علي بن الفضل خارج أسطورة الوطنية والقرمطة
تميل الذاكرة الحديثة إلى تقديم علي بن الفضل باعتباره خصماً للتبعية الخارجية، وقائداً لثورة الجياع ومحرراً للعبيد. تمنحه هذه الصورة مكانة تنتمي إلى زمن متأخر، ثم تعيد بها قراءة القرن الثالث الهجري.. كان الرجل إسماعيلياً ثم صار صاحب قرار سياسي مستقل. انفصاله عن الفاطميين كان قراراً بإدارة اليمن من داخله. بنى سلطة واسعة وجمع حوله قوى قبلية وسياسية، ودخل في صراع مع مراكز نفوذ محلية وخارجية.
هذه الوقائع تحمل وزنها من داخل زمنها. كلمة "الوطنية" تأتي من قاموس لاحق، بينما كانت الجغرافيا السياسية آنذاك تعمل بمفردات الدعوة والبيعة والقبيلة والغلبة والشرعية الدينية. لكل زمن لغته السياسية والاجتماعية. وحين تستعير منه شخصية قديمة لغة زمن آخر، تكبر صورتها على الورق وتبتعد عن ملامحها الأصلية. الإنصاف يترك للشخصية حجمها الحقيقي. الخصم يصغرها حتى تختفي والمحب يكبرها حتى تتشوه.
ظهر علي بن الفضل أواخر القرن الثالث الهجري، في أرض تتوزع فيها مراكز القوة. كان اليعفريون يمسكون صنعاء باسم العباسيين، وتمد الهادوية نفوذها من صعدة، بينما تحافظ القبائل على مصالحها بالسلاح والتحالف. دخل مبكراً في الدعوة الإسماعيلية التي وصل بها ابن حوشب، وكانت تبحث عن طرق إلى المدن والجبال وتوسيع دائرة أتباعها.
بدأ الرجل داخل الدعوة الإسماعيلية، ثم اتجه إلى استقلال سياسي عن المركز الفاطمي. تشير دراسة شينول جيوة إلى قطع الصلة بالدعوة سنة 296 هـ، وهو العام الذي أعلن فيه عبد الله المهدي قيام الدولة الفاطمية في المغرب. كان القرار يحمل معنى سياسياً واضحاً. فاليمن كانت جزءاً من مشروع له مركز بعيد، ثم اتجه صاحب السلطة فيها إلى إدارة شؤونه من الأرض التي يسيطر عليها.
اختار على بن الفضل المذيخرة مقراً لسلطته واستفاد من موقعها الجبلي في بناء مركز سياسي وعسكري. ثم أخذ نفوذه يتسع مع تحرك الجيوش وعقد التحالفات والسيطرة على الطرق. وصل إلى مدن عديدة ودخل صنعاء أكثر من مرة، واقترب من مناطق كانت القوى المتنافسة تتعامل معها كمجال مفتوح للصراع.
وصل نفوذه خلال أقل من ثلاثة عقود إلى معظم البلاد، وفق دراسة شينول جيوة. يكشف هذا الاتساع عن حركة عسكرية وسياسية كبيرة. احتاجت الجيوش إلى طرق، واحتاجت التحالفات إلى قبائل ومدن، واحتاجت السلطة إلى موارد ثابتة. فتحت بعض الحصون أبوابها، وأغلقتها حصون أخرى وانتظرت ما ستأتي به الحرب.
كانت المذيخرة تحتاج إلى أكثر من السيف كي تعمل. تحتاج إلى كاتب يعرف أسماء الداخلين والخارجين، وجابٍ يعرف موارد القرى، وقائد يعرف الطريق. كل سلطة تترك وراءها أثراً من الورق، حتى حين يعيش أصحابها على ظهور الخيل.
اتسعت كلمة "قرمطي" بعد الانفصال عن الفاطميين حتى صارت عباءة دخلت تحتها حركات وأقاليم وقيادات وأزمنة متباعدة. أُلصقت أفعال قرامطة العراق والبحرين بعلي بن الفضل، وبعضها وقع بعد وفاته بسنوات، أو في بيئات سياسية بعيدة عن اليمن. كلمة واحدة تكفي أحياناً كي تختصر تاريخاً كاملاً، وهذه راحة تحبها الكتب التي تريد أن تنهي الملف سريعاً.
كان ابن الفضل قائداً عسكرياً، ارتبطت سلطته بالحرب والتحالفات والموارد. اتسع نفوذه ثم واجه خصومات وانشقاقات وحصارات. هذه الحركة جزء أساسي من سيرته، وتمنح شخصيته مساحة أوسع من الصورة التي تستقر حين يتحول التاريخ إلى مجموعة صفات جاهزة.
عندما دخلت الجيوش المذيخرة بعد شهور من وفاته، ارتفع الدخان وصارت المدينة دفتراً مفتوحاً في الهواء. كان صوت ابن الفضل عالقاً في حجارة المدينة، ثم جاء المنتصرون فطحنوا الحجر والصوت معاً. بقيت الأخبار بعد أن غاب صاحبها، وبقيت ألسنة خصومه فيما احترقت دفاتر دولته. ومنذ تلك اللحظة بدأ الرجل موتاً ثانياً، موتاً يقع في الرواية كلما احتاجت الذاكرة إلى خصم سهل الملامح.
أخذت صورة علي بن الفضل تتشكل داخل روايات جاءت من الطرف المنتصر، ومع مرور الزمن أصبح من السهل اختصار الرجل في صفات محددة. وأخذت رواية المنتصرين موقعها في صفحات الكتب. تحولت السيرة السياسية تدريجياً إلى سيرة أخلاقية، وتقلص القائد الذي خاض الصراع على المدن والمال والشرعية إلى رجل تلاحقه أخبار الخمر والنساء والزندقة.
وفي أكثر الصور تداولاً عن علي بن الفضل، تظهر أخبار نساء زبيد. تذكر بعض الروايات سبي خمسة وثلاثين ألف امرأة، وتذكر روايات أخرى أربعة آلاف عذراء، ثم تضيف أخبار القتل والذبح إلى السبي. تتبدل الأرقام والأفعال بين المصادر، ويكبر المشهد حتى يصبح العدد نفسه جزءاً من الحكاية. خمسة وثلاثون ألفاً رقم يكاد يبتلع المدينة التي نُسب إليها.
ينقل كتاب "السلوك في طبقات العلماء والملوك"، حكاية عن حفلات مجون على سطح جامع صنعاء. صيغت الرواية بعد عصر علي بن الفضل بقرون، بمشهدية تجعل الجامع مسرحاً للرغبة والعنف. وغابت الرواية عن مصادر خصوم أقرب إلى زمنه. اعترض محمد بن علي الأكوع، محقق الكتاب، على تفاصيل الحكاية وإمكانها المكاني والعقلي. قيمة الاعتراض تتجاوز قبول القصة وردها. إنه يعيدها إلى حجمها البشري ويضعها أمام قياس المكان والزمن حيث تفقد بعض الحكايات طولها الروائي.
تدفع هذه الأخبار بعلي بن الفضل إلى صورة الخصم الخارج عن الجماعة، وتمنح سلوكه الشخصي مساحة واسعة في الرواية. تتراجع معها أخبار المال والطرق والتحالفات وحركة القبائل، وهي تفاصيل تساعد على فهم الطريقة التي عملت بها سلطته واتسعت بها دولته.
وتتعدد الروايات حول وفاته سنة 303 هـ، تظهر بينها قصة السم والطبيب القادم من بغداد، وتدخل أطراف مختلفة في تفسير نهايته. مات علي بن الفضل في لحظة محددة، ثم واصلت الروايات تشكيل صورته عبر القرون. ويبدو موته أطول من عمره. جسده انتهى في المذيخرة أما صورته فما زالت تمشي بين الكتب. كلما ظن قارئ أنه أمسك بها كاملة، خرجت من الرماد صفحة تحمل وجهاً آخر للرجل.



