عبدالرحمن منيف وروايته مدن الملح: الأخدود(3-3)
رَفعُ سُوقِ الحَلال إلى العوالي؛ جَعَلَ الوصولَ إليه ضَربًا مِنْ الجنون. حَمَّاد المطوع يعرف شمران جَيدًا. فعندما تصله التقارير، يقول: «يجوز لشمران ما لا يجوز لغيره».
لَم يكن هم شمران المعيشة؛ فقد تكفل بها الأولاد، وبخاصة بدر.
لم يعد الناس يهتمون بالخيل والإبل. فقد حَلَّتْ السيارات محلها. تَغيَّرَ البدو، وَظلت الحسرة تأكل قلبه على خيله وأرضه. ويرى أنَّ العوج من «الثور الكبير».
ونمر يواصل كِتابةَ العرائض بمزاجٍ حَادّ. يقرأ الجريدة، ويقول: «الله.. الله! ها الزمان العنز الجربا تسرح بالغنم».
واطلاع نمر على الأخبار واسع، ومعلوماته مهمة.
تجري الأحاديث والمناقشات في «مقهى زيدان». تَعرَّضَ صالح الرشيد للضرب أكثر من مرة، وَزُرِعَ بعض المخبرين في المقهى؛ وبشكلٍ ظَاهرٍ تَمامًا. كان نمر يقول: «موران كلها قهوة».
تَزوَّجَ صالح الرشيد مُتَأخِرًا. وعمر أكبر أولاده عشرة أعوام. وهو يرافق أباه في تجواله حَامِلاً جُزءًا من مُعَّدات العمل.
لقد حَذَا صالح الرشيدان موران من المهد إلى اللحد، وَحَذَا عَددًا من الخيول والبغال. وعلى مدى أربعين عَامًا لم يُمارِس إلا هذه المهنة. وعندما يغضب: «والله يا أهل موران إنَّ حميركم أحسن منكم».
يَرفُض الذَّهاب إلى القصر، ليحذو خُيولَ السلطان. حَاولَ بدر أن يساعده في إصلاح كهرباء السيارات، إلا أنَّ له مَشاكِلَ مع أصحاب السيارات؛ فصرفه.
لم يَستقرَّ في عمل. قال لأبي نمر: «ماحد تعبان مثلي». فرد عليه: «تعبان، وما تخلي أحد مستريح». فأجاب: «وهم تاركيني أستريح».
جفوة بين صالح وشمران. مهنة صالح حذو الحمير. والخيل ماتت؛ بعد دخول السيارات. ووضعه يزداد صعوبة، ولسانه فالت، والعين على الجميع حمرا. وقاطعه الأهالي؛ حتى عندما مات طفله ابن العامين، لم يجد إلا السُّخرِيَّة.
لا يقدر على الصمت. يتحدث مع الجدران عن السلطان، ويطالبه بإرجاع السوق.
عمل ابنه مع المهندس بدر. ومع ذلك، ظَلَّ يبحث عن أيِّ حمار ليحذوه؛ ليس من أجل الأجرة؛ وإنَّمَا ليشعر أنه لايَزال يمارس المهنة.
ويتحدث مع نفسه بعد أن فقد الحديث مع الآخرين. قال شمران: «اللهم حسن الختام».
لم يعد الحكيم قَادرًا على أن ينصرف إلى كُلِّ عَملٍ بنفسه. أقنعَ راتب بالانتقال إلى موران. وبدأ راتب بالتفكير في الزواج.
زَارَ الحكيم وزوجته غزوان في أمريكا. والأب مدهوش بنباهة ابنه وذكائه، وَرَتَّبَ لهما زيارات إلى أهمِّ الأماكن، وتحدث مع السلطان عن الزيارة، وَقَابلَ غزوان السلطان وَأعجِبَ بِه.
عَادَ راتب من شهر العسل. كَانَ الحَكيم مَهووسًا بالبحث والتقصي والتدوين.
بَدَتْ وداد أكثر مُحافظةً إزاء الزُّوَّار، ما عدا سمير. وكانت تهتم بسمير كواجب للضيافة.
غياب راتب أصابها بعصبية؛ فَسَّرَهَا الحكيم بتغير جو موران. نَدِمَت على تزويج راتب، وتلبستها الغيرة، وبدأ الاهتمام بسمير شَيئًا فَشيئًا.
كانت تثير راتب باهتمامها بسمير. وكان هَمّ سمير المال. وعندما وَضَعت يدها على يده، وضغطت بقوة؛ بدا لسمير أنَّهُ يسير في شارع له اتجاه واحد، ولا بُدَّ أن يسير فيهِ إلى نهايته.
«حِبّ، واحكِ. واكره، واحكِ». هكذا قال الحكيم لراتب؛ بعد أن شكى إليه من سمير، وعن تغير موقفه وبخله، وَأنَّ الرجال لا يمكن أن يُعرفُوا إلا بعد أن يُجرَّبُوا.
وَدَافعَ الحكيم عن سمير فيما يتعلق بالفلوس، ولا يهمه المنصب. وما أراده راتب هو تشكيك الحكيم، ويصرف سمير عن وداد اللبوة التي اكتشفت جسدها في وقت متأخر.
عَرَفَت الحكيم حتى حرف الياء. سهراته الليلية مليئة بالحديث عن الجنس الذي لا يمارسه خُصوصًا مَعَها.
قال لها سمير بعد أن تحدث الحكيم عن العِفَّة، وانصرف من يتحدث بهذه الطريقة عن العِفَّة: «لَيسَ لديه الوقت لِمُمَارستها، أو لِيَكونَ عَفيفًا».
لايزال راتب يؤرقها؛ فَمَا إن تراه حتى تتحول إلى قِطَّة تشاهد اللحم. ليست هي التي تفكر وتقرر. جسدها وحده هو الذي ينتفض.
الحكيم يَسُفُّ الأدوية، ويبدو شَابًا، ثم يتلاشى. مشاعرها إزاء الحكيم غاية في الاضطراب: تحبه، وتكرهه في آن.
قال لها في لحظة تَباهٍ: إنَّهُ ظِلّ السلطان. هو الذي يقرر نِيَابةً عنهً؛ وهو المتصرف في كل الأمور.
الحكيم يُفَكِّر كَثيرًا في فلسفته (المُربَّع)، والكتب التي سيصدرها بجمع الدفاتر، ويختار الأسماء الأنيقة والأقلام، ثُمَّ ينصرف لهموم المال والسلطان؛ وَهَمُّهُ أن يُخَيِّمَ السَّلام على قصر السلطان.
يطمئن إلى مثاقفة سمير، وتحس وداد لوجوده. وداد تجاوزت الخامسة والثلاثين، ولكن لا يهم؛ فهي محتفية بجسدها، وتبدو صغيرة، ويرى فيها المفتاح لِلحُكم.
الحكيم غارق حتى أذنيه في التأمل في فلسفته (المُربَّع)، ويرى أنَّ الوقائع في الرياح، وفي الكون، وحتى في الجنس تدل على صدقها، ولكن انشغاله بها، يزعج وداد.
يرى الحكيم نفسه مثل الجَوزة المغلقة، وَأنَّ السِّرَ إذا جاوز اثنين ذَاعَ. وكل من حوله لا يمتلكون القدرة على فهم فلسفته.
يُدرِك الحكيم أهمية سمير كصحفي كُفء؛ بينما يعرف سمير أنَّ فلسفة الحكيم كلامٌ فارغ، ويضطر لمجاراته؛ لأنه مصدر القوة والثروة.
حَدَّدَ لقاءات أسبوعية لقضايا الفكر، والإعلام. يطرح القضايا المجردة والبعيدة؛ بينما سمير يريد مناقشة الهَمَّ اليومي، والقضايا المباشرة؛ فيستاء الحكيم؛ فيقول له سمير: «اسمح لي ياسيادة البيه أنَّ حياة سيادتك من الغنى إلى درجة أن تكتب لتكون قُدوةً للأجيال القادمة».
في مناقشاته مع سمير، أَشَارَ عَرَضًا إلى أنَّ لديه نظرية يريد أن ينصرف إلى تدوينها، ونشرها بين الناس؛ لِتَعُمَّ الفائدة، وَأنَّه اضطر إلى مراجعة أعداد كبيرة من الكتب القديمة.
فَكَّرَ في لبس عباءة سوداء مع البدء في التدوين. فهو كَقَاضٍ يُصدِر الأحكام. أطلق عليه سمير لقب «المعلم الرئيس»، وَوَضعَ اسمًا لكتابه المنتظر: «النَّامُوس الأساسي في الفكر السياسي؛ لأبي غزوان الحكيم النطاسي: صُبحِي المَحمَلجِي الطرابلسي».
وَدَخَلَ الحكيم في حيرة تتعلق بإهداء الكتاب للملك، وكلمات الإهداء، والحذر من استغلال الخصوم عدم وجود اسم الملك في المتن، وانتشار الكتاب وترجمته إلى أكثر من لغة؛ وبالأخص الألمانية، وتدريسه؛ باعتبار مؤلفه شخصية مرموقة.
اكتفى بالإهداء للملك كمرور؛ ولإرضاء الغرور. ويتوقع مدى اشتغال الناس والصحف والإذاعات بالكتاب. ويغوص في تفاصيل تفاصيل الكتاب: قِصَص التاريخ، وَقِصَص الأقدمين، وفيه الحكمة والشعر؛ ويمكن كل إنسان أن يقرأه ويخرج بنتيجة.
فَكَّرَ في مفاتحة سمير بالنظرية، ولكنه خشي أن تُنسَبَ إليه.
راتب يتردد في التحذير من سمير، ولكنه يؤجل الموضوع للمرة الثانية.
يدور حوار بين حَمَّاد، وعُمُّهُ شَدَّاد. حَمَّاد لم يتغير على أهله وأصدقائه؛ بل وعلى نفسه. تَعدَّدَتْ سفرياته وأسماؤه السِّريَّة، ونصحه الأمريكان بالتخفي، وعدم الظهور في الأماكن العامة، والاحتفاظ بمبالغ من المال للضرورة.
بَدأ حَمَّاد بالابتعاد عن الحكيم. يبدي الحكيم الخَوفَ كُلَّه من الرِّيَاح الحمراء، الأفكار والحركات المنتشرة في المنطقة.
يطلب الحكيم من حَمَّاد الإجراءات المتشددة، وَيُشبِّه الأفكار بالأوبئة الفتَّاكة، ويثير التَّشَدُّد أسئلةً في ذهن حَمَّاد، ويغرق الحكيم في هموم وأفكار أخرى.
زَوَّجَ الحكيم قريبته نادية لِحَمَّاد المطوع- رئيس الأمن والسلامة؛ لضمان ولائه دون جدوى. والحكيم يتعامل بِتَعالٍ، ويغرق في الأراضي، ودعاوى النظرية.
يَنسِج حَمَّاد علاقة بأبي سعيد الأسطَهْ- خصيم الحكيم، وَيعرفه جَيدًا، وأراضيه في حوران.
تَخلَّصَ حَمَّاد من نفوذ الحكيم، واجتذب إليه سمير، ومطيع، وراتب، وَكُلَّ مَنْ كَانَ حَولَ الحكيم.
سُمعة الحكيم تتهاوى. فَحمَّاد الأقوى مَحبوب ومزهو في آن. فالجهاز أنقذَ السُّلطان؛ حتى من إخوته. زَرَعَ عيونه في كُلِّ مَكَان، وَدَاخلَ القصر، ويعرف كُلَّ ما يدور في غُرَف الملك، وكيف نام، ومع من، وهل انتقل إلى سرير آخر.
والهدايا التي من يد السلطان تَحوَّلَت إلى جهاز شيوخ القبائل في حوران، والآتين من البلدان الأخرى: أعطياتهم، وهداياهم غير الجهاز، وأبرز شيوخ القبائل تتعاون مع الجهاز.
كَانَ حَمَّاد بَارعًا في إعطاء المال، وفي استعمال القوة والتهديد، وَدَائمًا الإغراء والشدة: المال، والخوف.
السُّلطَان يخاف من الغضب المتفشي في موران، ويتمنى لو أنَّ الكهرباء لم تدخل موران، وَأنَّ النَّاس لم يعرفوا الطائرة، وَأنَّ بلادهم بقيت على حالها.
والحكيم يعترض على إجراءات حماد. أمَّا «نظرية المُربَّع»؛ فتأخذ مساحة واسعة من السخرية.
حَمَّاد يريد موران ساكنة كالمقبرة، ويرسل تَهديدًا لنمر ابن شمران؛ فيرد عليه بقوة، ويسخر نمر من مطيع.
طَلبَ حَمَّاد من نمر أن يبتلع لِسَانه، وَرَدَّ عليه نمر: «الحرب أولها كلام».
عاد الأمير فنر بعد غياب بضعة أعوام قضاها بين سويسرا والنمسا والولايات المتحدة. وَبَالغَ خزعل في الاحتفاء بأخيه؛ لكن ما أزعجه صمت فتر، ورفضه السُّكنَى في القصر الذي أهداه له (قصر السَّعد).
وَعَلَّقَ: «مَنْ به طبع ما يتركه». وَرَأى السُّلطَان أنَّ فتر لايَزال يعيش عقلية أبيه خريبط؛ وغير مدرك التغييرات في واقع موران.
وَتَشهد موران حُمَّى التنافس في بناء القصور. ويحرص خزعل على بناء قصر لِكُلِّ زوجة من زوجاته، وشراء كل الأراضي المحيطة، وتسويرها.
وَصَلَ أمين الورداني- صاحب شركة الغزال للمقاولات والتعهدات، واستضافه الحكيم.
الأراضي التي اشتراها قَبلًا تتضاعف قيمتها مئات المرات. وَافقَ السلطان على أن يبني له قَصرًا شَبيهًا بالقصور العباسية، وَمَسجدًا كآيا صُوفيا.
رَفَضَ السُّلطَان تقديم القصر والمسجد كهدية من الشركة، ولكنه وافق على تسديد قيمة الفواتير بدون ربح.
بيع الحكيم أراضي «الحصيبة» التي باعها للقصر بأسعار خيالية أثَارَ غضب شَدَّاد المطوع، وألقى باللائمة على ابن أخيه حَمَّاد الذي أشار عليه بالبيع.
الأمير فنر عَادَ هذه المرة؛ ليبقى، وتمسك بسكنه القديم. السُّلطَان واثق من نفسه بعد أن وضع إخوته في جيبه، عدا محجم، وراكان. فَإنَّ بقية الإخوة غرقوا في لعبة موران الجديدة: التجارة، والشركات، والمضاربة بالأراضي، والاستيلاء على الأملاك والمؤسسات.
الإشاعات عن فنر، ورفضه القصر كهدية، بعثت القلق في نفس السُّلطَان.
لَبِسَ الحكيم العباءة السوداء، وَاستعدَّ لتدوين النظرية.
وَحَلِمَ بِأنَّ نِيرانًا تحاصره، وَكُلَّمَا حاول الهرب دفعه ملثمون لا تُرَى إلا عيونهم الحمر إلى وَسَط النَّار، وأصواتهم كهزيم الرعد.
رَبَطَ بين الرؤيا، وعودة فنر. ورأى الحكيم السلطان مَهمومًا، وَدَعا إلى اجتماع لجنة الأمن والسلامة، وتساءل عن أوضاع الأمن.
طَمَّنَه حَمَّاد بِأنَّ الأمور مقبوض عليها بيد من حديد، وَالنَّاس منصرفون لأعمالهم.
وَتَحدَّثَ الحكيم عن مخاطر الأفكار والحركات الآتية من الجوار، وَأنَّ المقاومة لن تكون إلا بالفكر والفلسفة الكاملة والقوية، ويجب أن يكون للسلطنة مُفكروها ودعاتها.
تلاقت نظرات السلطان بنظرات حَمَّاد، وَرَدَّ السلطان: «اللي يهمنا حدودنا، وما علينا بغيرها».
وبدا الخلاف بين سعيد وراتب حول المواد الأولية، ثُمَّ تشعب واتسع. وبعد حوار بين راتب، والحكيم وسعيد، ولم يصلوا إلى نتيجة= قال سعيد: «مثلما بدأنا أصحاب نتفاكك كأصحاب».
اطمئن السلطان إلى تأكيدات حَمَّاد، واستبدت الأوهام بالحكيم، وبدأت الشكوك في راتب، وعندما سأل وداد عنه، وعن علاقته بزوجته، عَمَّقَت شُكُوكَه، وَنَسبتْ إليه كُلَّ بَليَّة؛ مُحَذِّرَة الحكيم منه.
فَكَّرَ الحكيم في أنَّ كُلَّ ما بناه ينهار، وَأنَّ مَنْ أحسنَ إليهم يسيئون إليه؛ فكانت الصدمة الأولى.
أمَّا الصدمة الثانية: فقد تَمَّ -دُونَ علمه- اتفاق بين شركة الغزال، وبين رضائي، ومعه بعض الأمراء وسعيد والغامدي؛ لبناء ثلاثة مطارات في موران، وحوران، والثالث في الحدود الشمالية؛ إضافةً إلى بِناء شبكة من الطُرُق الدولية التي تربط السلطنة بالدول المجاورة.
بَذَلَ الحكيم مَجهودًا عَضليًّا؛ ليعرف، دُونَ فائدة، وَسَألَ راتب وحَمَّاد؛ وحتى السلطان، فلم يجد الجواب؛ فَشَعرَ بالخيبة.
عَادَ غزوان، وَرَاهنَ على بقائه، وَاكتشفَ سِعةَ صلاته بالأمراء والمسئولين، ولكنه استأذنه في العودة إلى أمريكا؛ لأنه وقع عَقدًا مع شركة لا يَستطيع التأخر يَومًا وَاحدًا. حَاولَ زيارة ولي من أولياء الله الصالحين، فلم يجد، ولم يكون بموران قُبورًا عندما زَارهًا.
سمعته وداد في الليل، وهو يبكي. رَدَّدَ في سِرِّه عدم حبه لموران. سَافَرَ غزوان، وَفَكَّرتْ وداد في قضاء الإجازة في الإسكندرية، بَينمَا رغب الحكيم في قضاء الإجازة في فِلَّتِهم في «شُويرَا» التي اشتراها قبل ثلاثة أعوام، وَلَم تُسكَن منذ عامين، ولكن تَدخَّلَ سمير، وأقنعه بالإسكندرية.
فَجأةً انتقل فنر إلى قصر السعد، وزار السلطان في قصر الخير.
ووداد أجَّلَت زيارة الإسكندرية حُبًّا لزيارة السلطان الذي ملأ حياتها، ولكثرة ما تزوج من النساء خلال زمن قصير. وعرفت أنه رأى صورها أثناء زيارتهم لأمريكا، وَأطَالَ النَّظَر فيها، وَرَأى شَبهًا بينها وغزوان.
انشغلَ الحكيم في التفكير بالكلمة التي سيلقيها أمام السلطان، أمَّا وداد، فنامت وحلمت. اشترطت على زوجها السَّلام على السلطان.
حَلِمت أنَّ السلطان جاء. ضحك كالحصان؛ فتبسمت. وَلمَّا ضَحِكَ أكثر، ضَحِكَت معه.
مَدَّ يده إلى ذراعها عند الكتف؛ وَكَأَّنه يحسَّ اللحم؛ فقد شعرت بنشوة، وبخوفٍ أيضًا.
وَلمَّا قَرصَها على خذها؛ صرخت بلذة، ولم تتألم. وَفَجأةً طَلبَ السلطان من الجميع الخروج؛ فخرجوا، وبقيت معه.
كَانَ قَويًا مثل ثور، وَبَسيطًا مثل طفل. يضع نظارته فوق عينيه. لحظة وأخرى ينظر إلى كُلِّ جُزء من أجزاء جسدها؛ وهي بمقدار ما تفرح تشعر بالخجل، لكن تحس بالنشوة إلى حين كان ينقلب فوقها؛ فقد أحسَّت بنار متوهجة؛ نار دافئة تملأ خلاياها كلها، وظلت هكذا وَقتًا طَويلاً. كانت تضحك، وتحاول الهرب لكن النار تطوقها من كُلِّ ناحية.
جَاءَ السُّلطان وَحيدًا كالمتسلل، ماعدا سَبعةً من الحرس، وغير السيارات.
سَلَّمَ على المرأتين: وداد؛ وابنته سلمى جلست قُبالَة السلطان، وغمزته مرتين. وطرح عليه الحكيم أنَّ غزوان يعمل في شركة أمريكية كبيرة، ويمكن أن يكون وَسيطًا في شراء السلاح من أمريكا، وَرَدَّ عليه السلطان بالابتسامة.
وعندما أخبر السُّلطان عن الكتاب الذي ينوي تأليفه، فَضَّلَ السلطان أن يكون الكتاب عن أبيه والسلطنة، وَأخبرَهُ أن سمير قصير سيتولى الصياغة.
في اليوم التالي للقاء الحكيم وسمير حَولَ الكتاب، قال سمير: «أنا موافق على القيام بالمهمة بشرطين:
الأول: مجموعة من المراجع من جلالته. والثانية: أن يخصص لنا جلسات عمل بعد إعداد الأسئلة».
وافق الحكيم، وضحك سمير: «وبيدفع كام؟».
لم يُفَكِّر الحكيم بالأمر.
قال: سمير إن كِتابًا عن السُّلطان ليس مثل أيِّ كتاب.
رَدَّ الحكيم: «لا تخف إذا خرج الكتاب مثل الصورة، وأرضى جلالته؛ فالمكافأة لا تسأل عنها».
قال سمير لنفسه: «صفقة العمر. شهادة تأمين مدى الحياة. عشرة آلاف.. مائة ألف.. خمسمئة ألف.. مليون نجنيه فرنك.. دولار».
وَفَكَّرَ في إنشاء مؤسسات تفوق «الأهرام»، و«أخبار اليوم». بَدأ الابتعاد عن وداد، فَاستاءت كَثيرًا، ورحلت إلى بيروت لتسجيل الأبناء في المدارس.
بعد عودة فنر الأخيرة، والانتقال إلى «قصر السَّعد»، سَادَ جَوٌ من الفرح بين الأخوة الأمراء، وازدهرت الأوضاع، وتشبه الفترة بما ساد بعد «الرَّحَبية».
يقارن حرص خريبط على المال، وشدته، ومنح خزعل وإهداره في صرف المال.
مالك الفريح- المسئول المالي- كان يصيح ويتعلل ويماطل ويرفض الصرف، ويعيق الحوالات، ويروي القصص والمواعظ والحكايا التاريخية؛ وَكَثيرًا ما يوجه الانتقاد للحكيم دون ذكر اسمه، وقد تَمكَّنَ الحكيم من إزاحته بطلب من السلطان، وَشَعرَ بالزهو والنشوة.
زَارَ الأمير فنر، وكان تقييمه أنه مجرد رجل عادي وبسيط، وأقرب إلى الأمية؛ لا يحسن أي لغة أجنبية. أقرب إلى المحافظة. لا يحس بالنكتة الذكية اللماحة.
قبل الانتقال إلى «قَصر السَّعد»، وتحسن علاقاته بخزعل، أجرى سمير ومطيع مقابلة صحفيَّة معه، وَسَادَ الاعتقاد أنَّ فنر جَاءَ للمساعدة.
هَيَّأ الحكيم لسمير المراجع. أمَّا اللقاءات مع السلطات، فمتروكة للمستقبل، وبحضور الحكيم، وتحت إشرافه.
ويواصل مطيع عموده في «الوَاحَة»، ويساعده سمير.
صُدِمَ الحكيم بانتخابات الغرفة التجارية لموران؛ فقد نجحت قائمة خصومه: سعيد، ورضائي، ورأس الغرفة الغامدي، وسمير عنفص، وقال: «لن أخط أسود على أبيض إلا بشرطين: المكافاة، وعشر جلسات عمل مع السلطان».
زيد الهريدي يتصل به، ويطلب منه الدواء الأزرق للسلطان.
زَارَ وَفدٌ من شركات تجارة السلاح الأمريكي يرافقهم غزوان الحكيم. وَقَابل السلطان، ووزارة الدفاع، وَوَقَّعَ مع سلطة موران عدة اتفاقات. استضافهم الحكيم في «فندق الرابية»، وقد وضعت في الأطباق مناشير ضد الاتفاقية، وضد الحكيم. ووقف صالح الرشدان بالطبل أمام الفندق يسخر من الحكيم، ومن الوضع، ولم يعترضه أحد، وكان موقف الأمن مُتأنيًا، وأجرى تحقيقات مع عديدين، وَنَشرَ البلابل (المخبرين).
وبالاتفاق مع أندروا، اتصل مجموعة من الأمريكان، وجرت دراسة عن الأوضاع.
قَامَ السُّلطان بجولة، ومعه الحكيم؛ كَردٍّ على زيارات فنر، واستقبل عند عودته استقبالاً حَافلاً ضَمَّ الأمراء.
الحكيم في حالة من الزَّهو. فالسيرة في الجيب، وكان همه الحصول على السلاح الأمريكي.
السُّلطان شديد الإلحاح في سؤال الحكيم عن عائلته، وقد أهداه سيارة سوداء كاديلاك.
بإصرار من وداد وُجِّهَت دعوة للسلطان، وَنُصِبَتْ ثلاث خيام في بادية المليحة على طريق حوران.
رُفِعَ على الوسطى علم موران، وَفُرِشَت بسجاد كاشان. وكانت وداد ترغب في السلام على السلطان، ولكن الرجال سيعرفون أنه يعرفها.
قال رضوان: «اللحم يكفي لجيش من سبعين فصيل هجانة». وقال: «إنَّ الخراف تكفي موران كلها»؛ فقد استمر الذبح من الفجر إلى الضحى.
فكر الأمير في أن تهبط الطائرة في قصر الخير، ولكن الأشجار حالت دون ذلك. كانت وداد تشعر بفرح أقرب إلى اللذة يفيض من خلاياها كلها.
زاره حَمَّاد، وَسَارره: «طويل العمر يريد سلمى». فقال الحكيم لوداد: «طويل العمر لا يريد التأجيل». فَوافقا فَرِحَين.
سلمى طفلة كاللعبة، والخطر عليها شديد. كانت أمي زهوة تصيح؛ فهي تعرف سلمى، ولا تريد قتلها، ولكن أبوها وأمها ضالعين. كانت الزوجة السابعة والعشرين.
ويقول عثمان الدميري: أنه عقد له على اثنين وأربعين امرأة. استمرت الاحتفالات في موران عِدَّة أيام، وَسَمَّت أمي زهوة المحملجي الحكيم القاتل.
وكانت تريد منع زواج سلمى، كَمَا مَنَعَت زواج بهدالة؛ فتزوج خزعل عديلة.
هي من يزوجه، وقد نصحت وداد، ولكن وداد والحكيم لم يلتفتوا، وربما اعتبروها حاسدة.
أحضرت الملابس والمجوهرات من فرنسا، ولم تشهد موران احتفالاً بزواج سابق للسلطان كهذا.
مُلحَق بالأماكن والشخصيات في مدن الملح
الأمَاكِن:
موران. الرحيبة. رأس بدرة. حوران. وادي الرهاب. طرابلس. حلب. دمشق. بيروت. رأس الطواشي. سوق الحلال.
الشَّخصِيَّات:
صبحي المحملجي. حمود الكايد. الشيخ محيسن. صادق. خريبط. السلطان. وداد. سلمى. البكري. خزعل. زيد الهريدي. فرحان المدلول. مطيع شخاشير. شمران العتيبي. فهد العليان. محمد عيد. نادية. غزوان. كمال. حامد. أمي زهوة. أبو عبدالله. وجدي الحائك. الدكتور عماد القباني. خيرية. راتب الفتال. زينب. وهيب. فهمي الحَجَّار. رضوان. ناشد الدبلان. سرور. سليمان. حسام. بدري (أبو مصباح). الحميدي. عبدالعزيز الغامدي. الحصان. شَدَّاد. مفلح. رضائي. راكان. ملجم. حماد بن صالح. ابن راشد. ابن جهيم. العجرمي. المجنون. ابن الدخيل. عبدالله الشبلي. غناري السهيل. عبدالله المشهور. العنود. راشد المطوع. مالك الفريح. ابن شاهين. ابن العيساوي. فواز. مناور. عديلة. زكية. حسني. أديبة. سعيد. شكيب الأسطه (أبو سعيد). صالح الرشيدان. الدوسري. عبيد الطويل. شمري. ابن الزَّمَّار. أبو عريفة. جوبير الصويحي. الصقلاوي. ابن مهيد. نمر. بدر. نجم. صالح. أمّ حَسَّان. سمير. أمّ جميل. عبدالمولى. الرونعي. الأمريكي: أندرور.
