الأحد 3 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عندما يُستهدف الداخل من الخارج.. يخسر الوطن

عندما يُستهدف الداخل من الخارج.. يخسر الوطن

عرفنا نماذج لحكوماتٍ اضطرت إلى مغادرة أوطانها تحت وطأة الحروب في مكان، أو الصراعات على السلطة في مكانٍ آخر، لكنها احتفظت بقدرٍ من الشرعية بفعل الاعتراف الدولي واستمرار تمثيلها للدولة في المحافل الخارجية. وإن بدت حالة استثنائية، فإنها تظل ممكنة من الناحية القانونية والدبلوماسية، حتى وإن تآكل حضورها في الداخل أو تراجع تأثيرها الشعبي.

ولكن الحال يختلف عند الحديث عن الأحزاب السياسية، ويُعدّ القياس على تلك الحالة خطًا مكلفًا. فالحزب ليس كيانًا قانونيًا دوليًا يستمد شرعيته من الخارج، بل هو كيان يستمد شرعيته من قواعده، ووجوده من تفاعله شبه اليومي مع مجتمعه. مكانته وقوته في الناس، لا في الاعترافات، وشرعيته في حضوره بين جمهوره، لا في حضوره خارج الحدود.
إن ابتعاد الأحزاب عن قواعدها، وانقطاعها عن واقعها الاجتماعي، يُفقدها تدريجيًا مبررات وجودها، ويعزلها -مع مرور الوقت- لتصبح كيانات بعيدة عن الناس، لا تأثير لها في الداخل، أو تتحول إلى أدواتٍ تُدار من خارج السياق الوطني.
وفي حالة اليمن، تظهر هذه الإشكالية بوضوح. فبينما يمكن تبرير بقاء الحكومة خارج البلاد ضمن سياقٍ معقد فرضته الحرب والاختلالات السياسية، فإن استمرار بعض الشخصيات -التي انقطعت عن الداخل لسنوات طويلة- وبغضّ النظر عن وضعها القانوني في الحزب، في محاولة التأثير على بنية الأحزاب الوطنية أو التدخل في شؤونها التنظيمية، يثير تساؤلات مشروعة من حيث التوقيت -ولا أقول النوايا- حول الأهداف والجدوى.
إن المساس بالأحزاب من الخارج، وعلى رأسها المؤتمر الشعبي العام، عمل غير صالح، ولا يمكن اعتباره عملًا وطنيًا، ولا يخدم استعادة الدولة، بل يفتح الباب أمام مزيد من التمزق والتشظي. فالأحزاب، مهما اختلفت توجهاتها، تظل أحد أعمدة الحياة السياسية، وأي إضعافٍ لها في هذه المرحلة الحرجة سينعكس سلبًا على المشهد الوطني برمّته.
لقد اختار المؤتمر الشعبي العام، بقيادته في الداخل، أن يبقى حيث يجب أن يكون: بين قواعده، قريبًا من الناس، مشاركًا لهم المعاناة، ومتفاعلًا مع واقعهم بكل تعقيداته. وهذا الخيار، رغم كلفته الباهظة، هو ما يمنحه شرعيته الحقيقية، ويؤكد أن بقاء الحزب حيًا مرهون ببقائه داخل مجتمعه، لا خارجه.
إن التحدي اليوم لا يكمن في تصفية الحسابات أو تصدير الخلافات، بل في استعادة البوصلة الوطنية. فاليمن، الذي أنهكته الحرب ومزقته الانقسامات، بحاجة إلى خطاب جامع لا إقصائي، وإلى جهدٍ تراكمي لا هدمٍ متبادل.
ومن هنا، فإن الدعوة الصادقة تتجه نحو فتح حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. حوارٌ يعيد لُحمة الصف، ويؤسس لسلامٍ عادل، ويضع أسس دولةٍ يتساوى فيها الجميع، وتتكامل مع محيطها الإقليمي بما يحقق تطلعات شعبها المشروعة في الأمن والاستقرار والتنمية.
أما الاستمرار في استهداف الكيانات السياسية من الخارج، تحت أي مبرر، فلن يقود إلا إلى مزيد من الضعف، ولن يخدم إلا مشاريع التفكيك، وهو ما يرفضه الضمير الوطني، وتدحضه مسؤولية اللحظة التاريخية.
فالوطن لا يُبنى من خارج حدوده، ولا تُصان وحدته بتفكيك قواه، بل بتكاتف أبنائه، حيث هم، من أجل مستقبله.
* برلماني وسفير سابق