شرق أوسط بلا يقين: تحولات الحرب وإعادة تشكيل النفوذ
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام منعطف تاريخي نادر، تتقاطع فيه التحولات الكبرى مع الأزمات المركّبة، وتتصادم فيه المشاريع الإقليمية والدولية على أرض ممتدة من الخليج إلى المتوسط، ومن القرن الإفريقي إلى القوقاز.
لم يعد ممكنًا مقاربة أوضاع المنطقة بأدوات تحليلية تقليدية، فما يجري ليس مجرد صراعات محلية أو حروب محدودة، بل عملية إعادة تشكيل عميقة لخرائط النفوذ والتحالفات، ولبنية الدولة الوطنية ذاتها، ولقواعد اللعبة الإقليمية التي حكمت المنطقة لعقود.
في هذا السياق، تبرز ملامح شرق أوسط "بلا يقين"، تتآكل فيه الثوابت القديمة دون أن تكتمل ملامح نظام جديد.
أولًا: تفكك الدولة وصعود مناطق الفراغ
أبرز سمات المرحلة الراهنة هي التراجع المقلق لفكرة الدولة المركزية القادرة على بسط سيادتها على كامل ترابها الوطني. ففي سوريا، تحولت البلاد إلى فسيفساء من مناطق النفوذ، حيث تتقاسم القوى المحلية والإقليمية والدولية السيطرة الفعلية، بينما تظل الدولة الرسمية عاجزة عن استعادة وحدة القرار أو الجغرافيا. وأصبح اليمن منقسمًا بين كيانات سياسية تمتلك المال والسلاح، ويمكن الخلاص من هذا الوضع بجلوس كل الأطراف على طاولة المفاوضات الجادة، والتخلص من حب الذات من قبل كل الأطراف، والنظر إلى الشعب والوطن، والسعي نحو إعادة اليمن إلى دولة موحدة من أقصاها إلى أقصاها. أما ليبيا، فماتزال مقسمة بين حكومتين وصراع نفوذ مسلح، فيما يتحول السودان إلى نموذج مأساوي لانهيار الدولة تحت وطأة حرب أهلية شاملة بين مكونات عسكرية كانت يومًا تحت سقف مؤسسة واحدة.
هذه الظاهرة ليست عابرة، بل تعكس أزمة بنيوية في نموذج الدولة الذي ورثته المنطقة عن حقبة الاستعمار وما بعدها؛ دولة مركزية هشة، قامت على تحالفات طائفية وجهوية، وعجزت عن بناء عقد اجتماعي شامل، فكانت عرضة للانفجار كلما اشتدت التناقضات الداخلية أو تعرضت لضغوط خارجية.
ثانيًا: القضية الفلسطينية تعود إلى المركز
مثلت الحرب الإسرائيلية على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، حدثًا زلزاليًا تجاوز حدوده الفلسطينية ليضرب عمق المعادلات الإقليمية والدولية. فقد أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى واجهة الوعي الشعبي العربي والعالمي، بعد سنوات من محاولات التهميش والتطبيع الذي راهن على تجاوزها. كما كشفت حدود التفاهمات الأمنية مع إسرائيل، وأفشلت مشاريع تصفية القضية عبر الحلول الاقتصادية أو الإدارية الجزئية.
على الصعيد الميداني، تحولت غزة إلى مسرح لإبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة، فيما تتصاعد عمليات المقاومة والاعتقالات والاستيطان في الضفة الغربية، وتشتعل جبهات إسناد من جنوب لبنان إلى اليمن والعراق. هذا التداخل بين الساحات أعاد إحياء مفهوم "وحدة الجبهات"، ووضع القوى الإقليمية والدولية أمام خيارات صعبة: إما توسيع المواجهة أو البحث عن تسويات هشة لا تعالج جذور الصراع.
ثالثًا: إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي
يشهد الشرق الأوسط تنافسًا محمومًا بين قوى إقليمية تسعى كل منها لملء الفراغ الذي خلفه التراجع النسبي للهيمنة الأمريكية، وصعود لاعبين دوليين جدد. فتركيا، التي مزجت بين التدخل العسكري المباشر والدبلوماسية النشطة، باتت لاعبًا رئيسيًا في سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط. وإيران، التي وسعت نفوذها عبر وكلاء وشبكات مسلحة، تواجه الآن ضغوطًا غير مسبوقة جراء العقوبات والاحتجاجات الداخلية والضربات الإسرائيلية المتكررة، لكنها ماتزال قادرة على التأثير في مسارات الصراع من لبنان إلى اليمن.
في المقابل، تسعى السعودية والإمارات إلى إعادة تموضع استراتيجي، عبر مزيج من الانفتاح الاقتصادي والتهدئة الدبلوماسية وتنويع الشراكات الدولية، مع الحفاظ على قدرات عسكرية ومالية تتيح لهما التأثير في مناطق الأزمات. أما مصر، فتنشغل بتداعيات الأزمة الاقتصادية الخانقة وتداعيات الحرب في غزة على أمنها القومي، بينما تحاول قطر والكويت وعمان لعب أدوار وساطة وتوازن.
الملفت في هذه المرحلة هو التحول من منطق "الحروب المباشرة" إلى منطق "الحروب المركّبة": ضربات جوية، وكلاء محليون، حرب معلومات، عقوبات اقتصادية، وتهديد للملاحة البحرية، ما يجعل الصراعات أطول عمرًا وأصعب حسمًا.
رابعًا: الاقتصاد كأداة ضغط ومساحة انهيار
لم تعد الأوضاع الاقتصادية مجرد خلفية للصراعات، بل أصبحت أحد محركاتها الأساسية. ففي لبنان، أدى الانهيار المالي إلى تفريغ الدولة من قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، فيما تحولت العملة المحلية إلى رمز للفوضى. وفي مصر وتونس، تتصاعد أزمة الديون والتضخم وتآكل الطبقة الوسطى، ما يغذي احتقانًا اجتماعيًا قابلاً للانفجار. وفي سوريا واليمن والسودان، دمرت الحروب البنية الاقتصادية بالكامل، وحولت الملايين إلى لاجئين ونازحين يعتمدون على المساعدات.
كما تبرز قضايا الطاقة والمياه كعوامل صراع جديدة. فالتنافس على الغاز في شرق المتوسط، وأزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا والسودان، وملف شح المياه بين تركيا والعراق وسوريا، كلها ملفات قابلة للتحول إلى مواجهات مفتوحة في المستقبل القريب.
خامسًا: الفواعل الجديدة والمجتمع المدني
رغم قتامة المشهد، ثمة تحولات تحتية مهمة تجري داخل المجتمعات العربية. فالشباب، الذين يشكلون الغالبية السكانية، يعبرون عن وعي مختلف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمبادرات المدنية والفن والموسيقى والحراكات المحلية. كما بدأت تظهر تيارات سياسية جديدة ترفض الاستقطابات التقليدية بين الإسلاموية والأنظمة، وتطرح شعارات تتعلق بالكرامة والعدالة والمواطنة والبيئة.
هذه الفواعل لم تتحول بعد إلى قوة سياسية منظمة قادرة على قلب المعادلات، لكنها تمثل بذرة لمستقبل مختلف، وقد شكلت في أكثر من بلد عامل ضغط أجبر الأنظمة على التراجع أو تعديل سياساتها.
سادسًا: الدور الدولي بين الانكفاء والتنافس
لم تعد الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على حسم الصراعات في الشرق الأوسط. فرغم استمرار وجودها العسكري وقواعدها، إلا أن سياساتها تجاه المنطقة تتسم بالحذر والانتقائية، في ظل انشغال متزايد بملفات الصين وروسيا والانتخابات الداخلية. في المقابل، استثمرت روسيا في بناء وجود عسكري دائم في سوريا وليبيا، ونسجت علاقات مع قوى إقليمية متعددة، بينما تقدمت الصين عبر الحزام والطريق والوساطات الدبلوماسية، كما حدث في الاتفاق السعودي -الإيراني.
هذا التنافس الدولي يمنح بعض الأنظمة الإقليمية هامش مناورة أوسع، لكنه في الوقت نفسه يطيل أمد الأزمات ويحوّل شعوب المنطقة إلى أدوات في لعبة مصالح كبرى تتجاوزها.
خاتمة: نحو شرق أوسط مختلف
إن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد تراكم أزمات، بل هو مخاض طويل لنظام إقليمي جديد، تتغير فيه التحالفات والحدود والأدوار. الثابت الوحيد في هذه المرحلة هو غياب اليقين، وصعوبة التنبؤ بمسار الأحداث. ومع ذلك، فإن أية إعادة تشكيل للخريطة الإقليمية لن تكون مستقرة ما لم تستجب لثلاثة شروط جوهرية: إنهاء الاحتلالات الأجنبية، وإصلاح نموذج الدولة لصالح المواطنة المتساوية، ومعالجة الأسباب البنيوية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
الشرق الأوسط ليس محكومًا بالفوضى إلى الأبد، لكنه يحتاج
إلى وعي جديد، وفواعل جريئة، ومشاريع سياسية تتجاوز لعبة النفوذ الضيقة إلى أفق العدالة والتنمية والكرامة. وحتى ذلك الحين، ستبقى المنطقة أسيرة مخاض عسير، تدفع شعوبها ثمنه يوميًا بالدم والتشرد والجوع.



