وسام على صدر وسام
خلال سنوات الانحدار والموت، ينهش ما تبقى من كيان بلد ظل وما زال تحت مداميك الظلم والتخلف، يُظلم ويُقتل، لكنه وطن... ظل مقاومًا للظلم، للظلام، لا يستكين، يأبى الرضوخ لواقع يُجتز من دمه، عنيدًا يقاوم. إن رأى الواقع كالحًا يحول دون البقاء فيه، يهاجر، لا لكي ينسى وطنًا إليه ينتمي، بل لكي يصنع المعجزات أناسًا يظلون بالقلب يحملون الذكريات، أيًّا تكون. هكذا كان وما زال يمننا العزيز: ذكريات بصدر حامليها، مرة حلوة، لكنها إكسير عصير الحياة، يسعدهم ويشدهم وهم بمنافي الأرض يتوزعون، حاملين أقسى وأجمل الذكريات عن أرض فارقتهم ولم يفارقوها. تظل جزءًا من كيانهم الذي كان، وإصرارًا على أنه باقٍ، ليكن بهم ومعهم وطنًا عزيزًا.

هكذا هي سيرة مهاجري أهل السعيدة إلى بلاد الاغتراب. المؤسف أنهم، وفي منافي الاغتراب، يشعرون أنهم كانوا غرباء في بلادهم تحت سطوة وسلطة السوط الغشيم، مجرد رعية، لكنهم يصرون على قهر القهر. يكدّون ويكدحون، يصيرون أرقامًا في عوالمهم التي إليها توافدوا. ووسام، الذي نهدي لروحه ولروح أبيه ولكل من كان مثل وسام وأبيه مهاجرًا، نرفع التحايا، ونرفع معهم اسم وصورة اليمن عاليًا كي تظل أرواحهم شغوفة بالعودة للجذور، للأصل، للوطن العزيز، اليمن السعيد، الذي يأبى البعض، مع الأسف الشديد، شرف الانتساب إليه، محاولًا بشتى السبل إحراق أوراق التاريخ ومحو اسم اليمن. وتلك كارثة من ألقى نفسه في اليم كي يعوم في مياه الكراهية لتاريخ بلد وشعب أصيل. ما علينا، هذا أمر التاريخ الحاضر كفيل بمواجهته.
أعود لمن تم اغتياله ظلمًا وعدوانًا: وسام، الذي تشرب معنى حب الوطن بزمن من يفرطون بسيادة الوطن، بزمن من يسعون لتقسيمه وتجزئته. وسام الحامل عقلًا، تعلّم وتثقّف وتدرّب، أمسك بمفاتيح علم التعامل مع مشاكل الأوطان ومشاكل الإنتاج في مواقع ومواطن الإنتاج. عاد حالماً لأرضه وأهله كي يغدق من معارفه وعلمه ما يتوجب من الحلول عبر معارف عركها بمعاهد وجامعات العلم. عاد فرحًا كي يغدق من معارفه وعلومه خطوات وإشارات وإرشادات بكل موقع تواجد أو عمل فيه. فقد شده حنينه كي يسهم بخبرته التي ما بخل بها لمن هم بمخيلته أهل وأعزاء وأبناء وطن استشعر أنه دعاه للعودة.
وحين هاتفه جرس الوطن لبّاه، ليموت شهيدًا. قد حل ضيفًا ثقيلًا على صنعاء الكروم يومًا، لكن بعض نتوءات الزمن الأهوج لم تحسن استقبال وسام تاجًا على رأس المعارك. أراد أن يساهم، لكن كانت عناصر الصد بالمرصاد. لم يهاجر، بل ظل يحلم بأن تتاح له فرصة كي يساهم. اختطف رجليه ليصل أرض الجنوب، ليصل عدن، مدينة تاريخ احتضن منذ زمن بعيد كل من أتاها بقلب متسع لا يساوم. لكن دوام الحال من المحال يا وسام.
رمتك المقادير إلى عدن التي كانت، وما تزال قبلة لمن يحلمون بقلبها متسعًا للجميع. ومعذرة يا وسام، عدن التي كانت لم تعد كما كانت، حولتها غوائل الدهر والقتل والاغتيال إلى مكان موحش لا ينتمي لثقافة مدنيتها، دخيل. عفوًا يا وسام، ترصدتك عيون الموت، تغتال وتقتل... تقتل روح مدينة طيبة مسالمة. قتلوك اغتيالًا وأنت تحضر من عصارة أفكارك حلولًا لمشاكل تعشعش داخل أضابير صندوق التنمية الاجتماعية. اغتالتك رصاصات الغدر، رصاصات مصادرة الروح عن الجسد، كي يبقى الكفن كفنًا لوطن يبحث عن إجابات لأسئلة: ترى من يقف وراء عمليات الاغتيالات، الأمس واليوم والغد؟ والمدينة براء من هكذا تشوهات.
بعقل الزمن تمرد فاعل بات قاتلًا يقتل. المدينة لن تساوم، تسأل، ولن يمر القتلة؛ تاريخ المدينة لن يساوم.
وسام، أيها الراحل العزيز، د. أنت رمز البساطة حين تعني وطنًا يشتاقه المرء، يفديه حقًا بعلمه وروحه ودمه. وهكذا فعلت يا وسام، وما فعلته تاج على رأسك ورأس أبيك، ذاك المهاجر المغترب الذي أهدى اليمن جوهرة اغتالها من لا يعرف معنى وقيمة جوهر الإنسان حين يتملك علمًا وخبرة أثمن من جواهر المناجم والبنوك. وتلك جواهر كنت تملكها يا وسام، وأتيت طواعية تطوق عنق بلد إليه انتميت، رغم الهجرة والاغتراب. الوطن غالٍ يا وسام، وذلك أمر القتلة أبدًا لم ولن يعرفوه ولن يدركوه، لأنهم قتلة. ولأنك، يا وسام، صرت وسامًا عاليًا بصدر وطن ضحيت من أجله.
أيها الراحل العزيز... وداعًا.
ولروحك وروح أبيك وذويك ووطنك العزاء.
