العالم في عصر إدارة الأزمات: صراع على شكل النظام القادم
ربما تكون إحدى أفضل الطرق لفهم المرحلة التي يمر بها العالم اليوم هي النظر إليها بوصفها مرحلة انتقال، لا مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة. فالحروب، والعقوبات، والرسوم الجمركية، والصراع على أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والمعادن الحرجة، تبدو للوهلة الأولى ملفات متباعدة، لكنها تلتقي في نقطة واحدة: إعادة توزيع القوة في النظام الدولي.
ولهذا قد يكون «إدارة العالم بالأزمات» عنوانًا مناسبًا لهذه المرحلة، بشرط ألا نفهم منه أن هناك جهة واحدة تصنع كل أزمة أو تتحكم في مسارها. الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك. الأدق أن نقول إن الأزمات أصبحت ساحات تتقاطع فيها مصالح القوى المختلفة، ويُعاد من خلالها اختبار موازين القوة وحدود النفوذ والقدرة على فرض الشروط.
القوة لم تختفِ.. وإنما تغيرت أدواتها
مهما تطورت القوانين والمؤسسات الدولية، فإن القوة لا تزال عنصرًا أساسيًا في العلاقات بين الدول. لكن مفهوم القوة نفسه أصبح أوسع بكثير من القوة العسكرية.
هناك القوة الاقتصادية والمالية، والسيطرة على التكنولوجيا، والقدرة على فرض العقوبات، والتحكم في سلاسل الإمداد، والعملات وأنظمة الدفع، والطاقة، والمعادن الحرجة، والمعلومات، والبيانات، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي.
وهذا ما يسمى اليوم بصورة متزايدة بـ«الجيو-اقتصاد»: استخدام العلاقات الاقتصادية والمالية والتجارية لتحقيق أهداف استراتيجية. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن المنافسة بين القوى الكبرى أعادت هذا المفهوم بقوة، حيث أصبحت العقوبات والرسوم الجمركية وقيود التصدير والتكنولوجيا أدوات مباشرة في الصراع على النفوذ.
بعبارة أخرى: لم تعد الحرب وحدها هي الوسيلة التي تختبر بها الدول قوتها.
قد يحدث الصراع داخل مصنع للرقائق، أو عبر نظام مالي، أو بمنع تصدير معدن معين، أو بفرض رسوم جمركية، أو بالسيطرة على منصة رقمية، كما يمكن أن يحدث بالدبابات والطائرات.
من عالم القطب الواحد إلى عالم أكثر تنازعًا
بعد نهاية الحرب الباردة تمتعت الولايات المتحدة بفترة من التفوق العالمي غير المسبوق، مستندة إلى قوة عسكرية ضخمة، واقتصاد هائل، ودور مركزي للدولار والنظام المالي الأمريكي، وتفوق تكنولوجي وشبكة واسعة من التحالفات.
لكن البيئة التي أنتجت تلك اللحظة تغيرت.
الصين أصبحت قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية ضخمة؛ وتشير بيانات حديثة عرضها صندوق النقد الدولي إلى أنها تنتج قرابة 30% من الناتج الصناعي العالمي، مقابل نحو 16% للولايات المتحدة. ومع ذلك لا يعني ذلك ببساطة انتقال الهيمنة من واشنطن إلى بكين، لأن عناصر القوة موزعة بصورة أكثر تعقيدًا بين الاقتصاد والمال والتكنولوجيا والتحالفات والقوة العسكرية والموارد.
ولذلك فالأقرب أننا لا نشهد استبدال قطب بقطب آخر بقدر ما نشهد تراجع القدرة على إدارة العالم من مركز واحد، وظهور نظام أكثر تعددًا وتنافسًا وأقل وضوحًا في قواعده.
وهذا يتوافق مع توصيفات حديثة للنظام الدولي باعتباره يتحرك نحو تعددية قطبية يصاحبها ضعف نسبي في قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على ضبط المنافسة بين القوى.
أمريكا والصين.. صراع يتجاوز التجارة
من الخطأ اختزال التنافس الأمريكي–الصيني في الميزان التجاري.
السؤال الأعمق هو: من يمتلك مفاتيح الاقتصاد والتكنولوجيا في العقود القادمة؟
أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، والمعادن الحرجة، والطاقة، وشبكات الاتصالات ليست مجرد قطاعات تجارية؛ لقد أصبحت أجزاء من مفهوم الأمن القومي نفسه.
وهنا تظهر مفارقة العصر: العولمة التي جعلت الاقتصادات أكثر ترابطًا جعلتها أيضًا أكثر قدرة على الضغط بعضها على بعض.
فمن يعتمد على دولة أخرى في مكوّن لا يستطيع استبداله بسهولة، يمنحها بصورة غير مباشرة ورقة قوة.
لهذا نشاهد محاولات إعادة توزيع المصانع، وتنويع سلاسل الإمداد، وتقييد بعض الصادرات والاستثمارات، ودعم الصناعات الوطنية الاستراتيجية. وتؤكد بيانات الأمم المتحدة أن التجارة العالمية ما زالت ضخمة، بل تجاوزت 35 تريليون دولار في 2025، لكن بنيتها أصبحت أكثر تجزؤًا وتأثرًا بالتوترات الجيوسياسية والسياسات الصناعية الجديدة.
إذن نحن لا نشهد نهاية العولمة بالضرورة، وإنما إعادة تشكيلها على أسس أكثر ارتباطًا بالأمن والقوة والمرونة الاستراتيجية.
الدول الواقعة في المنتصف أمام أصعب المعادلات
المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة للدول التي ليست قوى عظمى، لكنها في الوقت نفسه ليست دولًا هامشية.
هذه الدول قد تجد مصالحها موزعة بين أطراف متنافسة: تحتاج التكنولوجيا أو الحماية أو التمويل من طرف، والطاقة أو السوق أو الاستثمار من طرف آخر.
ولهذا أصبح مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» أكثر حضورًا.
لكن الحفاظ على مسافة بين القوى الكبرى ليس أمرًا سهلًا، لأن اتساع العقوبات وقيود الاستثمار والتكنولوجيا قد يجبر بعض الدول على اتخاذ خيارات كانت تستطيع في السابق تجنبها. وتشير تحليلات المخاطر العالمية لعام 2026 صراحة إلى أن الدول غير المنحازة بصورة واضحة إلى الصين أو الولايات المتحدة قد تتعرض لضغوط متزايدة مع توسع العقوبات والقيود في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والرقائق والتقنيات الحيوية والحوسبة الكمية والطائرات المسيّرة والمعادن النادرة.
وهنا تصبح المناطق الجغرافية والموارد والممرات البحرية والأسواق التي تقع خارج السيطرة المباشرة للقوى الكبرى مساحات للتنافس. لكن من الخطأ افتراض أن كل قوة محلية أو إقليمية ليست سوى أداة؛ فهذه القوى تملك مصالحها وحساباتها الخاصة، وإن كانت القوى الكبرى تستطيع أحيانًا استثمارها أو الضغط عليها أو توظيف الظروف التي تنتجها.
القوة العسكرية تعود إلى المقدمة
هناك مؤشر يصعب تجاهله: العالم يعيد التسلح.
وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وصل الإنفاق العسكري العالمي في 2025 إلى نحو 2.887 تريليون دولار، مسجلًا السنة الحادية عشرة المتتالية من الارتفاع، وأصبح أعلى بنحو 41% مما كان عليه قبل عشر سنوات. الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها استحوذت على نحو 51% من الإنفاق العسكري العالمي.
هذه الأرقام لا تعني أن حربًا عالمية حتمية، لكنها تشير إلى شيء مهم: الدول الكبرى لا تبني حساباتها المستقبلية على الاقتصاد والتجارة وحدهما.
إنها تستعد أيضًا لعالم تصبح فيه القوة الصلبة مرة أخرى جزءًا أكبر من معادلة الردع والنفوذ.
البطارية والرقاقة والمعدن.. نفط العالم الجديد؟
التحول في الطاقة يضيف طبقة أخرى إلى الصراع.
صعود السيارات الكهربائية وتخزين الكهرباء والطاقة المتجددة لا يعني أن النفط سيفقد أهميته فجأة. فالوكالة الدولية للطاقة نفسها تعرض سيناريوهات مختلفة لمستقبل الطلب النفطي، وبعضها يبقي الطلب مرتفعًا لعقود.
لكن المؤكد أن قائمة الموارد الاستراتيجية تتسع.
الليثيوم والنحاس والنيكل والكوبالت والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة أصبحت ضرورية للبطاريات والشبكات الكهربائية والسيارات والتكنولوجيا المتقدمة.
وهنا تظهر مشكلة جديدة: الانتقال بعيدًا عن الاعتماد على النفط قد يخلق أنواعًا جديدة من الاعتماد الجيوسياسي بدلًا من إلغاء الاعتماد نفسه.
في 2025 كانت الصين، وفق الوكالة الدولية للطاقة، المكرر المهيمن في 19 من أصل 20 معدنًا استراتيجيًا درستها الوكالة، بمتوسط حصة يقارب 70%. كما أن الصين أنتجت في 2024 نحو 80% من خلايا البطاريات عالميًا، ونحو 85% من مواد الكاثود الفعالة وأكثر من 90% من مواد الأنود الفعالة.
وهذه أرقام تساعد في تفسير لماذا أصبح الصراع على المعادن وسلاسل البطاريات جزءًا من الأمن القومي للدول الصناعية.
ثم جاءت ثورة الذكاء الاصطناعي
إذا كانت الثورة الصناعية أعادت توزيع القوة حول الفحم والحديد والمصنع، وإذا كان القرن العشرون تمحور بدرجة كبيرة حول النفط والصناعة الثقيلة، فإن العقود القادمة قد تضيف إلى معادلة القوة عناصر جديدة: البيانات، والخوارزميات، والرقائق، والطاقة الكهربائية، ومراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية.
وهذا ليس تغيرًا تقنيًا فقط.
الذكاء الاصطناعي يدخل الاقتصاد والإعلام والاستخبارات والأمن السيبراني والصناعة والبحث العلمي، كما يدخل التطبيقات العسكرية.
ولذلك أصبحت السيطرة على بنيته التحتية جزءًا من المنافسة الاستراتيجية. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الاستثمار العالمي في مراكز البيانات بلغ مستويات ضخمة، بينما تتركز غالبية الإضافات الجديدة المتوقعة في الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.
وهكذا تنتقل المنافسة تدريجيًا من سؤال «من يمتلك النفط؟» إلى أسئلة إضافية: من يمتلك الطاقة؟ من يصنع الرقائق؟ من يمتلك القدرة الحاسوبية؟ من يسيطر على المعادن الضرورية لها؟ ومن يستطيع تحويل كل ذلك إلى صناعة واقتصاد وقوة عسكرية؟
وماذا عن الشعبوية وصعود اليمين؟
من المغري تفسير تصاعد التيارات الشعبوية واليمينية في عدد من الدول باعتباره استعدادًا سياسيًا لمرحلة الصراع القادمة، لكن هذه العلاقة ليست بهذه البساطة.
صعود هذه التيارات له أسباب داخلية متعددة تختلف من بلد إلى آخر: الهجرة، وتكاليف المعيشة، والهوية الوطنية، وعدم المساواة، والاستقطاب الثقافي، وتراجع الثقة بالمؤسسات والأحزاب التقليدية.
لكن يمكن القول إن البيئة الدولية الجديدة تمنح الخطاب القومي أرضًا أكثر خصوبة.
فحين تصبح الحدود والطاقة والصناعة الوطنية والهجرة والأمن وسلاسل الإمداد موضوعات يومية، يصبح من الأسهل سياسيًا تسويق أفكار مثل الاكتفاء الوطني، وحماية الحدود، وإعادة الصناعات، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتقليل الاعتماد على الخارج.
وهكذا يتفاعل الداخل مع الخارج: الأزمات الدولية تغير المزاج السياسي الداخلي، والتحولات السياسية الداخلية بدورها تغير الطريقة التي تتعامل بها الدول مع العالم.
ومن يدفع الثمن؟
في الصراعات الكبرى لا تتوزع المكاسب والخسائر بالتساوي.
تمتلك الدول الغنية والشركات الكبرى والمؤسسات المالية قدرة أكبر على التحوط وتغيير الأسواق والموردين ونقل رؤوس الأموال. أما الدول الأضعف والأفراد الأقل دخلًا فتصل إليهم الصدمات غالبًا على هيئة تضخم، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتراجع الخدمات، والبطالة، والديون، والهجرة، وأحيانًا الحرب نفسها.
وهذا لا يعني وجود مؤامرة واحدة يديرها «الأقوياء» ضد «البسطاء»، وإنما يعكس تفاوتًا حقيقيًا في القدرة على تحمل الأزمات والتأثير في القرارات.
ولهذا فإن العبارة الأدق ليست أن كل أصحاب الثروة والسلطة يتفقون على إدارة العالم، بل أن من يمتلك المال والنفوذ والمؤسسات تكون لديه عادة قدرة أكبر على حماية مصالحه من كلفة الاضطراب، بينما يتحمل الأضعف نسبة أكبر من نتائجه.
عصر إدارة الأزمات
لذلك ربما يكون الخطأ الأكبر هو قراءة كل أزمة بصورة منفصلة.
التجارة، والحروب، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن، والرقائق، والعملات، والممرات البحرية، والعقوبات ليست ملفًا واحدًا، ولا تديرها يد واحدة، لكنها أصبحت أجزاء مترابطة داخل مرحلة تاريخية واحدة عنوانها الأبرز: إعادة توزيع القوة.
وليس من المؤكد أن هذه المرحلة ستنتهي بحرب كبرى، كما ليس من المؤكد أن تسوية واحدة بين واشنطن وبكين ستنهي اضطرابات العالم؛ فهناك روسيا وأوروبا والهند وقوى إقليمية عديدة، إضافة إلى أزمات المناخ والديموغرافيا والديون والتكنولوجيا التي تمتلك دينامياتها المستقلة.
لكن من المنطقي توقع استمرار مستوى مرتفع من الأزمات والمساومات ما دامت قواعد النظام الجديد غير مستقرة.
وقد يكون الصراع الحقيقي في العقود القادمة أقل ارتباطًا بالسؤال التقليدي: من يملك أكبر جيش؟
وأكثر ارتباطًا بسؤال أشمل:
من يملك القدرة على الجمع بين الجيش والاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والمال والموارد والمعرفة، ثم تحويل كل ذلك إلى نفوذ مستدام؟
هنا، على الأرجح، تُرسم ملامح النظام العالمي القادم.



