا ومستقرًا لا تابعا، لأن اليمن القوي ليس خطرًا على جاره، بل رصيدٌ لأمنه واستقراره ومستقبله.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُستعاد من تلك المرحلة، في ابام يجتمع فيها اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية مع الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر اليمنية، هو أن نستعيد من التاريخ لا خلافاته، وإنما حكمته؛ وأن نستحضر من الماضي ما يعين على بناء المستقبل، لا ما يعيد إنتاج الخصومة.
فاليوم الوطني مناسبة لاستحضار معنى الدولة، والسيادة، والبناء، والنهضة؛ و26 سبتمبر مناسبة لاستحضار معنى الدولة الجمهورية، والمواطنة، والتحرر من الاستبداد، وبناء المستقبل.
وبين المناسبتين تظل الحقيقة الأهم: أن الجار لا يختار جاره، وأن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، وأن ما تستطيع السياسة أن تفعله اليوم يمكن أن يترك أثره لأجيال قادمة.
فالسلام بين الجارين لا ينبغي أن يكون مجرد غياب الحرب، بل حضور الثقة؛ ولا ينبغي أن يكون مجرد اتفاق على الحدود، بل اتفاقًا على احترامها؛ ولا أن يكون مجرد تفاهم بين الحكومات، بل جسرًا تتلاقى عليه مصالح الشعبين.
وتلك، في النهاية، هي فلسفة «حبة التمر»: أن يتقاسم الجاران ما لديهما، وأن يتعاونا حين تتسع القدرة، وأن يتساندا حين تضيق الحال، وأن يعرف كل منهما أن أمنه واستقراره لا يكتملان بإضعاف الآخر، بل بقدرته على الوقوف إلى جواره.
مرفق : نص رسالة النقيب أمين بن حسن أبو راس إلى جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمهما الله، عقب توقيع اتفاقية المصالحة والسلام عام 1970.
نص الرسالة
رسالة النقيب أمين بن حسن أبوراس إلى جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود، رحمهما الله...
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الجلالة، الملك فيصل بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، المبجل
تحية العروبة والإسلام والكفاح المشترك، من أجل نصرة الحق وبعد:
لقد فكرت كثيرًا وقلبت أوجه الرأي طويلًا قبل أن آخذ القلم والقرطاس لأنقل إلى جلالتكم بواسطتها صادق مشاعر الأخوة والإحساس العميق إزاء مواقف جلالتكم المشرفة في ما يتعلق بقضية التخلف والعزلة الرهيبة في اليمن التي لا زالت مجسدة في صورة الثالوث المخيف، الجهل، والفقر، والمرض.
إن مواقفكم العظيمة حجمًا وكمًا وكيفًا بالنسبة لليمن في الأعوام الأخيرة التي تلت ميثاق المصالحة والسلام، لأصدق دليل على مدى اهتمام جلالتكم بهذا الشعب العربي المسلم الجار الذي حُرم لقرون طويلة من أبسط مقومات الحياة الإنسانية، وما قدمتموه جلالتكم وتقدمونه لهذا البلد في مجال التعليم بصورة خاصة، ليس إلا ترجمة أمينة لما تكنّون جلالتكم من حب الخير ومصداقًا لقوله تعالى: "والأقربون أولى بالمعروف"... وهذا العون السخي الصادق يشكل نقطة جلية في مسار جلالتكم الحكيمة الرامية إلى تعميق أواصر القربى والعقيدة الحق بين مختلف شعوب العالم العربي والإسلامي قاطبة.
يا صاحب الجلالة، لست بحاجة إلى أن أستعرض في هذه السطور مجمل المراحل التي مر بها الشعب اليمني في كفاحه من أجل العدل والتقدم والرخاء، كما لست بحاجة إلى أن أضع بين أيدي جلالتكم الآثار الكريمة التي تركتها مساعيكم الحميدة من أجل تحقيق أهدافه من الحرية والأمن والسلام أو في مضمار جهاده الشاق أيضًا من أجل خلق اليمن القوي، علميًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وحسبي أن أشير هنا إلى نقطة هامة أعتقد أنها موضع تقدير جلالتكم... إن اليمن، يا صاحب الجلالة، قد سئمت الحرب بكل آلامها ونتائجها الدامية، ولم تعد قادرة على مواصلة جهدها في سبيل (مواجهة) الخراب والدمار الذي لا بد أن تنعكس نتائجه لا على اليمن فحسب، بل على الجزيرة العربية والخليج والوطن العربي كله.
يا صاحب الجلالة، اسمحوا لي جلالتكم أن أقول بأن الشعب اليمني كل الشعب اليمني من شماله وجنوبه لم يعد قادرًا على استيعاب الأفكار الخارجة عن عقيدته وتقاليده مهما صور له الذين يحاولون طرح مثل هذه الأفكار، فقد علمته التجارب المريرة التي جربها عبر مراحل نضاله الشاق، أن يقيم كل الأعمال على ضوء نتائجها وأبعادها، حتى لقد أصبح المواطن العادي على درجة عالية من الوعي والحس الوطني الذي يؤهله لإدراك كل الخطوات التي تشكل الطابع العام لعلاقة هذا البلد أو ذاك مع اليمن، ولذا فإنني أرى انطلاقًا من هذا المفهوم بأن الأعمال المجسدة في المشاريع الحية ممثلة في المدارس، والمستشفيات، والطرقات... الخ.. هي خير ما يمكن أن يقدم لهذا الشعب في صراعه الشاق. أما المساعدات، والهبات التي تهدف لتدعيم موقف هذا الشخص أو ذاك، فإنها لن تأتي إلَّا بنتائج عكسية لنوايا الخير والإصلاح، وباختصار أو وللأصح وبصراحة (... لأن) الشعوب هي التي تصدر أحكامها في النهاية في ما يتعلق بعلاقتها بهذا البلد أو ذاك. إن بلادنا بحاجة إلى من يأخذ بيدها بكل صدق وإيمان للخروج بها من واقعها المتخلف بكل صوره سواء بنينا مدرسة أو جامعة أو بنينا مصنعًا أو أقمنا مزرعة، وما عدا ذلك فكفقاعات الصابون سرعان ما تتلاشى مع أبسط لمسة هواء. وهذه حقيقة.
إن تدعيم الأشخاص (يا جلالة الملك) أيًا كانت هويتهم عمل غير صالح في وجهته السلبية ولا الإيجابية القريبة والبعيدة، وهذا ما أخشاه أنا شخصيًا، بل وما لا أريده على الإطلاق...
وعليه أكرر القول بأن اليمن من وجهة نظر كل يمني مخلص مؤمن، فوق الجميع، هو الباقي، وما عداه هو الزائل الفاني...
على أمل أن يحظى هذا بتقدير جلالتكم أولًا وأخيرًا.
أخوكم/ أمين بن حسن أبوراس



