سؤال وإشكال وتوجيه معنى آية
لَطَالمَا أشكَلَ عليَّ فَهم معنى هذه الآية: ﴿وَاتقوا فِتنةً لا تُصِيبينَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾. [الأنفال: 25]؛ لأمرين اثنين:
كَيفَ السبيل لِتوَقِّي فِتنَة، والاحتراز مِنهَا؛ وهي لا تصيب الذين ظلموا وَحدَهُم، وَإنَّمَا تشمل الجميع وَتَعمُّهم؟! أليسَ هذا تَكليف بِمَا لا يُطَاق!
كيف لغير الظالم أن يُصَابَ أو يعاقب بِعَملٍ اكتسبه غيره؛ والله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿ولا تزر وازرة وَزرَ أخرى﴾؟ [الأنعام: 164]. أي لا تحمل نَفسٌ ثقل أو ذنب نفس أخرى. ويقول -جلَّ شأنهُ- أيضًا: ﴿لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت﴾. [البقرة:286].
ثُمَّ بَدا لي في جواب هذا السؤال، قَبلَ أن أراجع كُتُب التفسير، أنَّ «لا» في قوله تعالى: ﴿لا تُصِيبنَّ الذين منكم خاصة﴾= ليست سوى «لام الابتداء» التي يؤتى بها لِغَرض التأكيد؛ أشبِعَتْ حَركَتها؛ فَصَارت «لا».
فهيَ نفسها الواردة في قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾؛ بمعنى لأقسم بيوم القيامة، وهذه الآية تخبط في معناها النُّحَاة والمفسرون، وقالوا في لامها: إنها زائدة!
وقد نَاقَشهم الباحث في مَقَالٍ له نشر في موقع «صحيفة النداء»، وَذَكَرَ أنها جاءت على لغة حمير. وقد حفظت لنا القراءات قراءة :(لأقسم)؛ وهي تؤكد هذا المعنى، ولها أيضًا شَاهِدٌ في العربية؛ وهو هذا البيت:
تَذَكَّرتُ ليلى فَاعتَرتنِي صَبَابةٌ
وَكادَ نياطُ القلب «لا» يَتقَطَّعُ
ثُمَّ إني رجعت لتفسير الطبرسي؛ وهو من معتدلي علماء الإمامية وأئمتهم المعتبرين؛ فَذكَرَ أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ومحمد الباقر، والربيع بن أنس وأبو العالية قرأوها: (لَتًصَيبَنَّ).
فَتكون قراءة مَنْ قَرأهَا بـ «لا» أشبعَ حركةَ اللام فيها؛ حتى صَارَت «لا»، وِفقًا للغة حمير. فَـ «لا» في مَحَكيَّة اليمنيين؛ ويخاصة «يريم»، وأهلها الحميريين= يُؤتَى بها في محادثاتهم لمعنى التأكيد.
يقول أحدهم: «أنا لا احبك»..، «أنا لا احنَجُكْ» بمعنى إني لأحبكَ حبًا جَمًّا؛ فهي بمثابة اللام التي يؤتى بها في سياق التأكيد في فصيح العربية، وليست هيَ النافية كَمَا تَوهَّمَ كَثيرٌ من النُّحَاة والمفسرون.
وَذَكرَ الطبرسي عن ابن جِنِّي أنَّ معنى هاتين القراءتين: (لا تُصِيبينَّ)، وَ(لَتُصِيبنَّ) متضادتين؛ لأنَّ أحدهما إثبات؛ بمعنى ثبوت إصابة الذين ظلموا خاصة. والأخرى نفي؛ بمعنى أنها لا تصيب الظالمين وحدهم؛ وإنما تَعُمُّ الجميع. (مجمع البيان: 4/489).
وبرأي الباحث ألا تَناقضَ بينهما؛ فَهُمَا سَوَاء؛ غَيرَ أنَّ «اللام» التي يؤتى بها للتأكيد؛ أشبِعَتْ حركتها؛ فصارت «لا» كما هِيَ في بقية القراءات.
فَظَنَّ مَن ظَنَّ مِمَّن سَمعهَا أو قرأها برسم «لا»= أنَّها النافية؛ وليست هِيَ، وَإنَّمَا هي نفسها المؤكدة.
نَعَم مَن ذَهبَ إلى أنَّها نافية؛ فلا شَكَّ أنَّهْ يناقض بِهَا القِرَاءة الأخرى.
نظرة في هذا التركيب النحوي:
من الملاحظ في هذا التركيب النحوي في فصيح العربية والمحكية اليمنية أنه يجاء به في سياق التحذير من وقوع أمرٌ محتم، فيما لو تَمَّ تَجاهُل حيثياته.
وقد استخدمه القرآن الكريم في آيتين اثنتين: الأولى: الآية المذكورة آنِفًا.
والثانية في قوله تعالى: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم؛ لا يَحطمنَّكم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون﴾. [النمل: 18].
دعونا نقارب معنى هاتين الآيتين. فَكلا الآيتين مركبة من جملتين: الجملة الأولى بصيغة الأمر، والثانية جاءت بصيغة (النهي)، أو أنها واقعة في جواب هذا الأمر. فعلى الأول: فالمعنى ظاهر. فالنملة أمرت زميلاتها النمل أن يدخلن بيوتهن، ثُمَّ حذرتهن بصيغة النهي من أن يحطمهن سليمان وجنوده في حال عدم دخولهم.
ودخول نون التوكيد في الفعل المسبوق بلا الناهية وردت به العربية وجاء في التنزيل؛ نحو قوله تعالى: (وَلا تَحسبنَّ الله غَافِلاً)
وعلى الثاني: فالنملة في تحذيرها لبقية النمل من مَغبَّة عدم دخول مساكنهن، تقول لهم: إلا تفعلوا ذلك؛ حطمكم سليمان وجنوده، وهم لا يشعرون.
ولتأكيد مضمون وقوع الخبر جيء باللام: «ليحطمنكم»، في قراءة، أو (لا يحطمنكم) في بقية القراءات، وألحقت نون التوكيد بآخر الفعلين لمزيد من التأكيد.
فَالآية الأولى، حذَّرَ فيها الله -عَزَّ وجلَّ- المؤمنينَ من فتنة تصيب الظالمين منهم خاصة، بعد أن أمرهم قبل ذلك بالاستجابة له ولرسوله إذا دعاهم لِمَا يحييهم؛ قَائلاً: ﴿واتقوا فتنة لا تُصيبينَّ الذين ظلموا منكم خاصة﴾.
ومعنى الآية: إلا تجتنبوا الفتنة باتِّقَاء أسبابها والتعرض لها، تُصِبْ من بَاشَرهَا، وسعى فيها منكم؛ مِمَّنْ ظَلمَ نفسه.
وقد أكَّدَ مضمون جملة جواب الأمر بمؤكدين اثنين:
- اللام المشبعة حركة فتحتها حتى صارت «لا».
- ونون التوكيد الثقيلة المُلحَقَة بنهاية الفعل.
وهذا جزاء وقَصِاص عَادل؛ إذ لا يجني الجاني إلا على نفسه.
وكذلك الأمر في آية «سورة النمل»؛ فإنَّ مَنْ عَمِلَ بنصيحة النملة، وَدَخَلَ إلى مساكن النمل الخاصة بها؛ نَجَا من أن تسحقه أقدام سليمان وجيشه الضخم، ومن خالف؛ سيصيبه مغبة مخالفة الأمر.
إذن يُمكننا صياغة آيتي سورة الأنفال والنمل كالآتي:
- أيُّهَا المؤمنون اتقوا تعاطي أسباب الفتنة. فَمَن خَاضَ فِيهَا منكم، ولم يَكُفَّ نَفسهُ عنها؛ أصابته وَلَحِقَهُ شُؤمها.
- أيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم. فإلا تفعلوا ذلك، حطمكم سليمان وجنوده.
وكما هو ملاحظ في معنى العبارتين أنَّ مضمون جملتي جواب الشرط الواقع في الآيتين يتحقق بانتفاء الشرط. بمعنى أنَّ الظالم لنفسه الذي لم يَتَّقِ الفتنة تصيبه وحده، ومَن لَمْ يَتوقَّ من النمل بالدخول إلى مسكنه سَيسُحِقَ بأقدام سليمان وجنوده، دون سائر النمل التي دخلت مساكنها.
هذا هو المنطقي والمعقول الذي تساعد عليه قواعد العربية، وقوانين القرآن، ونظام العقل؛ فإنَّ اتقاء أسباب الفتنة من قبل المؤمنين، ودخول المساكن من جهة النمل، أمور مقدور عليها، ويمكن تنفيذها، وتجنب عواقب مخالفتها.
بخلاف الأمر باتقاء فتنة من صفتها أنَّهَا لا تصيب الظالمين وحدهم؛ بل تَعُمُّ الجَميعَ وتشملهم؛ فيما لو جعلنا «لا» نافية= فإنَّ ذلك مُتَعذِّر ومستحيل.
وفي مثل هذا قَالَ الحَلاج:
ألقَاهُ في اليَمِّ مَكتُوفًا، وقَالَ لَهُ:
إيَّاكَ! إيَّاكَ أن تَبتَلَّ بِالمَاءِ!
وإذا ما صغنا آية النمل وِفقًا للشكل الآخر على أساس أن «لا» نافية:
- يا أيها الذين آمنوا اتقوا فتنة. فإن اتقيتموها، فإنها لن تُصِيبَ الظالمين منكم خَاصَّة؛ بل ستعمكم جميعًا!
= ظَهَرَ لنا اضطراب هذا المعنى وفساده؛ مَا يَدلُّ على أنَّ «لا» في هاته الجملة ليست للنفي.
هذا أولاً.
وثانيًا: إنَّ جمهور النحاة لا يجيزون دخول نون التوكيد على الفعل المنفي بـ «لا». وإن تكلف ابن حيان في تجويزه في تفسيره «البحر المحيط».
وبخصوص ترجيح هذه القراءة يورد الطبرسي عن ابن جني هذا السُّؤال:
«هل يجوز أن تحمله على أنه أراد «لَتُصيبنَّ»، ثُمَّ أشبعَ الفتحة؛ فأنشأ عنها ألفًا؟».
ويجيب قَائلاً: «قيل: قوله تعالى فيما يليه: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ أشبه بما ذكرناه».
وهذا من ابن جني ترجيح بحكم سياق معنى الآية. وإلا فأيُّ معنى أن ينال الله بتهديده وعقوبته الشديدة من لا يستحقها، ولا تعرض لأسبابها؟!
فإذا تَبيَّنَ ذلك، ظَهَرَ لك ضعف كلام الشوكاني في تفسير معنى هذه الآية حين قال: «ومن شدّة عقابه أنه يصيب بالعذاب مَنْ لم يُباشِر أسبابه!». (فتح القدير: 3/ 170).
وهو شَبِيهٌ بما قاله الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾ [الإسراء: 16].
«أنَّ ظاهر الآية يدل على أنه -تعالى- أراد إيصال الضَّرَر إليهم ابتداءً، ثُمَّ توسَّلَ إلى إهلاكهم بهذا الطريق!». (مفاتيح الغيب: 20/ 140).
كلام الفراء في معنى الآية، وَردِّ أبي علي الفارسي:
ذَكَرَ الفَرَّاء في كتابه «معاني القرآن»، عند تعرضه لمعنى هذه الآية: (واتقوا فتنةً...): أنَّهُ «أمرهم، ثُمَّ نَهَاهُم. وفيه طرفٌ من الجزاء؛ وإن كانَ نَهيًا».
وقد بالغ أبو علي الفارسي في الرَّدِّ عليه حتى أنه لم يصرح باسمه.
وقد أورد الفارسي كلام الفراء على نحو مختلف. ولست أدري أهو من اختلاف النسخ، أو غير ذلك. قال الفارسي: «زَعَمَ بعض النحاة أنَّ هذا جزاء؛ فيه طَرفٌ من النهي. فإذا قلت: انزل عن الدابَّة لا تطرحك أو لا تطرحنك. فهذا جواب الأمر بلفظ النهي».
والذي يهمنا من كلام الفرَّاء أنه لا يزال في التعبير الدارج؛ في المحكية اليمنية، إذا أرادت الأم تحذير طفلها إذا ارتقى إلى مكان مرتفع، وخشيت سقوطه، أن تقول له: «انزلْ لا تفلت». وإذا اقترب من دابَّةٍ جامحة يقال له: «ابتعد.. لا يرفسك الحمار».
وهذا كله بمعنى إلا تنزل؛ تسقط، وإلا تبتعد؛ يرفسك الحمار.
كَمَا يُلاحظ من هذه الصيغة المكثفة والفريدة امتزاج جملة الشرط والجواب بِشَيءٍ من النَّهي.
