رحيل ذِيب.. وجع يشبه الإنسان..!
منذ أن وُلدَ وسقط على قاع العرشة الشاحبة، أطلق عليه أكرم -ذو الخمسة أعوام- اسم "ذيب".
كان صغيرًا، واهنًا، تتلفت عيناه اللتان لم تفتتحا على الدنيا بعد بكثير من الذهول والرهبة.

أحبَّ ذيبٌ أمَّ أكرم بشكلٍ لا يُصَدَّق ولا يمكن وصفه؛ كان حبها ينمو في أحشائه منذ الساعات الأولى لولادته، ومع تقادم الأيام، لم يعد مجرد تعلقٍ عابر، بل تطور إلى شغفٍ حارق كأنه روح حية تسعى بين الجدران، شغف لم أعهده في حياتي قط من أي كائن يسير على قدمين أو أربع.
لا يراها ذيبٌ تقتعد القاع لتستريح من عناء الدار إلا ويسرع مهرولًا، تخفق أظلافه بالأرض، ليستلقي في حضنها الدافئ؛ إما لأخذ قسط من الراحة، أو ليستسلم لسِنةٍ هادئة من النوم.
ورغم الصداقة القوية والعميقة التي نشأت بينه وبين أكرم -لأنه كان الوحيد الذي بادر بملاعبته منذ أيامه الأولى في هذه الحياة- إلا أن المحافظة على أواصر تلك الصداقة كانت تتهاوى وتوشك على الانتهاء إن لم يترجل أكرم فورًا عن حضن أمه ليفسح له المكان..!
كأن الفقد والغيرة ينبتان في صدر الصغير ذيب كلما انتُزع منه هذا الأمان المتمثل في حضنها.
ما إن يرى أكرم جالسًا بحضن أمه حتى يهرول مسرعًا، ينطلق كالسهم، ويقفز إلى جواره، ويبدأ ينطحه برأسه الصغير بدفعات متتالية حثيثة حتى ينزل أكرم غاضبًا أو ضاحكًا، ويترك له الحضن كاملًا.
وأحيانًا، بينما يكون ذيبٌ وراء أمه في المروج البعيدة يقطقط أطراف النباتات والأغصان الغضة بسرعة ومهارة، إذا لمح من علٍ أن أكرم يختلس اللحظات وجالس بحضن أمه، يجن جنون ذيب؛ يهرول نازلًا من الربوة العالية فوق البيت، يجري بأقصى سرعته المترجلة وهو يهز رأسه شرقًا وغربًا بحركات تماثل رفض الإنسان وغضبه، وكأن حالته الثائرة تهدد وتنذر وتُحذّر أكرم ألا يجلس في مكانه المقدّس..!
أحبَّ ذيبٌ أمَّ أكرم حد الهوس والجنون، وهي بادلته الحب والأحضان ذاتها؛ لذلك لم يكن يراها إلا ملكًا خالصًا له وحده، ولا يقبل تحت أي ظرف أن يشاطره الغير في امتلاك دفئها.
غريزتا التملك والغيرة ما كانتا لتصلا إلى هذه الذروة المشتعلة لو كان قد أحس بالحنان والحب والرعاية من أمه الحقيقية كما وجدها عند أم أكرم.
ففي لحظات ولادته الأولى، عندما تعثر وفشل في النهوض ليكتب خطواته الأولى كسيرةً واهنة على القاع، لم يجد سوى يدي أم أكرم الحانيتين تلتقطانه من عفر التراب (دقيق التراب وغباره الناعم) إلى حضنها، وبحنانٍ أمومي مسكوب تلقمه الرَّضّاعة البلاستيكية.
عافها للحظات وتردد، ولكن ما إن فتحت فمه اللين وأطعمته بضع قطرات دافئة حتى استكان مطمئنًا، وراح بلهفة يمتص كل قطرة حليب داخل الرضّاعة.
وسبحان من هداه -عندما سطر خطواته الأولى المرتجفة- إلى حيث يقع ثدي أمه الحقيقية، ودله بحدسه الغريزي إلى أن تلك الحلمات المتدلية منها ستشبع بطنه الجائع.
وكم كان شجاعًا ومثابرًا عندما التقم الحلمات ليمص منها الحليب الذي كان مازال صديدًا (اللّبَأ) المتماسك قبل أن يصفو حليبًا سائغًا ولم يسل بعد..!
بشكل فطري أخذ يردع ثدي الأم بالرأس بقسوة لتحفيزه إدرار الحليب، يضرب برأسه الصغيرة أسفل الضرع وكأنه يقول لأمه وللثدي وللحليب نفسه: تعال..!
هيا..!
انزل واخرج..!
وهو ينطح الثدي بتكرار متسارع ونفاد صبر، كانت أمه الحقيقية تتوجع وتنسحب، تسحب الحلمة من فمه المجهد وتبتعد عنه.
يلحقها بخطواته الضعيفة ليكرر التجربة، فتستمر هي بالابتعاد والتملص منه.
وبينما هو على تلك الحال الفاجعة، معلقًا بين اليأس والرجاء، تائه الخاطر ومكسور الفؤاد، تتلقفه يدا أم أكرم لتجلسه في حضنها الدافئ، وتلقمه الرضّاعة التي لا يتركها إلا بعد أن يتأكد من امتصاص كل قطرة في جوفها.
في اليوم الثاني سمحت له أمه الحقيقية أن يرتضع منها للحظات، غير أنها لم تكن كافية لتسد جوعه.
وحتى بعد ذلك، حين كانت تسمح له بأن يلتقم حلماتها مدة أطول، لم تكن ضروعها تدر الكثير من اللبن؛ فكانت ما إن تحس بنفاده حتى تدفعه وتسترد حلماتها.
لم يكن ذيبٌ يملأ بطنه ويتذوق الشبع الحقيقي سوى من الرضّاعة التي تلتمع بيد أم أكرم.
ثم أخذت تطعمه بنفسها كل ما تعتقد أنه سيجعله ينمو ويقوى؛ تخاطبه كأنه طفلها آخر العنقود، وتخصه بباقي أطعمتنا المناسبة لمعدته الصغرى، فهي على دراية وخبرة بيئية كبيرة بما ينفعه وما قد يضره.
من كل هذا السكب العاطفي، كان ذيبٌ كلما تقادمت به الأيام يزداد يقينًا وشعورًا بأن أم أكرم هي التي يشبهها وتشبهه روحًا، وأن تلك الكائنة الأخرى التي تسير في الإصطبل ولا تشبهه ولا تحنو عليه إنما هي أمه بالحقيقة المجردة فقط.
تطورت علاقتهما كثيرًا وساد الدفء أرجاء البيت، ولم يكن يعكر صفو هذا الود إلا تلك اللحظات العابرة التي يرى فيها أكرم متمددًا بحضنها.
علاوة على الصفات التي كانت تميز ذيبًا عن غيره من أقرانه وسلالته هي لونه وقرناه؛ كان لونه أقرب إلى لون البيج، مع غرة بيضاء تتحلق حول رقبته، وقرناه كانا حادين بشكل مخيف إلى حد كنا نخاف أن يلاعب أكرم بهما فيؤذيه عن غير قصد.
وما عدا ذلك، فقد كان يحس أن أكرم ليس مجرد صديقه القريب، بل أخوه الشقيق الذي يمنحه كل أواصر اللهو والركض والسعادة.
هو الوحيد الذي يقيم معه ماراثونات تنافسية في الفناء؛ تارة ينظمان سباق عدو، ويظلان يتنافسان أشواطًا وأشواطًا لتحديد من سيفوز على الآخر.
وكان "أرسلان" هو الحكم الذي يضع تعليمات وشروط التنافس؛ يحدد خط البداية عند شجرة العلب ونقطة العودة عند نافذة غرفتي، ويحسب عدد الأشواط التي يحرزها كل طرف لتحديد الفائز النهائي.
مرات عديدة كنت أستيقظ من نومي على جلبة أقدامهم وضحكاتهم، فأصرخ عليهم من النافذة، وآمرهم أن يذهبوا ليلعبوا بعيداً عن نافذة غرفتي..!
لم يكن ذيبٌ يحتج أبدًا إذا ما أعلن أرسلان أن أكرم هو الفائز، بل كان يقفز فرحًا.
وذات مرة، فاز ذيبٌ في العدو وفاق أكرم في السرعة، فلم يقتنع أكرم بحكم أرسلان وأخذ يبكي بحرقة يشكو أن أرسلان جامل ذيبًا المفضل..!
حينها، أقدم ذيبٌ على حركة إنسانية مفاجئة أذهلتنا جميعًا؛ اقترب من أكرم الباكي ببطء، وأخذ يتشمم وجهه وينسدح تحت يديه، وكأنه يعتذر له بلغة صامتة ويحاول إفهامه: "أنت يا أكرم من فاز وليس أنا، فلا تبكِ يا أخي".
تعرف ذيبٌ على أشياء كثيرة من أكرم وأمه وأفراد العائلة حتى أضحت تصرفاته أنيسة ومستأنسة للغاية؛ يدخل ويخرج إلى أروقة البيت وغرفه بحرية دون أن يجد تذمرًا أو انزعاجًا أو طردًا.
لا يوجد أحد في الأسرة لم يقفز ذيبٌ إلى حضنه ليغفو، وخاصة أم أكرم التي استمرت تأخذه معها أينما ذهبت؛ تقطع به الشعاب، وتصعد الجبال، وتخوض به السوائل، ولا تفارقه قط إلا عند هبوط الظلام.
حتى إن لحق أمه الحقيقية وافتقدته أم أكرم في المراعي، ما إن تناديه باسمه بصوتها الرخيم حتى يجاوبها بثغائه السريع ويجري حاثًا السير ناحيتها.
مرات عديدة تعرض فيها ذيبٌ لنكسات صحية وأمراض عابرة، وكان ظله الشفيف يذبل رويدًا، لكن أم أكرم كانت تسهر عليه كأنها تتفقد أحد أولادها؛ تعالجه بمضادات حيوية ومسكنات ومهدئات بشرية تُذيبها بحرص، فكان يستعيد عافيته وينهض من جديد لينشر البهجة في الدار.
•••
لكن يوم أمس، الذي أتم فيه ذيبٌ شهره الثالث بالضبط، كان الأمر مختلفًا تمامًا وكأن الموت كان يترصد على الباب؛ كان الخوف يرفرف فوق سقف البيت كطائر شؤم أسود.
في الصباح الباكر، جاءه إسهال خفيف، فاهتمت به فورًا وأسقته ما يلزم من محاليل إرواء ومساحيق أعشاب وأشجار اعتادت أن تتبعها مع مواشيها.
عند الظهر، كان ذيبٌ يتجول حول مائدة الغداء بشكل شبه طبيعي، لكن خطواته كانت تحمل ثقلًا غريبًا.
وعندما رأيته يرقد باستسلام أمام قدمي أم أكرم، انتابتني شفقة ورحمة داهمة مختلفة عن كل ما مضى.
•••
خرج بعدها إلى جوار البيت للرعي، وبقيت "ستر" تراقبه بعينين وجلتين لتطمئن عليه، وعندما نادته نزل من التبة كعادته وجاء يطوّق قدميها بحميمية ويلتصق بهما.
كعادتها كلما داهم مرضٌ ما واحدًا من حلالها، تبعده عن البقية؛ لذلك أرسلت أمَّ ذيب الحقيقية لتبيت الليلة في إصطبل الجيران كي لا تنتقل إليها العدوى، بخاصة وأن الموت يحصد المواشي بالقرية بكثافة في هذه الفترة.
أخذت أم أكرم تتردد على ذيب بين دقيقة وأخرى، تمسح على رأسه وتدعو الله بابتهال خاشع أن ينقذه.
كان الإسهال يزيد ويشتد، ومنظره الذابل صار مخيفًا ومحزنًا للقلوب.
أعطت ذيبًا جرعات متتالية من صيدلية البيت؛ أذابت مضادًا حيويًا بماء دافئ وجرّعته إياه بالقوة، وأسقته مسكنًا للآلام.
بعد المغرب، تفاقم الوضع وزاد الإسهال رغمًا عن كل تلك الجهود المضنية.
سحقت ورق العثرب الجاف مع قشر الرمان وأطعمته إياه، ثم نقلته بيديها المرتجفتين من الإصطبل البارد إلى قاعة الصالة داخل البيت ليكون تحت عينيها.
تمدد ذيبٌ على جنبه الضئيل على البلاط البارد، يصارع ألم الجسد الممتقع وغربة الروح الذاهبة.
أسقته بضع قطرات من محلول الإرواء، فالتف الأولاد وأمهم حوله في حلقة من الذهول والأسى، ثم نادوني بصوت مخنوق:
- ذيب سيموت..!
خرجت من غرفتي وانضممت إلى تلك الحلقة المحزونة؛ كانت المرة الأولى في حياتي التي أتأثر فيها إلى هذا الحد الفاجع لمرض كائن حي.
جثوت على ركبتي وحاولت أن أجري له إنعاشًا بائسًا بدلك صدره وجنبه لعل نبضه يستقر.
كان جسد ذيب مرتخيًا تمامًا، ويصدر أنينًا خافتًا ممزوجًا بأزيز رئة مجهدة تقطع عتمة الغرفة الكئيبة.
ضربنا له إبرة مسكنة لأوجاع البطن والكلى والحمى.
ولكن دون أية جدوى.
كانت الحشرجة تزداد حدة وثقلًا، ونحن مطوقون به ننظر إلى ذبوله بحزن وألم، والدموع تتجمع في الأعين.
وعندما حاولت إنعاشه مرة أخرى ورفع رأسه، فتح عينيه الصغيرتين الغائمتين وأسقط دمعتين حارقتين -من كل عين دمعة صافية- وكأنه يستنجد بنا في لحظته الأخيرة، ينظر إلينا بعتاب الوداع الشفيف، كأنه كائن يدرك الموت ولا يريد أن يفارق هذه العائلة التي أحبها..!
لم أستطع تمالك أعصابي أمام مرأى هاتين الدمعتين، بخاصة وأنا أراقب كثافة الحزن في وجه أم أكرم وانهمار الدموع من عينيها بصمت قاتل، وهي تتمتم بكلمات مكسورة:
- اللهم إني نذرت لك صيام ثلاثة أيام متتالية إذا شفيتَ ذيب.
أمام هذا المشهد الجلل الذي يعصر الفؤاد، تقهقرت عاجزًا إلى غرفتي، أهرب من الفاجعة الماثلة.
كانت التلفزة تعمل بصوت خفيض، حيث كنت أتابع مباراة ريال مدريد وإسبانيول ضمن الجولة الافتتاحية للدوري الإسباني.
دقائق معدودة لم أستوعب فيها أية صورة من الشاشة، حتى جاءني صوت زكريا المنكسر من الصالة:
- أبي، ذيب خلاص فارقنا..!
- قل والله..؟
- والله، زفر بحشرجة واحدة طويلة، وأسلم روحه إلى خالقها.
- الله يرحمه.
تعاون الأولاد بوجوم لنقل جثة ذيب الصغيرة إلى الإصطبل الخارجي، رافضين تمامًا الرمي به للكلاب الضالة كما يفعل أهل القرية.
انتابني حزن كثيف وقاهر على عجزنا الإنساني المقيت عن إنقاذه، ولعنتُ في سري كل الظروف والمسؤولين الذين تسببوا بإنتاج هذا الواقع الضنك والمأساوي، إلى حد صارت فيه المواشي -التي تمثل آخر مصادر دخل ورزق الفقراء أمثالنا- تموت بالعشرات يوميًا في القرى لانعدام اللقاحات الوقائية وغلاء أسعار أدوية البيطرة.
وبينما كانت الدموع تترقرق حارة في عيون "ستر"، انبرى أحد الأبناء يحاول كسر وتد الحزن قائلًا:
- الله يعوض عليك يا أماه، باقٍ معك أم ذيب والكسبة، سأتصل غدًا للقماط يأتي ليأخذهما ونرتاح، يكفيك تعب وقهر.
وهي تجتر نهدة حرى من أعماق روحها المثقلة والخائبة، ردت بصوت جريح:
- لما سمعني أقول يوم الثلاثاء سنتصل للقماط يأتي ليأخذ ذيب والكسبة، غضب وقال لي: "والله شاذبحكم إذا تبيعوه للقماط..!".
تصمت ساهمة ثم تستتلي خائفة:
- فكيف لما يستيقظ الصباح ويعرف أن صاحبه وأخاه قد مات وغاب إلى الأبد..؟
ثم نهضت بخطوات وئيدة يشيعها الانكسار متجهة إلى فراشها لتداري دموعها، وفي تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت المذيع من التلفاز بصراخ صاخب يعلن هدف الفوز القاتل لريال مدريد على إسبانيول في الوقت الإضافي من زمن المباراة.
•••
النهار الذي أعقب ليلة رحيل ذِيب عن قرية يافق بعزلة بني حماد لم يكن صباحه وضحاه سعيدًا إطلاقًا عند صديقات أم أكرم، ولا عند الرعيان الكبار والصغار الذكور والإناث، وحتى أكرم لم يصدق رواية موت ذيب إلا عندما ذهبت به أمه الى حيث تركت جثة ذيب في العراء.
جميع الرُّعاة في القرية انتابهم حزن شديد.. البعض منهم قرحت الدموع من عيونهم بحرارة غير متوقعة.
وحدها كلاب القرية التي راحت تحتفي وتتقفز في التباب تنبح وتتنادى فيما بينها لحضور زفاف ذيب إلى أحشائها الجائعة.
•••
هوامش:
الكسبة: أُنثى الضأن الصغرى.
القماط: تاجر المواشي الجوال بين القرى.
حلالها: تسمية عامية شائعة للأنعام والمواشي المملوكة للأسرة.
العثرب: تسمية محلية لشجيرة برية تنبت في الجبال تُستخدم أوراقها في الطب الشعبي لعلاج اضطرابات الجهاز الهضمي.
التبة: المرتفع الترابي أو الصخري الصغير (التلة).
السوائل: مجاري السيول والأودية بين الجبال.



