الأربعاء 23 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • تعز وإب.. الشقيقتان اللتان فرقتهما السياسة

تعز وإب.. الشقيقتان اللتان فرقتهما السياسة

المشكلة ليست في تعز، التي ستخوض معارك كرّ وفرّ ولن تنهزم، وفقًا لمنطق الحق وفضيلة الدفاع عن العرض والأرض. وقد فعلتها تعز مرارًا وتكرارًا في التاريخ الحديث، إذ لم تكن يومًا محافظة تستسلم بسهولة أو تقبل الهزيمة باعتبارها قدرًا نهائيًا.

المشكلة، في رأيي، ليست في تعز، بل في جيران تعز للأسف. ولو كان ما يحدث في تعز اليوم يحدث في إب، لطرحت السؤال نفسه وقلت: المشكلة في جيران إب.
فالعلاقة بين المحافظتين لم تُترك لتتطور بصورة طبيعية بين محافظتين متجاورتين تجمعهما الجغرافيا والمصاهرة والتاريخ والمصالح المشتركة، بل تعرضت لعقود طويلة من العبث السياسي. وماذا فعل حكام اليمن، أئمة وجمهوريين، بالشقيقتين، باستثناء الفترة القصيرة التي حكم فيها الخالد إبراهيم الحمدي؟ لقد طبقوا القاعدة القديمة ذاتها "فرّق تسد".
كان المطلوب دائمًا منع تشكل أي شعور بالمصير المشترك بين تعز وإب، لأن أي تقارب حقيقي بينهما كان سيخلق ثقلًا سكانيًا وثقافيًا واقتصاديًا يصعب التحكم فيه من مركز هش اقتصاديًا وثقافيًا. ولهذا جرى تبادل الأدوار بصورة مدروسة؛ أرسل أسوأ من في إب واجعله محافظًا أو قاضيًا في تعز، والعكس كذلك، حتى يرتبط الفشل والظلم والفساد في أذهان الناس بالجار لا بالمركز وبمن صنع السياسة نفسها. ومع مرور الوقت تتراكم الأحقاد وسوء الفهم، بينما يبقى المستفيد الحقيقي بعيدًا عن دائرة الاتهام.
وفي الوقت نفسه جرى العمل على صناعة وعي خاص لدى بعض المناطق في إب، وبخاصة في شمالها، يقوم على الشعور بأنها حارسة المركز والمدافعة عنه. وحتى لا أقول المذهب، فإن واقع التمزيد الذي ترسخ في بعض تلك المناطق كان جزءًا من هذه العملية، حيث جرى تكريس فكرة أن هذه المناطق تمثل خط الدفاع الأول عن الهوية المذهبية والسياسية للدولة والحد الفاصل أيضًا بين اليمن القَبَلي المحافظ على العادات والتقاليد واليمن المنسلخ عن القبيلة في الحدود الجنوبية لتلك المناطق. ومع الزمن تحولت هذه الفكرة من مجرد خطاب سياسي إلى شعور بالتفوق والتميز والاستحقاق.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن تستأثر هذه المناطق بالمناصب الحساسة والمؤثرة في المحافظتين، لأن السلطة كانت بحاجة إلى فئات اجتماعية ترى مصلحتها مرتبطة ببقاء هذا الترتيب والتمايز المناطقي والمذهبي. وهكذا لم تعد المسألة مجرد إدارة للدولة، بل إعادة تشكيل للعلاقات الاجتماعية والنفسية بين الناس، بحيث ينظر كل طرف إلى الآخر بريبة، بينما يتضاءل الشعور بالانتماء إلى جغرافية طبيعية وثقافية مشتركة.

ولهذا فإن ما نراه اليوم ليس نتاج أحداث السنوات الأخيرة فقط، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات التي نجحت في تفريق محافظتين متجاورتين أكثر مما نجحت في بناء دولة. وعندما تغيب الثقة بين الجيران والأشقاء، يصبح من السهل على أية سلطة أو جماعة أو مشروع سياسي أن يستثمر هذا الانقسام، ويعيد إنتاجه مرة بعد أخرى، ويستغله في السلم والحرب.