الخميس 27 أغسطس 2026

إذا أردت أن تعرفه.. اختلف معه

يقال في المثل: «إذا أردت أن تعرف الشخص على حقيقته، اختلف معه». فالإنسان لا يظهر معدنه الحقيقي حين تتفق معه وتصفق له، وإنما يظهر حين تختلف معه، وحين تضع أمامه رأيا آخر لا ينسجم مع رأيه.

وسقراط يقول: «تكلم كي أراك». فالكلام والحوار والنقاش مرآة حقيقية لشخصية الإنسان؛ ومن خلالها نكتشف مستوى وعيه وثقافته وقدرته على احترام الآخر وإدارة الاختلاف معه.
ولهذا فإن الاختلاف ليس مشكلة في حد ذاته، بل المشكلة في كيف ندير الاختلاف.
والشخص الواعي حين تختلف معه لا يسعى إلى إلغاءك، ولا تخوينك، ولا شيطنتك، بل يحاول أن يقدم حجته، ويحترم عقلك، ويترك لك حقك في أن ترى الأمور من زاوية مختلفة.
أما حين يتحول الاختلاف إلى سب وشتم وتخوين واتهام بالعمالة، فهنا لا تعود القضية قضية رأي سياسي، بل تصبح الاختلافات كاشفة عن طبيعة الثقافة السياسية التي تحكم أصحابها.
ولعل ما يحدث اليوم مع عدد من المختلفين مع المجلس الانتقالي يقدم نموذجا واضحا لذلك. فكلما خرج شخص كان قريبا من المشروع أو مدافعا عنه، ثم بدأ يطرح ملاحظات أو انتقادات، بدلا من مناقشة أفكاره بالحجة، تبدأ حملات التشويه والتخوين وكأن الاختلاف جريمة.
ومن آخر هذه النماذج الإعلامي العدني وديع منصور، الذي عرفه كثيرون صوتا راقيا ومدافعا عن القضية الجنوبية، وكان في حديثه دائما أقرب إلى لغة العقل والواقعية. لكن عندما بدأ يطرح أسئلة وملاحظات جوهرية حول أداء المشروع ومن يمارسون السياسة باسمه، أصبح هو الآخر عرضة للهجوم.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا.
إذا كان المشروع السياسي عظيما، فلماذا يخيفه النقد؟
وإذا كانت المواقف صحيحة، فلماذا لا تواجه بالحجة؟
وإذا كان المختلف مخطئا، فلماذا لا يتم الرد عليه بلغة سياسية راقية بدلا من تحويله إلى عدو؟
لقد قلنا منذ سنوات إن القضية الجنوبية لا ينبغي أن تتحول إلى تجارة سياسية، ولا إلى وسيلة لصناعة النفوذ، ولا إلى مبرر لإقصاء الآخرين أو ممارسة السلوكيات التي ثار الناس أصلا على الأنظمة السابقة بسببها.
القضية العادلة لا تحتاج إلى التعصب، بل تحتاج إلى دولة ومؤسسات وعدالة ومواطنة وشراكة.
ونحن كجنوبيين عشنا تجربة سياسية واجتماعية مختلفة، وعرفنا عدن مدينة مفتوحة على الجميع؛ مدينة احتضنت التنوع السياسي والفكري والديني والثقافي والعرقي، وكانت التعددية جزءا من هويتها وليست خطرا عليها.
عدن لم تكن عظيمة لأنها ألغت الاختلاف، بل لأنها عرفت كيف يعيش المختلفون فيها معا.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع سياسي هو أن يتحول من مشروع يحمل قضية إلى مشروع يحتكر القضية، ومن الدفاع عن حقوق الناس إلى مطالبة الناس بالدفاع عنه هو، ومن التعدد إلى التعصب، ومن الحوار إلى التخوين.
ونحن لا نختلف مع الانتقالي لأننا نكره الجنوب، ولا لأننا ضد القضية الجنوبية، ولا لأننا نريد العودة إلى الماضي. نحن نختلف لأننا نؤمن أن مستقبل الجنوب واليمن لا يمكن أن يبنى بالإقصاء، ولا بالتخوين، ولا بتقديس الأشخاص والكيانات.
نحن نؤمن بالدولة، وبالمواطنة، وبالتعدد السياسي، وبحق كل يمني في أن يقول رأيه دون أن يخشى من أن يتحول رأيه إلى تهمة.
واللافت أن كثيرا ممن يرفعون شعارات الحرية والكرامة وحق تقرير المصير، لا يزالون عاجزين عن قبول أبسط حقوق الإنسان: حقه في أن يختلف معهم.
وهنا يصبح الاختلاف امتحانا حقيقيا.
فإذا أردت أن تعرف أي كيان سياسي، لا تنظر فقط إلى خطبه وشعاراته عندما تكون معه، بل انظر إلى سلوكه عندما تختلف معه.
هناك، في مساحة الاختلاف، تسقط الأقنعة وتظهر الحقيقة.
وإذا كان وديع منصور قد اختار أن يقول ما يراه حقيقة، فالأجدر بمن يختلف معه أن يرد عليه بالحجة، لا بالإساءة. فالقضية التي لا تحتمل صوتا مختلفا، تحتاج إلى مراجعة أكثر مما تحتاج إلى مزيد من التصفيق.
أما عدن، التي علمتنا أن الاختلاف يمكن أن يجتمع على مائدة واحدة، فلا يليق بها أن تعود إلى ثقافة الإقصاء والتعصب.
نحن لا نريد مشروعا يصنع زعيما، بل مشروعا يصنع دولة. ولا نريد كيانا يخشى المختلف، بل دولة تحمي حقه في الاختلاف.