باب المندب من خلال العقد الاجتماعي لبناء الدولة والصراع العربي الصهـ..يوني (1)
اليمن مطمع استعماري للغزاة منذ فجر التاريخ بسبب موقعه الجغرافي المتحكم بخطوط التجارة العالمية، حاول الرومان احتلاله في حملتين فاشلتين، وخسروا في الثانية عشرة آلاف مقاتل، ثم احتلوا اليمن وحققوا مطمعهم دون أن يخسروا جنديًا واحدًا، وذلك باستغلالهم ارتداد ذي نواس الحميري من المسيحية إلى اليهودية، وإحراق النصارى في نجران كما وثقها كتابنا الكريم في سورة الأخدود، فأوعزوا لإقليم ذي حبشة اليمني حديث الانفصال لاحتلال اليمن، والتزموا بتسليحهم وتمويلهم، وتمويل حملة التعبئة الدينية لكهنة المسيحية، كان بعضهم وبعض قادة الأحباش يدركون أن الهدف اقتصادي، وليس الانتصار لنجران سوى ذريعة لتعبئة وقود المعركة من الجنود الشباب المتحمس إلى الجنة إذا استشهد انتصارًا للمستضعفين في نجران، واتضح الهدف الحقيقي الاقتصادي عندما سعوا إلى هدم الكعبة المشرفة في العام الذي ولد فيه المصطفى، وبينت ذلك سورة الفيل.
من الطبيعي عدم تجاوب قيصر الروم مع الرمز الوطني سيف بن ذي يزن، لأنه قد حصل على مطمعه الاستعماري من خلال الحرب بالوكالة عبر الأحباش، دون أن يخسر جنديًا واحدًا. وما أشبه الليلة بالبارحة، وتجاوب كسرى فارس لذات الهدف، وهو السيطرة على الموقع الجغرافي، وجاء جد المصطفى (ص) عبدالمطلب بن هاشم، إلى صنعاء، ضمن الوفود القبلية من كل أصقاع الجزيرة العربية، مهنئين الملك سيف بن ذي يزن، بعد طرد الأحباش، ما يبين مدى استشعار العرب واحدية مصيرهم، وحرصهم على أمنهم القومي.
ومما خلده ديوان العرب مدح ابن خالة الرسول الشاعر أمية بن أبي الصلت، للملك سيف، بواحدة من عيون القصائد، أثناء حضور الوفود إلى صنعاء:
أهكذا الملك مثل الملك في اليمن
ودونه الملك قعبان من اللبن
وبعد انحسار الحضارة العربية خلال القرون الثلاثة الماضية، تناوبت الحملات البرتغالية والفرنسية والبريطانية والعثمانية وحتى المماليك على اليمن، وتصاعدت في الحروب الحديثة أهمية المواقع الاستراتيجية، لا سيما الممرات المائية، إضافة إلى أهميتها الاقتصادية، وبمتابعة أهمية باب المندب والجزر اليمنية خلال القرن الماضي، سيتضح لنا مدى خطورة إهماله على ليس على الأمن القطري لليمن فحسب، بل والأمن القومي للوطن العربي والمنطقة، وفقًا لنقيب الصحفيين الأسبق الأستاذ عبدالباري طاهر، في تقرير لصحيفة "القدس العربي"، أعده الصحفي أحمد الأغبري، في يونيو الماضي، عقب زيارة رئيس جمهورية صومالاند إلى الكيان الصهيوني، وهذا مضمونه:
يقول نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، المفكر عبدالباري طاهر، لـ«القدس العربي»: «يجيء هذا الاعتراف المنابذ للأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية لتعميق الانقسامات وَالتَّمزُّق داخل الشعوب العربية والمجاورة المؤيدة للقضايا العربية، ثُمَّ وضع قدم القُوَّة الإسرائيلية؛ لِيَمتدَّ التَّهديد الإسرائيلي إلى المنطقة العربية».
ويضيف أن «الوجود العسكري في أرض الصومال يُمَكِّن الجيش الإسرائيلي من النُفُوذ على عشرات الجزر والشواطئ اليمنية والعربية في البحر الأحمر والخليج العربي؛ وهي قوة تمتلك كُلَّ وسائل المكنة العسكرية والاستخباراتية الحديثة؛ في ظِلِّ غِياب القوة اليمنية تَمامًا، وضعفها في الجانب العربي».
ويعتقد طاهر أن خطر الحضور الإسرائيلي في الإقليم على الأمن القومي في اليمن، أفدح.
ويقول: «والخطر الداهم وإن كان يعمّ الأمَّة العَربيَّة والأمن القومي؛ فَإنَّ خطره على اليمن المُفَكَّكة وَالمُمزَّقَة والتي يراد لها نفس مصير أرض الصومال. وهناك طرف يمنيّ مسلح تابع لدولة الإمارات في الجنوب اليمنيّ، يعمل على ذلك ويعلنه».
ويضيف: «أمَّا نشر إسرائيل لعشرات من جنودها فهو واقع؛ ليس في أرض الصومال فحسب، وإنَّمَا يدور الحديث عن إنشاء الإمارات العربية المتحدة مطارًا في ميون؛ وَهُوَ ما يعني وجودًا إسرائيليًا مباشرًا. فدولة الإمارات، رغم الثروة، أصغر من أن تُهدِّد اليمن والأمن القومي العربي والأمَّة كلها. وللإمارات حُضُور قَوي في كُلِّ الجُزُر اليمنية الكثيرة، وفي موانئ عدن، وشبوة، والمخا».
وأشار عبدالباري طاهر إلى أن «القَوس الممتد من تَلّ أبيب، إلى أبوظبي، إلى البحرين، إلى أرض الصومال، والجولان، وجبل الشيخ، والجنوب اللبناني؛ والحاضر بِقُوَّة في حرب الإبادة في السُّودان، وفي التفكيك والانقسامات في ليبيا، والعراق، واليمن، وَالصُّوَمال، كله مُؤشِّر على أنَّ المخطط الصهيوني الأمريكي الذي يُشير إليه كتاب الزعيم الصهيوني بيريز "الشَّرق الأوسط الجديد"، وَيَخُطُّهُ كتاب "مكان تحت الشمس"، لنتنياهو الذي يكتبه بالدَّم بدلًا من المداد، هذا القوس لا يزال يمتد ويصل إلى إيران، وَرُبَّما إلى أبعد من ذلك».
ويرى «أنَّ الخلل في النهج والسِّياسَات والخطاب العربي منذ 1948 و1956، و1967، وما بعد، هو الاعتقاد والتأكيد أنَّ إسرائيل قد فشلت في تحقيق أهدافها؛ وفي ذلك الاعتقاد والخطاب قَدرٌ من الصَّواب، وَكَثيرٌ من الخَطَأ».
ويقول: «صحيح أنَّ الصهيونية لم تحقق كَاملَ حلمها في فرض التَّهجِير على كُلّ الشَّعب الفلسطيني، ولم تقم الدَّولة اليهودية من البحر إلى النهر، ولم يستطع ترامب ونتنياهو إقامة الشرق الأوسط الجديد الذي وعدا به؛ ولكن الأصحَّ أنَّ ما تحقق منذ 1948 حتى اليوم الشيء الكثير؛ ففلسطين كلها في قبضة الفاشي الإسرائيلي، وغزة تحت وطأة الإبادة بعد التدمير الشامل، واحتلال 70 في المائة من أراضيها، وَالضفة تحت الاستيطان، وكذلك العاصمة السورية ومناطق واسعة منها مُحتلَّة، وجنوب لبنان محروب ومحتل أيضًا، والمنطقة العربية كلها تحت التهديد، وأنظمتها إمَّا متواطئة، أو مستكينة. والمأساة أنَّ تنفيذ المُخَطَّط الذي بدأ منذ بازل لا يزال قَائِمًا، بينما إرادة الأمة العربية ومقاومتها في لحظة انكسار وضعف».
الوجود العسكري في ميناء بربرة
وعن الوجود العسكري الإسرائيلي في ميناء بربرة الصومالي مستقبلًا، شدد عبدالباري طاهر على أنه «لا ينبغي الاستهانة بالوجود العسكري الإسرائيلي في ميناء بربرة؛ فَهُوَ يعني حُضُورًا في باب المندب، وفي مَيُّون، وفي الموانئ اليمنية المشاطئة؛ ويعني -في أهم ما يعني- أنَّ أمن البحر الأحمر والبحار العربية يصبح في قبضة القوة الإسرائيلية؛ وذلكم تهديد للأمن القومي».
وفي ما يتعلق بما هو مطلوب من اليمن والدول المشاطئة للبحر الأحمر، فهو كما يقول طاهر: «أولًا إدراك هذا الخطر. فَمَا هو حاصل الآن في اليمن أنَّ كل قادة المليشيات هنا وهناك؛ كل واحد منهم يعتقد أنَّ الخطر الحقيقي هو أخوه الذي ينازعه السُّلطة والنفوذ؛ وقد يلتجئ للعدو في مواجهة أخيه. والشعب اليمني، والإرادة اليمنية مفككة ومتصارعة ومطحونة، وخطاب الحاكمين غير مُجدٍ؛ لأنَّ مصالحهم الأنانية الضَّيِّقَة هي كُلُّ شَيء، ولا يعيرون أي اعتبار واهتمام لأوضاع شعبهم وقضايا أمَّتِهِم».
وأضاف: «المواطن اليمنيّ الآن يعاني المجاعة وفقدان وسائل الحياة الطبيعية: الماء، والكهرباء، والدخل اليومي، والعدالة، التعليم، والتطبيب، ويفتقر إلى الأمن والاستقرار والسَّلام في ظل التهديد بالحروب المستدامة، وغياب الحرية بِكُلِّ المعاني».
ويؤكد نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، أن «المطلوب الحقيقي يقظة الأمة العربية كٌلها، ويقظة الشُّعوب العربية، وإدراك الخطر المزدوج والمركب الذي يتشارك فيه الحكم المتواطئ أو الضعيف الممالئ، مع الخطر القائم والمجتاح والمُحتلّ لِغَزَّة، والضَّفَّة، وجنوب لبنان، وَالجُولان، ويصل إلى إيران وأبعد من ذلك».
بفضل التفوق التكنولوجي العسكري للاحتلال البريطاني مقارنة بالوجود التركي في شمال الوطن، وبعده سلطة الإمام يحيى، فقد تمدد الاحتلال البريطاني ليسطو على كافة الجزر اليمنية في البحرين الأحمر والعربي، حيث لا تزال في جزيرة كمران آثار أليزابيث من منتزه ومحطة تحلية للمياه، حيث كانت تقضي شتاءاتها على المياه الدافئة، وأيضًا شهر عسل إحداهن في أربعينيات القرن الماضي.
نعرف جميعًا أن بريطانيا لملمت أبناء الديانة اليهودية من كل العالم، لتستخدمهم رأس حربة للاستغمار الغربي في خاصرة العالم، لا سيما الشرق، وتحديدًا الوطن العربي المتحكم بخطوط التجارة العالمية من خلال الممرات العالمية الاستراتيجية الأربعة (هرمز، باب المندب، السويس، وجبل طارق)، وأسست بموجب وعد وزير خارجيتها بلفور 1917، وطنًا غير شرعي للكيان الصهيوني، وسلمت ترسانتها العسكرية لخلايا الصهيونية من كتائب الهاجاناه وغيرها، وأعلنت دولة الكيان على أرض الشعب العربي الفلسطيني عام 1948م، ومضيق باب المندب في أولى الحروب بين العرب والكيان الزنيم، تحت خدمته، والاستعمار البغيض جاثم على جنوب الوطن، وأحد أهم عوامل انتصاره إضافة إلى النفط الإيراني في عهد الشيعي العميل الشاه محمد رضا بهلوي ووالده، أيضًا في العدوان الثلاثي على قلب العروبة النابض مصر عام 1956م، إثر تأميم الزعيم الخالد جمال عبدالناصر لقناة السويس من براثن الاستعمار البريطاني البغيض.
وأيضًا في نكسة 1967م واحتلال سيناء والجولان، بينما القوات المصرية تستنزف في جبال اليمن جراء انبطاح مملكة النفط تلبية لرغبات وإملاءات أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وتمويل المرتزقة الملكيين ضد ثورة 26 سبتمبر الخالدة.
ما يورده المحقق المصري الدكتور نجيب صالح في كتابه المهم "الزمن الإسرائيلي من سيناء إلى باب المندب"، أن وزير المستعمرات البريطاني أبدى احتجاجًا وتذمرًا كبيرًا من تصريحات أحد أبرز أبطال الكفاح المسلح ضد الاستعمار، المناضل الأممي الشهيد عبدالفتاح إسماعيل، لإحدى الصحف العربية، أثناء مرور الوفد المفاوض عن جنوب الوطن متجهًا إلى جنيف، في مصر، قائلًا: سنوظف مضيق باب المندب في خدمة القضية الفلسطينية الإنسانية العاجلة مستقبلًا. وتأخر موعد المفاوضات ونيل الاستقلال قرابة شهرين بسبب هذا التصريح.
بين العامين 1960م و1970م، تمركز جناح مسلح لإحدى منظمات التحرير الفلسطينية، أظنها فتح -إن لم تخني الذاكرة- على جزيرتي حنيش وكمران، وعملت على استهداف البواخر المتجهة إلى موانئ الكيان الغاصب، ما حقق تخفيفًا كبيرًا الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، وهذا ما اتضح في العام التالي عندما تم اعتقال أحد أخطر الجواسيس الصهياينة على مستوى المنطقة (باروخ زكي مرزاحي)، في ميناء الحديدة.
بجواز مغربي مزور تحت اسم سعيد الصباغ، ومهمة تاجر ألعاب أطفال، اخترق باروخ مرزاحي النظام السوري، مؤديًا مهامه الجاسوسية بنجاح فائق، وعاد ليتم إرساله إلى جنوب اليمن، لنقل المعلومات والأسرار العسكرية حول القوات البحرية وباب المندب والجزر اليمنية وأنجز مهامه بتفوق، ثم عاد إلى شمال الوطن، لينقل ليس الأسرار العسكرية للقوات المسلحة جوية وبحرية وبرية فحسب، بل العادات والتقاليد الاجتماعية والأزياء الشعبية، وقضى قرابة أربعة أشهر متنقلًا من تعز ثم إب وبعدها صنعاء، وأخيرًا الحديدة، ليتم إلقاء القبض عليه بالمصادفة من قبل النقيب محمد المقبلي، وهو يلتقط صورًا فوتوغرافية لمواقع تمركز القوات البحرية وتموضعها، وحين أطبق عليه الضابط المقبلي اهتز، وحاول التلويح بالشكوى للسفارة المغربية، إلا أن المقبلي كان صارمًا معه، فلجأ إلى إخراج مبلغ كبير له، فتأكدت شكوك المقبلي، ليقتاده إلى إدارة أمن الحديدة للتحقيق، فتم تكليف ضباط معه إلى مكان إقامته في الفندق، لتظهر لهم المراسلات بلغات عديدة، والخرائط المرسومة بيده ببراعة، فضلًا عن الصور الفوتوغرافية للمواقع الحساسة وتموضعاتها ومعداتها بعناية، فاضطروا للتواصل بالعاصمة، حيث يتوفر المترجمون، وقد اتضحت جاسوسيته، وأن مهنة تاجر الألعاب ليست سوى ستار.
كان يومها وزير الداخلية العقيد علي سيف الخولاني، أحد المتآمرين لاغتيال بطل معركة السبعين يومًا الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب، وحاول استغلال القضية لنفخ ذاته من خلال النشر الصحفي حول اعتقال هذا الجاسوس الذي تمكن من مراوغتهم عن علم وإدراك عميق للواقع السياسي اليمني، وبما يتماشى مع وعيهم آنذاك (أنه جاسوس فعلًا، ولكنه يعمل لأمريكا لمعرفة مدى توغل المعدات العسكرية السوفيتية). وكانت تعبئات المملكة ومشايخ لجنتها الخاصة لا تكل ضد النظام الاشتراكي في جنوب الوطن، ما يبين دهاء هذا الجاسوس المتمرس. لم ترق مراوغته هذه العقيد إبراهيم الحمدي، قائد قوات الاحتياط، وأصر على تسليمه لجمهورية مصر التي هي في خط المواجهة، ناصحًا علي سيف الخولاني بعدم النشر، كونه سيحدث ضجيجًا لا أكثر، واتضحت رؤية الحمدي العميقة بعد النشر في الصحف اليمنية، حيث أرسلت فرنسا محاميًا من عاصمة الإمبراطورية الإثيوبية أديس أبابا، وبتمويل ضخم، وكانت قيادات عسكرية وأمنية تتساقط أمام المادة، والبعض يتواطأ مع تسليمه لأمريكا التي دخلت على الخط، ولم يكن من الشهيد إبراهيم الحمدي سوى التواصل مع مصر التي سرعان ما أرسلت ضابطين خبيرين للتحقيق معه، وقد تبين لها من الصحف اليمنية أنه يهودي مصري غائب عن مصر منذ فترة طويلة، واسمه باروخ زكي مرزاحي، وليس سعيد الصباغ.
كان أحد الضابطين ماهر عبدالحميد الذي ألف كتيبًا مهمًا عنوانه "جاسوس فوق البحر الأحمر"، وهنا يتجلى ساطعًا مدى اهتمام الدول ذات السيادة والحريصة على أمنها القومي، بتوعية أجيالها بأهمية سيادة بلدهم وأمنه، والمخجل أن بلادنا التي كانت مستهدفة والتي اعتقلت الجاسوس الخطير على المنطقة، لم يوثق أحد ضباطها أو مدنييها تلك الحادثة بكتاب للأجيال!
يتبع



